عنب بلدي – شعبان شاميه
يشكّل التكيف الاجتماعي للأطفال والمراهقين مع بداية العام الدراسي الجديد، أو عند الانتقال إلى بيئات تعليمية بديلة، أحد أبرز التحديات المؤثرة في الاستقرار النفسي والأسري.
وتتزايد مخاوف أولياء الأمور حيال قضايا الاندماج الاجتماعي، ومخاطر الاستقواء (التنمر)، والعزلة، وهي عوامل تلقي بظلالها مباشرة على جودة الصحة النفسية والأداء الأكاديمي للطلاب.
جذور القلق الاجتماعي وآليات تفكيكها
لتفكيك الأسباب الكامنة وراء هذه التحديات، أوضحت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، أن الاندماج الاجتماعي ليس مهارة معزولة، بل منظومة متكاملة تشمل المبادرة إلى فتح قنوات الحوار، وقراءة الإشارات الاجتماعية بدقة، فضلًا عن القدرة على إدارة الخلافات، والتعبير عن الرأي بثقة، والمرونة في تقبل الرفض العابر.
وقالت العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن تعدد هذه المتطلبات السلوكية وتداخلها يفسر إمكانية رصد طلبة يتمتعون بتفوق دراسي لافت، لكنهم يحتاجون في المقابل إلى مدى زمني أطول لبناء علاقاتهم مع أقرانهم.
ويعيد الانتقال إلى بيئة جديدة تشكيل الخريطة الاجتماعية للطفل بالكامل، وهي مرحلة حرجة قد يطفو خلالها القلق الاجتماعي تلقائيًا، لا سيما لدى الأطفال الخجولين أو من مروا بتجارب سابقة انطوت على الرفض أو الاستقواء.
بين الخلاف العابر والاستقواء الحقيقي
حذرت الاستشارية من انعكاس مخاوف الأهل سلبًا على الأبناء، إذ إن إفراط الوالدين في توجيه التحذيرات اليومية والأسئلة الاستجوابية المباشرة، من قبيل: “مَن ضايقك اليوم؟”، قد يزرع في ذهن الطفل اللاواعي أن المدرسة بيئة مهددة، مما يحوله من منتبه للمخاطر إلى طفل يتوقع الأذى في كل علاقة.
كما شددت على ضرورة التفرقة الإجرائية بين الخلاف الطبيعي الذي يحدث بين أقران متكافئي القوة وينتهي بالمصالحات العابرة، وبين الاستقواء المتسم بالعدوانية واختلال ميزان القوى، منبهة إلى أن وصم كل خلاف بـ”التنمر” يحرم الطفل من مهارات حل المشكلات، بينما التغاضي عن الاستقواء الحقيقي يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
من الرصد إلى تمكين المهارات
حول مؤشرات الخطر التي تستدعي التحرك، حثت العرنوس على رصد أي تبدل في سلوك الطفل المعتاد، كالرفض المفاجئ للمدرسة، أو الشكاوى الجسدية المتكررة، واضطرابات النوم والمزاج، والانسحاب الاجتماعي، مستدركة بأن وجود علامة منفردة لا يجزم بوقوع استقواء، وهو ما يستلزم فتح حوار هادئ والتنسيق مع الإدارة التعليمية، وتجنب استجواب الطفل وإطلاق الأحكام المتسرعة.
ولتمكين الطفل مهاريًا واجتماعيًا لمواجهة الاستقواء، اقترحت الاستشارية أسلوب “التدريب الاجتماعي المصغر” القائم على محاكاة الأدوار منزليًا، لتلقينه مهارات عملية كبدء الحوار، والانضمام للألعاب، والتعامل مع الرفض، مشددة على أن المهارات الاجتماعية تُكتسب بالممارسة لا بالمواعظ، الأمر الذي يستوجب دمج الطفل في أنشطة مشتركة لبناء صداقات حقيقية تنمو حول اهتمامات متبادلة وفرص تعاونية منظمة، بما يعزز اتصاله بأقرانه وبالمحيط المدرسي.
ودعت العرنوس إلى تدريب الطفل على الاستجابة الحازمة لا العدوانية عند تعرضه للسخرية، وذلك من خلال التعبير الصارم بعبارات قصيرة تضع حدًا للمسيء، والانسحاب الفوري لتجنب الجدال، مع ترسيخ قناعة لديه بأن الاستعانة بشخص بالغ موثوق هي مهارة لحماية الذات وليست ضعفًا.
شراكة البيت والمدرسة
فيما يخص توقيت تدخل الأهل، ترى الاستشارية أن ذلك يرتكز على شدة الموقف، ففي الخلافات البسيطة يُنصح بترك مساحة للطفل للتفكير في الحل لبناء كفاءته الذاتية، بينما يُصبح التدخل المباشر مع المدرسة حتميًا فور رصد حالات استقواء متكرر أو عنف أو تحرش أو ابتزاز أو تدهور نفسي، تدعيمًا لبيئة تربوية شاملة تتشارك مسؤولية الحماية ولا تحمّلها للطفل بمفرده.
كما لفتت الاستشارية إلى محورية دور المدرسة في تسهيل الاندماج وبناء الصداقات، إذ لا يقتصر دور المعلم على التحصيل الأكاديمي، بل يمتد إلى رصد العزلة وتوجيه الطلاب نحو مجموعات تعاونية تخفف الاستقطاب.
وتثبت أبحاث حديثة أن شعور الطلبة بالانتماء يتزايد عندما يلمسون اهتمام المعلمين ودعمهم للعلاقات الإيجابية وملاحظتهم المستمرة لديناميكيات الصف.
الأمان النفسي أولًا
أكدت العرنوس أن أهمية جودة الصداقات تفوق عددها، إذ إن صديقًا أو اثنين يمنحان القبول والأمان، كفيلان بتحقيق استقرار نفسي يتجاوز شبكة علاقات واسعة لكنها سطحية أو متوترة.
ودعت الأهل إلى تجنب مقارنة أبنائهم بالأقران أو تحويلها إلى معيار نجاح، فالغاية هي امتلاك مهارات التواصل، وبناء علاقات قائمة على الاحترام والشعور بالانتماء.
فلسفة الحماية الأسرية
تخلص استشارية علم النفس الأسري إلى أن غاية الحماية الأسرية تكمن في الموازنة بين منح الأمان وتعزيز الاستقلال لتطوير مهارات الطفل الذاتية بدلًا من عزله عن الواقع، معتبرة أن شعور الانتماء المدرسي والارتباط بمحيط مهتم يظل الضامن الأبرز للنجاح النفسي والأكاديمي للطلاب.
ولتحقيق هذه المعادلة، دعت العرنوس الأهل إلى التحول من دور “الحارس” الذي يراقب كل علاقة، إلى “قاعدة أمان” ينطلق منها الطفل نحو العالم بكفاءة اجتماعية تمكّنه من اختيار الصداقات الصحية، ورسم الحدود، والتعافي من الرفض، دون أن يفقد ثقته بنفسه.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
- فوز الوداد والمغرب الفاسي والكوكب المراكشي في الدوري المغربي
- أنباء عاجلة ... الهبوط التقني لطائرة الرئيس الإيراني بالجزائر.. رئيس الجمهورية يكشف - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... الجزائر دولة تبحث عن الاستقرار والسلم.. وهذا ما جعل كثير من الدول العظمى تحترمنا - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء سيستفيد منه بالدرجة الأولى الإخوة في نيجيريا والنيجر - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... رئيس الجمهورية.. “لا أحد بمقدوره محاسبتنا على اختيار شركائنا” - بوابة مصر الجديدة




0 تعليق