المساءلة في المشاريع الحكومية.. كيف تتبع الصحافة المال العام

منذ ساعة

علي عيد

على ركام خلّفته سنوات الحرب، جاءت حكومة جديدة إلى سوريا لتجد أمامها مؤسسات متهالكة ينخرها الفساد، ومنشآت معطّلة وأخرى مدمرة، واحتياجات تشمل جميع القطاعات.

يبدو أن تلبية وعود الإعمار أصعب بكثير من التوقعات، ولا تقتصر الصعوبات على تأمين الموارد، بل تمتد إلى كفاءة وقدرة الإدارة والكوادر نفسها، والشفافية والالتزام بتنفيذ الأعمال من قبل جميع الجهات العامة والخاصة، ما يضع الصحافة أمام تحدٍّ كبير في مواجهة كشف التقصير والفساد.

كيف يفكر الصحفي؟ وأين يبدأ؟ وما الأدوات التي يحتاج إليها في صحافة المساءلة، كي يأخذ إعلام المساءلة دوره المطلوب؟

عندما تعلن جهة حكومية عن مشروع جديد، ترميم أو إنشاء طريق، محطة كهرباء، مستشفى، مدرسة، شبكة مياه، منطقة صناعية، أو استثمار سياحي مشترك، غالبًا ما يبدأ التعامل الصحفي معه من لحظة الإعلان.

ومن المعلومات التي يتم الإفصاح عنها عادة، قيمة المشروع، والجهة المنفذة، ومدة التنفيذ، وتصريحات المسؤولين عن أهميته، لكن القصة لدى الصحفي لا تقف عند هذه التفاصيل فقط، وإلا تحول إلى موظف علاقات عامة، وحول وسيلته الإعلامية إلى أداة دعاية.

خلف كل مشروع قرار حكومي، وأموال عامة، وعقد، وشروط تنفيذ، وجدول زمني، وجهة مستفيدة، ونتيجة يفترض أن تصل في النهاية إلى المواطنين. وبين هذه المراحل يمكن أن تتغير أشياء كثيرة: ترتفع التكلفة أو تنخفض، يتأخر التنفيذ، تتبدل المواصفات، يتغير المقاول، تضاف أعمال جديدة، أو يُعلن إنجاز مشروع لا يعمل بالطريقة التي وُعد بها الناس.

بعد وضع الخطة وتبيان أسبابها ومبرراتها، وما قبل بدء تنفيذ المشروع، يفترض أن تُنشر شروط وطريقة التعاقد، مثل المناقصات وطلبات العروض أو التعاقد المباشر أو الشراكات.

ولكل طريقة من هذه الطرق أصولها، وأول شروطها الشفافية، وعندما تغيب التفاصيل يبدأ الصحفي التفكير بالاحتمالات، فساد، نقص كفاءة وخبرة، مشروعات بخلفية سياسية أو تحت الضغط، أو غيرها من الأسباب.

لا يحتاج الصحفي، في كل مرة، إلى إثبات وجود فساد حتى يفتح ملف مشروع حكومي، بل يكفي أن يجد سؤالًا مشروعًا حول المال العام أو التنفيذ أو النتيجة. المساءلة الصحفية لا تعني اتهام المسؤولين، وإنما اختبار ما إذا كانت الوقائع الفعلية تتطابق مع ما أُعلن وخُطط له وتم التعاقد عليه.

قبل كل شيء، على الصحفي أن يتجنب البدء من نتيجة يريد إثباتها، فساد، هدر، محسوبية، أو سوء إدارة، بل البدء بسؤال قابل للتحقق مثل: مبررات المشروع، تكلفته، كيف اختير المنفذ، هل تطابق النتائج مضمون العقد، ما سبب التأخير، وهل حصل المواطن في النهاية على الخدمة التي دُفع المال العام من أجلها؟

هذه الأسئلة تفتح الطريق للصحفي لمعرفة التفاصيل، ويجب أن تنسجم مع قاعدة تقول: أي مشروع يجب أن يُعامل كقصة لها مسار منذ القرار الأول حتى التشغيل، وليس كحدث منفصل، وكل مرحلة يمكن أن تنتج سؤالًا أو وثيقة أو خيطًا جديدًا للتحقيق.

قيمة المشروع من أول الأرقام التي ينبغي للصحفي البحث عنها، لكنها ليست بالضرورة آخرها، وقد يُعلن عن مشروع بتكلفة معينة، ثم ترتفع التكلفة لاحقًا، أو قد تنخفض كما حصل في مشروع تأهيل طريق أوتوستراد درعا دمشق. وهذه التغييرات تحتاج إلى تفسير ووثائق، ولا يكفي أن يكتب الصحفي أن المشروع كلّف أكثر أو أقل من المعلن، أو يترك الأرقام سائبة دون معرفة خلفياتها. لماذا تغيرت، ومن اتخذ القرار؟ مع تتبع مصادر التمويل وطريقة الدفع، استنادًا للوثائق المتاحة أو إفصاح واضح من الجهات المعنية بالمشروع.

لاحظنا ما تناقلته “السوشيال ميديا” وبعض وسائل الإعلام عن شركات غير مؤهلة، وفساد مزعوم في عقود الشركة السورية للبترول (SPC)، وهو ما يخضع للتدقيق الحكومي عبر الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ولأجل هذا تبدأ الصحافة قبل وقوع الفساد المحتمل، فاسم الشركات الخاصة المتعاقدة وقيمة العقود يمكن أن تشكل بداية التحقيق أو التتبّع.
وهنا يبحث الصحفي عبر المصادر الخاصة أو يستعين بالمصادر المفتوحة لمعرفة أهلية الشركات وكفاءتها، وتاريخها وسجلاتها، ومالكيها، وصولًا لطريقة التعاقد، ثم آليات التنفيذ.

من أهم النصائح للصحفي أن يعتمد على مصادر متعددة، لا أن يكتفي بالرواية الرسمية، لأن الجهة الحكومية طرف أساسي في القصة، يسمع روايتها دون أن تكون المصدر الوحيد، فهناك المقاول أو المتعاقد والجهات الرقابية والعاملون في المشروع والخبراء والمستفيدون منه، إضافة إلى الوثائق الرسمية والبيانات المالية والتقارير الفنية.

في المحصلة، لا تأخذ الصحافة مكان أجهزة الرقابة أو القضاء، ووظيفتها جعل المعلومات المتعلقة بالمال العام قابلة للفهم والتحقق، وإثارة الأسئلة التي قد لا تُطرح، ومحاولة الإجابة عنها، لكي تمنح الجمهور القدرة على معرفة تفاصيل القصة ومآلاتها، من الوعد إلى الإنجاز، وبناء على تلك المعرفة يبني موقفًا قائمًا على الحقائق لا الافتراضات.. وللحديث بقية.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق