موفق الخوجة | محمد جفال
“الحكومة القائمة والإخوة الذين قاموا بهذه الحركة (معركة ردع العدوان) هم من المذهب الوهابي، بل منذ سنوات كانوا من المتشددين، بل كانوا من التكفيريين، كانوا يكفّرون، وكانت هناك خصومة بيننا وبينهم”.
كان ذلك مطلع تسجيل مسرب للمفتي العام لسوريا، أسامة الرفاعي، يتحدث فيه عن عقيدة الرئيس السوري، أحمد الشرع، وكيف تغيرت خلال الثورة السورية، ما أثار موجة من الانتقادات والسخط من أنصار التيار السلفي.
الانتقادات لم تتوقف عند توصيف عقيدة الشرع، بل امتدت إلى تعريف الرفاعي لمصطلح “أهل السنة والجماعة”، إذ فُهم من التسجيل أن المفتي أراد إخراج التيار السلفي من “الجماعة”.
وبالرغم من بيان أصدره الرفاعي، وألحقه بتسجيل مصور بلغ نحو نصف ساعة، فإن السجال بين التيارات الإسلامية ما زال قائمًا، ويناقش كلام أعلى سلطة دينية في سوريا.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف، الخلاف القائم بين التيارات الإسلامية في سوريا، خاصة بين القطبين الظاهرين على الساحة الآن، السلفية والأشعرية، للوقوف على مآلات هذا الخلاف وانتقاله إلى المجتمع.
كما تستطلع عنب بلدي مع الخبراء والباحثين مستقبل المشهد الديني في سوريا مستقبلًا، والخطوات التي اتخذتها الحكومة، أو التي يجب أن تتخذها مستقبلًا، في سبيل ضبط الخطاب، ومنع تسببه في استقطاب سياسي ومجتمعي.
خرج الرفاعي ببيان، في 21 من أيلول الماضي، يوضح حقيقة التسجيل المسرب خلال لقائه مع وفد إندونيسي قائلًا، إنه وبحكم الظروف الاستثنائية التي كانت تشيع خلال مدة الغربة والإقامة في اسطنبول، انتشرت تقارير مضطربة حول “هيئة تحرير الشام” والداخل السوري، ما أدى حينها إلى شيء من الترقب والتحفظ.
وتبين من خلال ذلك زيف تلك الشائعات من دعاوى التطرف والتكفير، بحسب تعبير الرفاعي، مشيرًا إلى أنهم لمسوا واقعًا يتيح ممارسة الشعائر الدينية بحسب مذاهب أهل السنة المعتمدة.
وبالرغم من بيان المفتي العام، فإنه لم يكتفِ به، بل خرج بتسجيل مصور يوضح موقفه من القضية، متحدثًا عن المراجعات الفكرية التي أجرتها “هيئة تحرير الشام” خلال مسيرتها.
وأشار إلى “تقارير مضطربة”، و”إشاعات” على صفحات وسائل التواصل تخوض بأقاويل “يختلط فيها الحق بالباطل”، حتى قبل معركة “ردع العدوان”.
وقال إن أعضاء “المجلس الإسلامي السوري” (المنحل) ذهبوا إلى إدلب قبيل سقوط النظام، وجلسوا مع قيادة “الهيئة” وعادوا بوجه آخر غير الذي ذهبوا به، قاصدًا تغير وجه النظر السائدة لديهم.
أما فيما يخص استخدام مصطلح “الوهابية” نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب، وهو من أبرز منظري التيار السلفي، فقال إنه لم يستخدم هذه الكلمة في دروسه أو مجالسه قبل ذلك أبدًا.
وعن استخدامه هذه المصطلحات أمام الوفد الإندونيسي، قال الرفاعي إن الحكومة الإندونيسية سابقًا كانت على تنسيق مع الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد، وكانت مقتنعة بأن الثورة السورية هي “ثورة إرهابيين”، وهؤلاء الإرهابيون الذين ثاروا على الأسد إنما هم “وهابيون”.
وأضاف أن الإندونيسيين لا يعرفون كلمة “السلفيين” ولا “أهل الأثر” ولا “أهل الحديث”، إذ لا يستطيع استعمال غير كلمة “الوهابية” لأنهم لا يفهمون غيرها.
