مع اقتراب فصل الشتاء، تبدأ في قرى محافظة الحسكة عملية “السياع” أو “اللياص”، وهي ممارسة سنوية لترميم البيوت الطينية وحمايتها من الأمطار، وتحولت في بعض المناطق إلى مناسبة يشارك فيها الأقارب والجيران إلى جانب أفراد الأسرة.
وتعتمد العملية على تغطية الأسقف والجدران بطبقة جديدة من الطين الممزوج بالتبن، باستخدام طرق ومواد توارثها سكان المنطقة، في وقت لا تزال فيه البيوت الطينية موجودة في عدد من القرى رغم انتشار البناء الإسمنتي.
الطين والتبن في بناء المنازل
تعتمد البيوت الطينية على مواد محلية، أبرزها التراب والتبن والقش والماء، ما يجعل بناءها وصيانتها أقل كلفة مقارنة بالمنازل الإسمنتية.
ويقول ياسر العبد اللطيف، أحد سكان ريف الحسكة الشرقي، إن البيوت الطينية “أرخص من الأسمنتية، وتحافظ على برودة الجو في الصيف ودفئه في الشتاء”، مشيرًا إلى أن السكان يرممونها سنويًا قبل هطول الأمطار لمنع تسرب المياه.
وتُبنى الجدران من اللبنات الطينية المصنوعة من خليط التراب والماء وتبن القمح أو الشعير، وتُشكّل داخل قالب خشبي يُسمى “المِلبَن”، بينما تتكون الأسقف من أعمدة خشبية تغطى بالقصب أو “الزل”، وربما الشوادر، ثم توضع فوقها طبقات من القش والطين.
وتختلف أشكال الأسقف وطريقة بنائها من منطقة إلى أخرى. ففي أقصى الشمال الشرقي للمحافظة، تُبنى بعض الأسقف على شكل “تبة”، أي ارتفاع بسيط في وسط السطح يساعد على منع تجمع المياه، مع استخدام “رفوف توتياء” لتصريفها.
وفي مناطق من الحسكة، تكون الأسقف مسطحة ومزودة بمزاريب مصنوعة من التنك، بينما تعرف في مناطق أخرى أسقف باسم “درباسية”، وتكون ذات شكل هرمي وميل شديد، ويمكن استخدامها لتخزين الأعلاف أو كحظائر للحيوانات.
استعداد لموسم الأمطار
تبدأ عملية السياع عادة مع نهاية أيلول وبداية تشرين الأول، قبل اشتداد الأمطار، إذ يجري خلالها تفقد الأسقف والجدران ومعالجة الأجزاء المتضررة.
وتبدأ العملية بتحضير ما يعرف بـ”الجبلة”، وهي خليط من الطين والماء والتبن. ويُفضل بعض السكان استخدام التبن الناعم للحصول على خلطة أكثر تماسكًا.
ويقول مجيد الحامد، من سكان ريف الحسكة الشمالي، إن السكان يتعلمون هذه الطريقة من آبائهم، موضحًا أن التبن الناعم يعطي تماسكًا أفضل، فيما كان يضاف المازوت أحيانًا إلى الطين للمساعدة في منع نمو البذور.
بعد تجهيز الخلطة، تُنقل إلى الأسطح بواسطة السطول والحبال، ثم يتولى شخص لديه خبرة توزيعها وتسويتها باستخدام “المالج”، وهي أداة تستخدم لتسطيح الطين، بهدف تغطية السطح وتقليل الفراغات التي قد تسمح بتسرب مياه الأمطار.
وتحتاج العملية إلى خبرة في تحديد كمية الطين والتبن والماء وطريقة توزيع الخليط، خاصة في الأسطح التي تعرضت للتشقق أو التآكل خلال العام.
وفي بعض المناطق، دخلت مواد حديثة إلى عملية الترميم، مثل النايلون والكرتون، وتستخدم كطبقة عازلة تحت الطين.
ويقول عبود المحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، إن السكان يفضلون القش في بعض الحالات لأنه يعزل الحرارة والبرودة بصورة أفضل، بينما أصبح النايلون أكثر انتشارًا بسبب سهولة توفره.
“الفزعة” ترافق أعمال الترميم
لا تقتصر عملية السياع على العمل داخل المنزل، إذ يشارك فيها الأقارب والجيران وفق عادة تعرف باسم “الفزعة”، وهي تقديم المساعدة لإنجاز العمل دون مقابل.
ويصف الحامد مشاركة أفراد الأسرة والجيران بأنها مناسبة تجمع الصغار والكبار في أجواء من الأحاديث والضحك، وتتيح للعائلات الاجتماع وتبادل المساعدة.
ويقول العبد اللطيف إن “الفزعة ليست فقط لترميم البيوت، بل لترميم العلاقات بين الناس”، موضحًا أن الأهالي كانوا يجتمعون أثناء العمل، فيما تشارك النساء في إعداد الطعام.
وكانت أعمال السياع في السابق تعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة أبناء القرية بصورة تطوعية، بينما تغير هذا النمط مع الظروف الاقتصادية، وأصبح بعض العاملين في ترميم البيوت يحصلون على أجور.
لكن هذا التغير لم ينهِ المشاركة الاجتماعية، إذ لا تزال العائلات تستعين بالأقارب والجيران في أجزاء من العمل، خصوصًا في القرى والمناطق الريفية البعيدة عن المدن.
وبحسب الباحث الاجتماعي أحمد الحسن، فإن التعاون خلال السياع يرتبط بطبيعة الحياة في القرى، حيث يحتاج العمل إلى أكثر من شخص، سواء في تحضير الخلطة أو نقلها إلى السطح أو توزيعها.
ويرى الحسن أن مشاركة أفراد الأسرة والجيران تتيح أيضًا نقل معرفة عملية بين الأجيال، إذ يتعلم الأصغر سنًا طريقة إعداد الطين وترميم المنزل من الأكبر سنًا، إلى جانب استمرار عادة المساعدة المتبادلة بين سكان القرية.
مواد محلية وتكلفة أقل
إلى جانب الشق الاجتماعي، توفر البيوت الطينية خيارًا منخفض الكلفة للأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف البناء الإسمنتي أو صيانته.
فالمواد الأساسية المستخدمة في بنائها متوفرة في البيئة المحلية، كما لا تحتاج أعمال الترميم إلى معدات متطورة، ويمكن لأفراد الأسرة المشاركة في جزء كبير منها.
ويقول السكان إن استخدام الطين في البناء يساعد كذلك على الحفاظ على درجات حرارة أكثر اعتدالًا داخل المنزل، إذ يحافظ على البرودة نسبيًا خلال الصيف والدفء خلال الشتاء.
كما أن الاعتماد على التراب والتبن والقش والماء يجعل هذه البيوت مرتبطة بالبيئة المحيطة بها، ويقلل الحاجة إلى مواد بناء مصنعة في بعض مراحل الإنشاء والترميم.
تراث يتغير ولا يختفي
رغم توسع البناء الأسمنتي، لا تزال بعض العائلات في أرياف الحسكة متمسكة بالبيوت الطينية، سواء بسبب انخفاض كلفتها أو ارتباطها بذاكرة السكان وحياتهم الريفية.
ويقول المحمد إن “السياع ليس مجرد ترميم، بل إرث ثقافي يجب توثيقه وتعليمه للأجيال القادمة”.
وتواجه هذه الممارسة في الوقت نفسه تغيرات مرتبطة بانتشار مواد البناء الحديثة وتبدل أنماط الحياة، إلى جانب استخدام النايلون والكرتون بدل بعض المواد التقليدية، وتحول جزء من أعمال الترميم من المشاركة التطوعية إلى العمالة المدفوعة.
ومع ذلك، تستمر عملية السياع في عدد من قرى الحسكة مع حلول كل خريف، إذ يبدأ السكان بترميم الأسقف والجدران استعدادًا لموسم الأمطار، ويحافظون في الوقت نفسه على جانب من الخبرة المتوارثة وطريقة التعاون التي رافقت هذه البيوت منذ بنائها.
- وزارة الداخلية: حزب الأصالة والمعاصرة يفوز بالانتخابات البرلمانية في المغرب
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- المغرب… وقفات بعدة مدن دعما لـ”الصمود الفلسطيني” ورفضا للتطبيع
- أنباء عاجلة ... وزير الري يقف على اشغال إصلاح قناة الرئيسية للمياه بحي ذراع لكحل بلدية بودواو - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... بوسعادة.. قتيل و 4 جرحى في اصطدام سيارة بأحد الأشخاص وانحرافها - بوابة مصر الجديدة



0 تعليق