خلاف على الإرث أم النفوذ.. لماذا تغلق دمشق باب التقارب مع طهران؟

منذ ساعة

عنب بلدي – أمير حقوق

أعاد تصريح مستشار الشؤون الأفرو-آسيوية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الجفال، بشأن العلاقة مع إيران، ملفًا لا يزال عالقًا في سياسة دمشق الخارجية منذ سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024.

وبعد أكثر من 20 شهرًا على القطيعة، لا تبدو عودة العلاقات بين دمشق وطهران مطروحة بوصفها مجرد قرار دبلوماسي يتعلق بإعادة فتح السفارات، بل ترتبط، وفق الخطاب السوري الرسمي، بإرث سنوات الحرب ودور إيران في دعم النظام السابق وطبيعة نفوذها الذي تشكل داخل سوريا.

الجفال قال في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، في 27 من أيلول الماضي، إن الموقف السوري من السياسة الإيرانية نتج عن تجربة 14 عامًا من الحرب والقتل والتهجير والدمار، مشيرًا إلى أن طهران وقفت إلى جانب نظام الأسد على حساب السوريين، رابطًا أي علاقة جديدة مع إيران باحترام سيادة سوريا وإرادة شعبها ومراجعة السياسات السابقة وبناء الثقة.

ويتقاطع ذلك مع مواقف سابقة للرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ربطت إعادة العلاقة مع طهران بمعالجة إرث المرحلة السابقة، في وقت قال فيه الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن بلاده لم تتمكن حتى الآن من إقامة علاقة مع سوريا بسبب موقف الحكومة السورية الجديدة.

علاقة جديدة لا استعادة للعلاقة السابقة

لم يعد النقاش السوري بشأن إيران يدور فقط حول استئناف العلاقات الدبلوماسية، إذ تشير التصريحات الرسمية إلى أن دمشق تريد إعادة تعريف شكل العلاقة نفسها، بعدما انتهت، وفق هذا الطرح، الصيغة التي كانت قائمة خلال حكم الأسد.

الكاتب السياسي درويش خليفة، يرى أن الحديث عن إعادة العلاقات بين سوريا وإيران لا يزال مبكرًا، بالنظر إلى حجم الدور الذي لعبته طهران في دعم نظام الأسد، وما ارتبط بذلك من ممارسات قامت بها ميليشيات مدعومة من “الحرس الثوري الإيراني” بحق السوريين.

وقال خليفة لعنب بلدي، إن الحضور الإيراني في سوريا لم يكن مجرد تدخل عسكري أو سياسي، وإنما ارتبط أيضًا بأبعاد عقائدية ومذهبية وطائفية، معتبرًا أن الممارسات المتمثلة في القتل والتهجير والتدمير خلّفت ذاكرة سورية مثقلة بما يصعب تجاوزه سياسيًا.

في المقابل، يضع الباحث في الشؤون الدولية عامر فاخوري، الخلاف في إطار أوسع من مجرد استعادة العلاقات الدبلوماسية، معتبرًا أن دمشق تحاول إعادة تعريف شكل العلاقة بالكامل، وأن العلاقة القديمة مع إيران انتهت بسقوط نظام الأسد، وبالتالي فإن أي علاقة جديدة لا يمكن أن تكون امتدادًا لما كان قائمًا قبل ذلك.

وقال فاخوري، في حديث إلى عنب بلدي، إن الخارجية السورية لم تعلن قائمة تفصيلية من الشروط، لكنها حددت ثلاثة عناوين أساسية: احترام سيادة سوريا وإرادة شعبها، ومراجعة إيران لسياساتها السابقة، ثم بناء الثقة من جديد.

ويرى أن “بناء الثقة” يمثل جوهر الموقف السوري، موضحًا أن دمشق تريد علاقة دولة بدولة، قائمة على الندية والمصالح المشتركة، وليس عودة سوريا إلى موقع ساحة النفوذ لأي طرف.

النفوذ الإيراني.. العقدة الأعمق

لا يرتبط الخلاف بين دمشق وطهران بالدعم السياسي الذي قدمته إيران لنظام الأسد فحسب، وفق الخبيرين، بل بطبيعة الحضور الإيراني الذي تشكل داخل سوريا خلال سنوات الحرب، وهو ما يجعل ملف السيادة والنفوذ العسكري والأمني حاضرًا في أي نقاش حول مستقبل العلاقة.

ويرى خليفة أن التدخل الإيراني تجاوز، في تقديره، حدود التحالف السياسي والعسكري، إذ ارتبط بشبكات من الميليشيات والقوى المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، معتبرًا أن هذا الحضور ترك آثارًا عميقة على المجتمع السوري، ما يجعل تجاوز إرثه مسألة أكثر تعقيدًا من إعادة العلاقات بين حكومتين.

وقال إن المواجهة الأمريكية والإسرائيلية مع إيران تمثل عاملًا إضافيًا في تعقيد أي تقارب سوري-إيراني في المرحلة الحالية، إذ يرى أن التقارب قد يضع الحكومة السورية أمام أخطار أمنية وسياسية، في ظل استمرار التوتر المرتبط بإيران.

 

التدخل الإيراني تجاوز حدود التحالف السياسي والعسكري، إذ ارتبط بشبكات من الميليشيات والقوى المدعومة من “الحرس الثوري الإيراني”.

درويش خليفة

كاتب سياسي

 

أما فاخوري فيرى أن جوهر الخلاف بين دمشق وطهران لا يتعلق فقط بدعم إيران للنظام السابق، وإنما بالوجود الإيراني الذي تشكل داخل سوريا خلال سنوات الحرب.