الرئيس السوري أحمد الشرع وبجانبه الشيخ أسامة الرفاعي خلال الإعلان عن تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى – 28 آذار 2025 (رئاسة الجمهورية)
“لا يراد به الخير”
الشرعي السابق في “حركة أحرار الشام” نضال حسن (أبو محمد الصادق)، اعتبر أن التسجيل المسرب للرفاعي “لا يُراد به الخير”، وقد يكون المقصود “تأجيج الخلافات وإثارة الفتن، وإدخال المجتمع في دوامة الاضطراب الفكري لأبعاد سياسية”.
بالمقابل، يرى “أبو محمد الصادق”، خلال حديث إلى عنب بلدي، أن تصريحات الرفاعي التي خرج فيها خلال البيان والتسجيل المصور “مفيدة في درء الفتنة وتخفيف حدة التوتر والاستغلال أيًا كان شكله وبواعثه”.
من جانبه، قال الدكتور عبد القادر الحسين، من مركز “إحياء علوم الدين”، وهو أحد أبرز المدافعين عن التيار الأشعري، في تسجيل مصور، إن الكلام الذي خرج من الرفاعي لم يكن مقصودًا به أن يوجه إلى الإعلام، وكانت الجلسة محصورة (مغلقة) معتبرًا أن تسريبها من “الخيانة للمجالس”.
علماء الشام كلمة واحدة بكل اتجاهاتهم، فيهم السلفي، وفيهم الصوفي، وفيهم الأشعري، وفيهم الماتريدي، وكلهم قلوبهم متوحدة ولا نشعر بهذه الفرقة.
الشيخ أسامة الرفاعي
مفتي سوريا في تسجيل مصور له
“السلفية البيتوتية”
الحسين أشار خلال التسجيل المصور إلى أن الحديث عن تغيير الشرع للخلفية الفكرية والعقائدية لم يكن جديدًا، وقال إن ترك الرئيس السوري، أحمد الشرع، للعقيدة السلفية ينبغي ألا يناقش إلا في حدود العلمية والموضوعية.
وأضاف أن هذا الموضوع هو شأن خاص، ولا يخص شأن البلاد، مشيرًا إلى أن سوريا مر عليها، عبر التاريخ، رؤساء وحكام من طوائف وعقائد مختلفة.
وكان أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري، قال في لقاء تلفزيوني، إن التجربة في إدلب وشمالي سوريا، وما كان يُعرف بـ”المناطق المحررة”، تجاوزت جميع الفصائل والأيديولوجيات إلى الانصهار مع فكرة الوطن.
وأضاف: “كلي ثقة في أنه (الشرع) سينتهج التجربة الشامية (السلفية البيتوتية) في السنوات الخمس المقبلة”.
ولم يكن الشرع وحده من غيّر في منهجه خلال السنوات السابقة، إذ إن فصيله الذي قاده خلال سنوات الثورة قد تغير على صعيد البنية الفكرية والعقائدية، وصولًا إلى التسمية والهيكلية، منذ تشكيله كـ”جبهة النصرة”، ومرورًا بتغيير الاسم إلى “جبهة فتح الشام”، ووصولًا إلى “هيئة تحرير الشام”، التي انحلت ضمن مفاصل الدولة الجديدة، لا سيما في المؤسستين العسكرية والأمنية.
الحسين قال إن الرفاعي أظهر الشرع، في التسجيل المسرب، بأنه رجل “منفتح وعقلاني”، ولم يكن يريد الانتقاص منه، ويبحث عن مصالح البلاد، ويبيّن أنه كان مصنفًا في زاوية التطرف، وهذا ما كان يقال في كل مكان.
وأضاف: “عندما سعى الشرع إلى إزالة التطرف، وأن البلاد لن تفرض على رأي واحد وبالقوة، كنا معه”.
السلفية.. من السجون إلى مراكز الحكم
كانت السلفية، بكل درجاتها ومسمياتها، محصورة في أطر ضيقة خلال فترة حكم النظام السوري السابق، إذ لوحق منتسبوها وزجّوا في السجون، ومُنعت كتبهم، حتى بات “الفكر السلفي” تهمة تودي بصاحبها إلى السجن.
وبعد اندلاع الثورة السورية في آذار عام 2011، نشطت السلفية من جديد فيما كان يُعرف بـ”المناطق المحررة” حيث كانت تسيطر فصائل المعارضة.
وكانت السمة الغالبة للفصائل المعارضة، لا سيما الإسلامية منها، ذات طابع سلفي، خاصة في إدلب ومناطق نفوذ “هيئة تحرير الشام”.
من جانبه، قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور عبد الرحمن الحاج، في حديث إلى عنب بلدي، إن الدين شكّل عنصرًا رئيسًا في الحرب، وكانت المعركة مع نظام الأسد أعلى من الاعتبارات المذهبية، ومع ذلك توزعت التيارات الدينية في مناطق نفوذ الفصائل العسكرية تبعًا لكل توجه.
في مناطق سيطرة المعارضة و”الجيش السوري الحر” بالشمال، أعاد التيار التقليدي، وهو أشعري ومذهبي وصوفي في الغالب، بناء مؤسساته، وشكّل “المجلس الإسلامي السوري”، وعيّن مفتيًا عامًا للجمهورية بديلًا عن مفتي النظام، لكنه في الوقت نفسه ضم في صفوفه سلفيين معتدلين.
في المقابل، نشط السلفيون الإحيائيون، وهم أتباع السلفية العلمية، في مناطق سيطرة الفصائل الجهادية السلفية، مثل دوما وريف حمص، وأخيرًا في إدلب وريف حلب الغربي.
وما تغير في المشهد، كما يرى الحاج، هو الحضور السلفي الكثيف والمتزايد خلال سنوات الحرب، فقد غيرت الأحداث خارطة المشهد الديني، وأصبحت السلفية في قلب هذا المشهد، بعد أن كانت مجرد هوامش على أطراف المجتمع.
بعد سقوط النظام.. التقاء المتناقضين
بعد سقوط النظام، انفتحت البلاد على بعضها، وانتشرت السلفية في أرجاء سوريا، بعد أن كانت محصورة في “المناطق المحررة”، في حين أن التيار المشيخي التقليدي، ذا الطابع الصوفي، هو الوحيد الذي كان متاحًا له أن ينشط في مناطق النظام، وبشكل محدود أيضًا.
الباحث في شؤون الجماعات الجهادية حسام جزماتي، قال لعنب بلدي، إن السجال الذي يمكن وصفه بأنه بين الصوفية والأشاعرة من جهة، والتيارات السلفية من جهة أخرى، نشط كثيرًا في البلدان العربية، وانطلق بدرجة كبيرة من منطقة الخليج.
أما سوريا، ففي تلك الفترة كانت “مسوّرة أمنيًا” في ظل حكم حافظ الأسد، ثم ابنه، ولذلك لم تصل إليها هذه السجالات بالحيوية العالية التي كانت تحدث في مناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي.
الشرعي السابق في فصائل المعارضة “أبو محمد الصادق”، قال إن الخلاف بين المذاهب العقدية الإسلامية عمومًا قديم، ويعود إلى صدر الإسلام، والخلاف بين السلفية والأشاعرة في سوريا هو فرع من ذلك الخلاف.
وأضاف أن السلفية والسلفيين موجودون في سوريا قبل انطلاق الثورة، وكانوا يعانون من التضييق والمنع من قبل النظام السابق، وكان إطار خلافهم مع الأشاعرة عبر التاريخ لا يتجاوز الحوارات والمناقشات والردود العلمية.
جزماتي أشار إلى أن معظم المتدينين في سوريا لا يعرفون أنهم أشاعرة، فهي العقيدة التي تلقوها في المساجد، وفي كتب التربية الإسلامية، وفي المدارس، لكن معظم هؤلاء لا يعرفون أن اسم هذه العقيدة هو الأشعرية، ولا يعرفون بالضرورة أنها تنبع من هذا الاتجاه، أو أنها في خلاف مع السلفية.
الذين يعرفون هذه التفاصيل عادة هم المشايخ والمختصون وطلاب الثانويات الشرعية وكليات الشريعة.
وبالتالي، فإن ما يجري اليوم يمثل استئنافًا لهذا السجال الذي تعطل لسنوات طويلة بفعل الضبط الشديد الذي مارسه النظام السابق على المجال الديني، عبر وزارة الأوقاف وعبر الأجهزة الأمنية.
وما حدث بعد سقوط النظام، أن التيار السلفي ظهر باعتبار أنه الذي قاوم النظام، وانتصر عليه في النهاية، لكنه اعتبر أن هذه النظرة “ليست بالضرورة دقيقة تمامًا”، وإن كانت هي الفكرة العامة التي تشكلت حول هذا التيار.
هل تؤدي إلى خلافات اجتماعية؟
يرى “أبو محمد الصادق” أنه طالما أن الخلاف بقي في دائرة خلاف التنوع فهو “مقبول”، ولكن عندما يصل إلى مرحلة النزاع فهو “مذموم”، مشيرًا إلى أن المسائل الشرعية الاجتهادية المعتبرة مقام نظر واختيار لا إكراه فيها ولا إجبار.
ولا يصح أن يتحول الخلاف بين المذاهب الإسلامية إلى استقطاب اجتماعي تحريضي أو سياسي سلبي، وفق ما يعتقده “أبو محمد الصادق”، لأنه “يزيد الشرخ ويثير الفتن في المجتمع، ويوصل البلد إلى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار والاستغلال الإقليمي والدولي”، بحسب تعبيره.
لكن جزماتي يرى أن المسألة في الواقع تكون استقطابًا اجتماعيًا وسياسيًا، واختلافًا حول مسائل تطبيقية تظهر في الحياة الدينية اليومية، مثلما حصل في موضوع الاحتفال بالمولد النبوي.
أما الحاج فيرى أن إمكانية تحول الخلاف الفكري والمذهبي إلى المجتمع واردة، فالتيار السلفي، برأيه، يمتلك قدرة على إثارة القضايا الأكثر خلافية دون اعتبار للوقت أو المكان والزمان.
الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي في مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي – 16 شباط 2026 (سانا)
سعت الحكومة السورية منذ سقوط النظام السوري السابق إلى مأسسة المشهد الديني، وحصره عبر تجمعات تضم مختلف التيارات الدينية البارزة في سوريا، لا سيما التيار السلفي الذي كان منتشرًا فيما يُعرف بـ”المناطق المحررة” خاصة في إدلب، والتيار الأشعري التقليدي.
بدأ ذلك بتأسيس مجلس الإفتاء الأعلى، في 28 من آذار 2025، وتعيين أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا لسوريا، والذي كان ضمن “المجلس السوري الإسلامي” المنحل، والمحسوب على التيار الأشعري، كما ضم المجلس عبد الرحيم عطون، الشرعي السابق في “هيئة تحرير الشام” التي كانت تعتنق الفكر السلفي.
وفي 16 من شباط الماضي، أعلنت وزارة الأوقاف عن إطلاق ميثاق ضمن مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” بحضور مئات رجال الدين الإسلامي، والرئيس السوري، أحمد الشرع.
وبحسب ما ورد في الميثاق، فإنه جاء ثمرة ﻟﻮرﺷﺎت ﻋﻠﻤﻴﺔ وﺣﻮارﻳﺔ بين اﻟﻤﺪارس اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ واﻟﺪﻋﻮﻳﺔ، بحضور أكثر من 1500 عالم ورجل دين إسلامي سوري.
ووفق ما جاء في تعريفه، ﻳﻌﺪ ﻫﺬا اﻟميثاق ﻋﻘﺪًا وﻃﻨﻴًﺎ ﺟﺎﻣﻌًﺎ لأﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ والدعاة من أهل السنة والجماعة في سوريا، بمختلف مدارسهم، ويهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا العامة، تحت مظلة الآية القرآنية: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون”.
الأوقاف أسست ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي لتضع قواعد أخلاقية لتنظيم العمل الديني في سوريا، التي تشهد تنوعًا غاب عنها لسنوات، بفعل دخول مدارس كانت محظورة، وانفتاح غير مسبوق.
وفي ذات السياق، تحاول وزارة الأوقاف أيضًا الموازنة في خطابها بين التيارات الإسلامية، إذ لا تميل إلى تيار على حساب آخر، وفق ما يرد في بياناتها أو في التعميمات التي ترسلها إلى الخطباء.
بالمقابل، ما زالت الأسئلة تثار حول مدى جدوى هذه الخطوات التي اتخذتها الحكومة في ضبط الخطاب الديني، والحوار بين التيارات، ومنعها من الاصطدام، لا سيما بتشكيل المجلس الأعلى للإفتاء، وإعلان ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي.
مرجعية مجتمعية
الشرعي السابق في “حركة أحرار الشام” وهو من المنتمين إلى التيار السلفي، يرى أن لوجود المؤسسات الدينية والمواثيق العامة أهمية بارزة في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الإسلامي المتنوع.
ولا بد في كل مجتمع من وجود مرجعية تمثلهم و”ترشدهم وتبين الحق والصواب في المشتبهات” وفق “أبو محمد الصادق”.
بالمقابل، نوه إلى أنه ينبغي أن يكون لمجلس الإفتاء الأعلى دور أكبر في ترشيد الخطاب الديني والتوجيه المجتمعي، وألا يقتصر عمله على إصدار البيانات في المناسبات الدينية.
ويرى أن ما نتج عن مجلس الإفتاء وعن وزارة الأوقاف من ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي خطوة وصفها بالإيجابية في الحفاظ على الوسطية والاعتدال، واستيعاب المكونات الشرعية في المجتمع السوري المتنوع بعيدًا عن الغلو في الدين.
ما نتج عن مجلس الإفتاء وعن وزارة الأوقاف من ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي خطوة إيجابية في الحفاظ على الوسطية والاعتدال، واستيعاب المكونات الشرعية في المجتمع السوري المتنوع بعيدًا عن الغلو في الدين.
“أبو محمد الصادق”
شرعي سابق في “حركة أحرار الشام”
فرق بين المجلس والميثاق
من جانبه، يفرق الباحث في شؤون الجماعات الجهادية حسام جزماتي، بين دور مجلس الإفتاء الأعلى وميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، لأن كلًا منهما يمثل محاولة مختلفة.
ويرى أن مجلس الإفتاء الأعلى هو محاولة من “السلطة” لإنشاء بنية شرعية فيها توازن بين التيارين.
ويرى جزماتي أن التوازن واحد من المفاتيح التي تشتغل بها “السلطة”، لافتًا إلى وجود ممثلين عن التيارات السلفية التي كانت أساسًا في إدلب، إلى جانب المشيخة السورية التقليدية التي هي أشعرية وذات بعد صوفي.
وكانت هناك محاولة لإنشاء بنية دينية ضابطة عليا متوازنة، ويمكن القول إنها “محاولة ناجحة حتى الآن”، رغم أن مجلس الإفتاء لا يعمل كثيرًا وفق ما يعتقده جزماتي.
أما ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي فيرى أنه محاولة لضبط السلفية، وتطويع التيارات التي يمكن أن تكون متشددة لمصلحة إسلام وسطي قريب جدًا من الإسلام السوري التقليدي (الأشعري).
ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي محاولة لضبط السلفية، وتطويع التيارات التي يمكن أن تكون متشددة لمصلحة إسلام وسطي قريب جدًا من الإسلام السوري التقليدي (الأشعري).
حسام جزماتي
باحث في شؤون الجماعات الجهادية
وبحسب هذا الفهم، أُنشئ الميثاق من أجل أن يكون المظلة الدينية التي تعمل ضمن وزارة الأوقاف، وبالتالي يلتزم بها الموظفون في الوزارة، أي الخطباء والمدرسون والأئمة.
وفي حال خالف هؤلاء الموظفون هذا الخط الوسطي، فإنهم يكونون مخالفين للجهة التي هم موظفون لديها، وبالتالي تستطيع الوزارة محاسبتهم أو عزلهم أو اتخاذ إجراءات أخرى من هذا النوع بحقهم.
ويرى جزماتي إمكانية أن يؤدي ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي إلى تخفيف خطاب التكفير والتبديع والإقصاء، لأنه وسيلة لضبط والإمساك بالطبقة الدينية المسلمة السنية عبر الوظائف التي هي موظفة فيها.
وقال إن هذه الطبقة تحتاج إلى هذه الوظائف حتى يكون لها منبر تتحدث من خلاله، وحتى تتمكن من العيش من الناحية المادية.
وبالتالي، تستطيع السلطة التحكم بأفراد الوسط المشيخي والديني، وبالعلماء المسلمين السنة أو طلاب العلم المسلمين السنة، عبر السقف الذي يحدده هذا الميثاق، بحسب جزماتي.
ما الدور الذي يجب أن تتخذه الحكومة؟
يرى “أبو محمد الصادق” أنه ينبغي للحكومة أن تكثف جهودها في نشر فقه الخلاف وضوابطه وحدوده وأن تركز على إشاعة فقه المقاصد والمآلات من خلال المساحات الاجتماعية، وأن تعمل على استثمار “الشخصيات الراشدة” التي تحمل ذلك الفكر وتتمتع بالوسطية والاعتدال.
وبالمقابل، يجب أن تتجنب تصدير الشخصيات التي “تعاني من أزمات فكرية وسلوكية”، وفق تعبيره.
كما دعا الحكومة إلى أن تتجنب الانحياز والتهميش، مع مراعاة “أهل السبق والتضحية”، معتبرًا أن ذلك سوف يثمر حالة من بناء الثقة بين التيارات الإسلامية رغم وجود الخلاف بينهم.
أما جزماتي فيرى أن هناك أشخاصًا “محرضين” يخرجون ويهددون السلم الأهلي، بحسب ما تقوله الحكومة، ويستندون في كثير من الأحيان إلى الخطاب السلفي والطائفي و”التبديعي والتفسيقي والتكفيري”.
وقال جزماتي، إن الحكومة لا تتخذ إجراءات تجاه هؤلاء الأشخاص، أو لا تتخذ بحقهم الإجراءات التي يمكن أن تكون كافية لضبط هذا النوع من الخطاب.
وفي حال تمت محاسبة هؤلاء الأشخاص، بقدر مقنع من الجدية، فمن الممكن أن يبدأ الناس بالانضباط، بحيث يفكر الشخص قبل أن يتحدث، ويعرف أن هناك حدودًا لما يمكن أن يقوله أو يفعله، ويعمل ضمن إطار القانون، بحسب ما يراه جزماتي.
لا يبدو المشهد الديني في سوريا متجهًا للعودة إلى الصورة التي كان عليها قبل الحرب، في ظل التغيرات التي طرأت على حضور التيارات الدينية وعلاقاتها ببعضها خلال السنوات الماضية.
ومع انتقال النقاشات الدينية من نطاق محدود داخل المؤسسات المتخصصة إلى المجال العام، تبرز أسئلة حول طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين التيارات المختلفة، وما إذا كان بإمكانها الحفاظ على مساحة من التعايش، أم أن الخلافات العقدية والمذهبية ستتحول إلى استقطاب اجتماعي أوسع.
ويرى الخبير في الجماعات الإسلامية حسام جزماتي أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار حضور النقاش بين التيارات، بعدما عادت الخلافات التي كانت محكومة إلى حد كبير خلال العقود السابقة إلى الظهور بصورة أكثر وضوحًا.
لكنه لفت إلى أن جزءًا من هذا الخلاف لا يصل إلى عامة الناس بوصفه خلافًا عقديًا مباشرًا، وإنما يظهر من خلال قضايا دينية واجتماعية أكثر حضورًا في الحياة اليومية.
وأشار جزماتي إلى أن أغلبية المتدينين في سوريا لا يتعاملون مع أنفسهم بالضرورة وفق التصنيفات العقدية التي يستخدمها المتخصصون، إذ إن كثيرًا من الناس تلقوا الموروث الديني السائد في المساجد والمدارس والمعاهد الدينية من دون أن يكونوا معنيين بتحديد موقعهم ضمن التصنيف الأشعري أو السلفي.
وبناء على ذلك، قد تبقى العلاقة بين التيارات المختلفة خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرتها على إبقاء الخلاف ضمن حدوده الدينية، ومنع انتقاله إلى المجال الاجتماعي، فالمشكلة لا تكمن في وجود اختلاف في المعتقد أو الفقه بحد ذاته، بقدر ما تظهر عندما يتحول هذا الاختلاف إلى وسيلة لتصنيف المجتمع أو نزع الشرعية الدينية عن الطرف الآخر.
علاقة تتشكل تحت الاختبار
يرى عبد الرحمن الحاج، وهو خبير في الجماعات الإسلامية، أن المشهد الديني الحالي لا يزال في حالة من عدم الاستقرار، وأن التيارات المختلفة تختبر حدود حضورها وقدرتها على التأثير في المجال العام.
وأشار الحاج إلى وجود اتجاهين رئيسين في المشهد السني السوري يمكن ملاحظتهما بوضوح: تيار سلفي إصلاحي أو علمي يستند في مرجعياته إلى مدرسة ناصر الدين الألباني وتلامذته، ولا يلتزم المذاهب الفقهية التقليدية، في مقابل التيار التقليدي الذي يرتبط بالمذاهب الفقهية الأربعة، وتغلب عليه في العقيدة الأشعرية أو الماتريدية، وفي السلوك نزعة صوفية.
ولا يعني هذا التقسيم، بحسب طبيعة المشهد الديني السوري، وجود كتلتين متجانستين بالكامل، إذ توجد داخل كل تيار اتجاهات وتفاوتات في المواقف والأساليب، إلا أن استمرار التفاعل بين هذه التيارات سيجعل العلاقة بينها أحد العناصر المؤثرة في شكل المشهد الديني خلال السنوات المقبلة.
ويرى الحاج أن المشهد قد لا يتغير بصورة كبيرة على المدى القريب، لكنه يطرح احتمال ظهور صيغة جديدة من السلفية الإصلاحية، خصوصًا مع تفكك التيارات السلفية الجهادية وخروج عدد من الشخصيات التي كانت مرتبطة بها إلى المجال السياسي والمؤسساتي.
ويقارن هذا الاحتمال بإمكان عودة نمط من السلفية الإصلاحية أقرب إلى تجارب شخصيات ظهرت في أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، مثل رشيد رضا وجمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري وعبد الرحمن الكواكبي.
وفي حال تطور هذا الاتجاه، فقد يضيف طبقة جديدة إلى المشهد الديني السوري، تختلف عن الصورة التي ارتبطت بالسلفية الجهادية خلال سنوات الحرب، كما تختلف في الوقت نفسه عن السلفية التقليدية التي كانت موجودة قبل الحرب.
عدد من أعضاء لجنة متابعة تطبيق ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي خلال اجتماع لبحث آليات تفعيل مضامينه – 10 آب 2026 (سانا)
بين التعايش والاستقطاب
لا يرتبط مستقبل العلاقة بين التيارات الدينية بطبيعة الخلافات العلمية وحدها، وإنما بالطريقة التي ستُدار بها هذه الخلافات في المجال العام.
وأشار الحاج إلى أن انتقال الخلاف من المجال العلمي إلى المجتمع أمر ممكن، خصوصًا عندما تُطرح قضايا خلافية في أوقات أو أماكن لا تراعي طبيعة المجتمع وتنوعه وحساسياته.
وبحسب الحاج، يمكن أن تصبح بعض المسائل الدينية المثيرة للجدل وسيلة لجذب الانتباه أو نشر الأفكار، بدل أن تبقى موضوعًا للنقاش العلمي بين المختصين. وعندما يحدث ذلك، يمكن أن يتحول الاختلاف من نقاش بين مدارس دينية إلى حالة استقطاب بين مجموعات اجتماعية.
ويطرح ذلك مستقبلين محتملين للعلاقة بين التيارات: الأول استمرار التعايش ضمن مؤسسات دينية وقنوات منظمة تسمح لكل تيار بالتعبير عن نفسه وممارسة نشاطه ضمن إطار قانوني، والثاني اتساع الخلاف إلى المجال الاجتماعي، بحيث تصبح المسائل الدينية جزءًا من اصطفافات أوسع.
ولا يعني وجود الخلافات بالضرورة الوصول إلى الاستقطاب، كما أن وجود مؤسسات مشتركة لا يلغي الخلافات. المسألة الأساسية، وفق الطرح الذي يقدمه الخبيران، تتعلق بقدرة المؤسسات والمجتمع على إبقاء الاختلاف في نطاقه الديني والعلمي، ومنع تحوله إلى نزاع على هوية المجتمع أو إلى اتهامات متبادلة بالإقصاء أو التبديع أو التكفير.
وأشار جزماتي في هذا السياق إلى أهمية التعامل مع الخطاب الذي يهدد السلم الاجتماعي، معتبرًا أن ضبط الخطاب لا يتوقف على الوثائق والمؤسسات الدينية، وإنما يحتاج أيضًا إلى التعامل مع حالات التحريض والتهديد عندما تتجاوز حدود الاختلاف الديني.
إدارة التعدد داخل الدولة
يضع هذا المشهد الدولة أمام مهمة تتجاوز اختيار تيار ديني على حساب آخر، فالتعدد الموجود داخل المجتمع السوري يجعل إدارة الاختلاف جزءًا من تنظيم المجال الديني نفسه، وليس مجرد معالجة لخلاف بين مدرستين.
ويرى الحاج أن دور الدولة ينبغي أن يتمثل في إيجاد توازن بين التيارات ومنع انتقال الخلافات إلى صدام اجتماعي، مع ترك مساحة للاختلاف العلمي والديني. ومن هذه الزاوية، فإن إدارة التعدد لا تعني إنهاء الاختلاف، وإنما وضع قواعد تسمح بوجوده دون أن يتحول إلى مصدر توتر بين مكونات المجتمع.
ويحتاج ذلك، وفق هذا التصور، إلى فصل واضح بين الخلاف العلمي الذي يمكن أن يبقى داخل المؤسسات التعليمية والدينية، وبين الخطاب الذي يتحول إلى تحريض اجتماعي أو محاولة لفرض تصور ديني واحد على المجتمع.
كما تبرز أهمية المؤسسات الدينية والتعليمية في المرحلة المقبلة، ليس بوصفها أدوات لإلغاء الاختلاف، وإنما بوصفها مساحات لتنظيمه، فوجود قنوات واضحة للدرس الديني والنقاش العلمي يمكن أن يتيح للتيارات المختلفة التعبير عن أفكارها ضمن إطار معروف، بدل انتقال النقاش إلى المنصات العامة بطريقة قد تزيد من حدة الاستقطاب.
وأشار جزماتي إلى أن المجتمع السوري يضم جمهورًا واسعًا لا يتعامل مع التصنيفات العقدية بوصفها هويات سياسية أو اجتماعية، ما يتيح، من حيث المبدأ، مساحة واسعة للتعايش بين المذاهب والاتجاهات الدينية، لكن هذه المساحة يمكن أن تضيق إذا تحولت الخلافات الدينية إلى أدوات للتصنيف والإقصاء.
وفي المقابل، يرى الحاج أن طبيعة المرحلة المقبلة ستتأثر بقدرة التيارات الدينية نفسها على التعامل مع المجتمع السوري بوصفه مجتمعًا متنوعًا، وليس بيئة متجانسة يمكن فرض خطاب واحد عليها.
ولذلك، فإن العلاقة المستقبلية بين السلفيين والأشاعرة، وبين مختلف الاتجاهات الدينية عمومًا، لن تتحدد بالخلافات العقدية وحدها، وإنما بمدى قدرة كل طرف على العمل داخل فضاء ديني واجتماعي متعدد.
وفي هذا السياق، قد يكون التعايش المؤسسي أحد الأطر التي تسمح باستمرار الاختلاف دون تحوله إلى صراع اجتماعي، شرط أن تتعامل المؤسسات مع التعدد باعتباره واقعًا قائمًا، وأن تضمن مساحة للنقاش الديني والعلمي، بالتوازي مع منع التحريض الذي يمكن أن يهدد السلم الاجتماعي.
أما مستقبل المشهد الديني السوري فيبقى مرتبطًا بقدرة هذه التيارات على الانتقال من مرحلة إعادة تشكيل الحضور بعد سنوات الحرب إلى مرحلة بناء علاقة مستقرة مع بعضها، وبقدرة الدولة والمجتمع والمؤسسات الدينية على إدارة هذا التنوع دون تحويل الخلاف العقدي إلى استقطاب اجتماعي.
- أنباء عاجلة ... مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء سيستفيد منه بالدرجة الأولى الإخوة في نيجيريا والنيجر - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... رئيس الجمهورية.. “لا أحد بمقدوره محاسبتنا على اختيار شركائنا” - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... هذا ماقاله رئيس الجمهورية حول علاقة الجزائر مع النيجر ومالي - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... قطع العلاقات مع الإمارات.. رئيس الجمهورية يكشف - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... “الكاف” يُفاجئ الأندية بقرارات جديدة - بوابة مصر الجديدة








0 تعليق