نالت جامعة “دمشق” المركز 54 عربيًا للمرة الأولى في تاريخها، في التصنيف العربي للجامعات لعام 2025، وذلك من أصل أكثر من 1497 جامعة ومركز بحثي عربي.
وجاءت جامعة “دمشق” في المركز الأول محليًا على هذا التصنيف، في حين احتلت الجامعة “الدولية الخاصة للعلوم” المرتبة الثانية، ثم جامعة “الأندلس” للعلوم الطبية، ثم جامعة “اللاذقية”.
مدير مكتب التصنيف في جامعة “دمشق”، الدكتور مروان الراعي، وصفَ في حديثه لعنب بلدي هذا الأمر بـ”الإنجاز الأول من نوعه في تاريخ الجامعة”، معتبرًا أنه “يعكس الجهود المستمرة التي تبذلها جامعة دمشق في سبيل تحسين جودة التعليم والبحث العلمي”.
ويعتمد التصنيف العربي على عدد من المعايير الرصينة، بحسب الراعي، إذ يأتي في إطار معايير محددة تتبع لاتحاد جامعات الدول العربية، والتي تهدف إلى تقييم أداء الجامعات العربية بناءً على مجموعة من المعايير الأساسية:
• جودة التعليم: يُعتبر هذا المعيار من أهم المعايير، إذ يتم تقييم جودة البرامج الأكاديمية، المناهج الدراسية، وطرق التدريس المستخدمة في الجامعات.
• البحث العلمي: يُعطى البحث العلمي أهمية كبيرة في هذا التصنيف، إذ يتم تقييم عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة، وتأثيرها في المجتمع الأكاديمي.
• الابتكار: يُقاس الابتكار، وفق مدير مكتب التصنيف، من خلال عدد المشاريع البحثية الجديدة، والبرامج التي تساهم في تطوير المجتمع، بالإضافة إلى الشراكات مع المؤسسات البحثية والصناعية.
• الشراكات الأكاديمية: تُعتبر الشراكات مع الجامعات العالمية والمراكز البحثية من العوامل المهمة التي تعزز من مكانة الجامعة، إذ تُسهم في تبادل المعرفة والخبرات.
• الموارد المتاحة للطلاب: تشمل هذه الموارد المكتبات، المختبرات، والمرافق التعليمية الأخرى التي تساعد الطلاب في تحقيق أهدافهم الأكاديمية.
وأضاف الراعي، أن احتلال جامعة “دمشق” للمركز 54 عربيًا يُعتبر إنجازًا، إذ “يُظهر التزامها بتقديم تعليم عالي الجودة، كما يعكس التحسينات التي تم إدخالها على البرامج الأكاديمية، وتطوير المناهج لتلبية احتياجات السوق ومتطلّبات العصر”، على حد ذكره.
على صعيد المنافسة المحلية، دخلت التصنيف ست جامعات سورية، ما يعكس الجهود المبذولة لتحسين جودة التعليم العالي في البلاد. وفق الراعي، متوقعًا المزيد من الإنجازات في المستقبل مما يُسهم في تطوير المجتمع والاقتصاد الوطني. في حين شهد التصنيف خروج جامعة حلب.
إنجاز نسبي أم مؤشر أداء؟
الباحث الأكاديمي، الدكتور مصعب الشبيب، قال لعنب بلدي، إن التقدم الذي شهدته بعض الجامعات السورية مؤخرًا يُعدّ مؤشرًا مهمًا على قدرة بعض مؤسسات التعليم العالي في سوريا على الاستمرار بأداء وظائفها الأكاديمية والبحثية، رغم التحديات المركبة التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الماضية.
من منظور علمي، من الضروري التأكيد أن التصنيفات الجامعية، سواء العربية أو العالمية، لا تُبنى على أسس شكلية أو اعتبارات غير أكاديمية، بل تعتمد على منظومات تقييم واضحة تستند إلى معايير كمية ونوعية قابلة للقياس والمقارنة.
وتختلف أوزان هذه المعايير من تصنيف إلى آخر، بحسب الشبيب، إلا أنها تشترك في جوهرها بالتركيز على جودة التعليم، والإنتاج البحثي، والتأثير العلمي، والسمعة الأكاديمية، إضافة إلى مؤشرات تتعلق بخدمة المجتمع وسوق العمل.
ويتابع الباحث، أن جودة التعليم تُعدّ أحد المحاور الأساسية في أي تصنيف جامعي، وتشمل مؤشرات مثل نسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس، ومستوى البرامج الأكاديمية، وتنوع الاختصاصات، واستقرار الكادر التدريسي.
كما يحتل البحث العلمي موقعًا مركزيًا في عملية التقييم، إذ يُقاس بعدد الأبحاث المنشورة في مجلات محكمة ومعترف بها، وبمؤشرات الاستشهاد العلمي التي تعكس مدى تأثير هذه الأبحاث في المجتمع الأكاديمي.
وهذه المؤشرات، وفق الشبيب، تُستخرج عادة من قواعد بيانات عالمية، ما يمنحها درجة عالية من الموثوقية. إلى جانب ذلك، تلعب السمعة الأكاديمية دورًا مهمًا، وغالبًا ما تُقاس عبر استطلاعات رأي تُجرى بين أكاديميين وباحثين على المستوى الإقليمي أو الدولي.
ورغم الطابع التراكمي لهذا المعيار، فإنه يعكس صورة المؤسسة الأكاديمية على المدى المتوسط والطويل، ولا يتأثر بإنجازات ظرفية قصيرة الأجل.
كما تُؤخذ بعين الاعتبار مؤشرات أخرى مثل الانفتاح على المجتمع، وجودة الخدمات التعليمية، ونسب توظيف الخريجين، بوصفها دلائل على قدرة الجامعة على أداء دورها التنموي، يتابع الباحث الأكاديمي.
في هذا الإطار، قال الشبيب، إن دخول جامعة دمشق وعدد من الجامعات السورية ضمن هذا التصنيف يشير إلى تحقيق حد أدنى من هذه المعايير، ولا يمكن تفسيره على أنه نتيجة مجاملة أو استثناء. ومع ذلك، ينبغي النظر إلى هذا التقدم بواقعية علمية، إذ لا تزال الجامعات السورية بعيدة عن المراتب المتقدمة في التصنيفات العالمية، خاصة فيما يتعلق بحجم التمويل البحثي، والبنية التحتية المخبرية، والشراكات الدولية، واستقطاب الكفاءات.
وأضاف الباحث، أنه لا يمكن فصل أداء الجامعات السورية عن السياق العام الذي تعمل فيه. فقد أثّرت سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية بشكل مباشر على استقرار الكوادر الأكاديمية، وعلى الموارد المتاحة للبحث العلمي والتطوير المؤسسي.
كما أسهمت هجرة العقول في إضعاف القدرة البحثية لبعض المؤسسات. ومع ذلك، فإن استمرار الجامعات في الظهور ضمن التصنيفات الإقليمية يعكس وجود قاعدة أكاديمية ما تزال فاعلة، رغم محدودية الإمكانات.
تحسين موقع الجامعات السورية في التصنيفات الدولية يتطلب استراتيجية مؤسسية طويلة الأمد، يشرح الأكاديمي، تقوم على تحديث المناهج بما يتوافق مع المعايير العالمية، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتطوير أنظمة الجودة والاعتماد الأكاديمي، إضافة إلى توسيع التعاون الدولي وربط مخرجات التعليم بسوق العمل.
وأكد الشبيب، أن التصنيف ليس هدفًا بحد ذاته، بل نتيجة طبيعية لمنظومة تعليم عالٍ قادرة على إنتاج المعرفة ونقلها وتوظيفها.
التقدم المحقق في التصنيف العربي يمثل إشارة إيجابية، بحسب شبيب، لكنه في الوقت نفسه يضع الجامعات السورية أمام مسؤولية مضاعفة لتحويل هذا التقدم إلى مسار مستدام قائم على معايير علمية واضحة، بعيدًا عن التفسيرات الانطباعية أو السياسية، وبما يخدم تطوير التعليم العالي على المدى البعيد.



0 تعليق