وأشار إلى أن إيران بنت نفوذًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا، بالتوازي مع وجود “الحرس الثوري” ومجموعات وفصائل مسلحة حليفة، ولذلك فإن حديث دمشق عن السيادة يرتبط عمليًا برفض وجود مراكز قوة أو نفوذ داخل الأراضي السورية مرتبطة بدولة أخرى.

ويستند فاخوري إلى توصيف سابق للرئيس أحمد الشرع للمشكلة مع إيران، حين قال إن المشكلة لم تكن مع “إيران في طهران”، وإنما مع “إيران في دمشق”، شارحًا أن هذه العبارة تختصر جوهر الخلاف، فدمشق، بحسب قراءته، لا تعترض على وجود إيران كدولة في الإقليم، وإنما على انتقال نفوذها إلى الداخل السوري.

ومن هذا المنطلق، يعتقد فاخوري أن المطلوب ليس بالضرورة قطع العلاقة مع إيران، وإنما إنهاء النموذج السابق لنفوذها داخل سوريا، بحيث تكون أي علاقة مستقبلية بين مؤسسات الدولة السورية والحكومة الإيرانية، لا عبر جماعات أو شبكات نفوذ داخل الأراضي السورية.

ما شكل العلاقة الممكنة؟

رغم استمرار القطيعة، لا تشير المواقف السورية المعلنة إلى إغلاق الباب نهائيًا أمام علاقة مستقبلية مع طهران، لكن الخلاف يتمثل في الشروط التي ينبغي أن تسبق هذه العودة وطبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بعدها.

ويرى خليفة أن تجاوز المرحلة السابقة يحتاج إلى أكثر من تغيير في المواقف السياسية الإيرانية، إذ يربط إمكانية إعادة بناء العلاقة مستقبلًا بتحول في السياسة الإيرانية، واستعداد طهران لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، بما في ذلك، بحسب طرحه، الاعتذار وجبر الضرر وتعويض المتضررين عن الخسائر البشرية والمادية التي تسببت بها تدخلاتها في سوريا.

ويعتقد أن هذه العوامل تجعل إعادة العلاقات في المدى القريب والمتوسط أمرًا صعبًا، مشيرًا إلى أن الذاكرة السورية لم تتعافَ بعد من آثار التدخل الإيراني، وأن أي مسار سياسي لا يستطيع، برأيه، تجاوز حقوق الضحايا وما يرتبط بالمرحلة السابقة.

أما فاخوري فيعتقد أن عودة العلاقات ممكنة من حيث المبدأ، لكنه يستبعد أن تعود بالشكل الذي كانت عليه خلال عهد الأسد، مؤكدًا أن دمشق لا تطلب من إيران الانسحاب من المعادلة الإقليمية، ولا تعلن رغبتها في عداوة دائمة معها، وإنما تريد علاقة مختلفة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم إنشاء نفوذ عسكري أو أمني موازٍ للدولة.

وبذلك، يرى فاخوري أن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت العلاقات ستعود فقط، وإنما الشكل الذي يمكن أن تتخذه في حال عودتها، معتبرًا أن النموذج المحتمل سيكون مختلفًا عن العلاقة الاستراتيجية العميقة التي كانت قائمة خلال حكم الأسد.

 

عودة العلاقات بين سوريا وإيران ممكنة من حيث المبدأ، لكن لن تعود بالشكل الذي كانت عليه خلال عهد الأسد، ودمشق تريد منها عدم إنشاء نفوذ عسكري.

الدكتور عامر فاخوري

باحث في العلاقات الدولية

لماذا اختلف المسار مع روسيا؟

يفتح التعامل السوري مع روسيا بابًا للمقارنة، إذ كانت موسكو أيضًا من أبرز داعمي نظام الأسد، وتدخلت عسكريًا إلى جانب قواته، لكن مسار العلاقات بين دمشق وموسكو اتجه بعد سقوط الأسد نحو التفاوض وإعادة تنظيم العلاقة، في حين بقيت العلاقات مع طهران مقطوعة.

ويرى خليفة أن الفارق يرتبط أولًا بطبيعة روسيا ومكانتها الدولية، فهي دولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، إضافة إلى وجود مصالح وعقود اقتصادية بين البلدين ووجود قاعدتين عسكريتين روسيتين في سوريا.

وأشار إلى أن هذه المعطيات دفعت القيادة السورية الجديدة إلى الانفتاح الدبلوماسي المتدرج على موسكو، عبر الزيارات واللقاءات السياسية والعسكرية، والتفاوض بشأن مستقبل الوجود الروسي، والفارق لا يتعلق فقط بالمصالح والمكانة الدولية، وإنما أيضًا بطبيعة التدخل.

ويتفق فاخوري على وجود اختلاف في طبيعة الدورين، لكنه يضيف عاملًا يتعلق بحسابات الدولة السورية الجديدة، ويرى أن روسيا، رغم تدخلها العسكري المباشر، حافظت إلى حد كبير على علاقة بين دولتين ومؤسسات رسمية، بينما كانت المشكلة مع إيران، وفق قراءته، مرتبطة بشبكة الفصائل والجماعات المسلحة والنفوذ العسكري والأمني داخل سوريا.

وأشار إلى أن دمشق وجدت مصلحة في عدم تحويل روسيا إلى خصم، نظرًا إلى وجود ملفات عسكرية واقتصادية وسياسية تحتاج إلى التفاوض، ولذلك اتجهت إلى إعادة صياغة العلاقة بدل قطعها بالكامل.

وبحسب فاخوري، يكمن الفارق الأساسي حتى الآن في أن دمشق وجدت مع روسيا مساحة للتفاوض وإعادة تنظيم العلاقة، بينما لا تزال ترى أن العلاقة مع إيران تحتاج أولًا إلى مراجعة المرحلة السابقة وبناء الثقة، قبل الانتقال إلى علاقة جديدة.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق