أراضي “الغمر”.. ملف يعود للواجهة مع اقتراب الموسم في الحسكة

منذ ساعة

عاد ملف الأراضي المعروفة محليًا بـ”أراضي الغمر” إلى الواجهة في محافظة الحسكة خلال الأسابيع الأخيرة، مع إصدار عائلات في مناطق مختلفة بيانات تطالب بوقف زراعة أراضٍ تقول إنها تعود إلى ملكيتها الأصلية، وعدم بيعها أو تأجيرها أو إجراء أي تصرف فيها قبل حسم وضعها القانوني.

وتزامن ذلك مع اقتراب الموسم الزراعي الشتوي، وسط دعوات إلى الجهات الحكومية للتدخل في ملف يعود إلى عقود مضت، وتحديد الوضع القانوني للأراضي والحقوق المترتبة عليها، بما يمنع انتقال الخلاف من الإطار العقاري والقضائي إلى احتكاكات بين السكان.

الأسبوع الماضي التقى نائبا محافظ الحسكة، أحمد الهلالي وعباس حسين، وفدًا ممثلًا عن عشائر الغمر، وذلك في مبنى محافظة الحسكة.

وقالت مديرية إعلام الحسكة إن اللقاء تناول واقع الأراضي الزراعية التابعة لعشائر الغمر، ولا سيما الإشكالات المتعلقة بمنع عدد من المزارعين من حراثة أراضيهم.

وأضافت أنه “جرى بحث القضية ومناقشة سبل معالجتها بما يحفظ حقوق المزارعين، ويسهم في معالجة الإشكالات القائمة وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة”.

وفي 29 من أيلول، نشر ملاك أراضٍ في قرية هرم حسن بريف القامشلي بيانًا قالوا فيه إن أراضيهم استُولي عليها خلال ستينيات القرن الماضي، في إطار ما وصفوه بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وطالبوا المزارعين والمستثمرين بالتوقف عن زراعتها أو تأجيرها أو التصرف بها إلى حين معالجة القضية قانونيًا.

كما ظهرت خلال الأيام الماضية بيانات مشابهة لعائلات وقرى في مناطق ريف القامشلي وعامودا والمالكية، تطالب بوقف التصرف بأراضٍ تقول إنها تملك وثائق تثبت ملكيتها السابقة، وإحالة الملف إلى الجهات القانونية المختصة.

ملف بدأ قبل مشروع “الحزام العربي“

تعود جذور جزء من النزاع إلى قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، الذي وضع حدودًا للملكية الزراعية في سوريا، ونص على الاستيلاء على المساحات التي تتجاوز الحدود المحددة قانونًا وتوزيع الأراضي وفق أحكام الإصلاح الزراعي.

وحدد القانون سقوف الملكية بحسب طبيعة الأرض ومصدر الري ومعدلات الأمطار. وفي الحسكة والرقة ودير الزور، رفع القانون الحد الأقصى لبعض الأراضي البعلية إلى 300 هكتار، بينما حدد ملكية الأراضي المروية بمياه الآبار في المحافظات الثلاث بـ55 هكتارًا.

كما نص القانون على توزيع الأراضي المستولى عليها على الفلاحين، مع تحديد مساحات الملكية أو الانتفاع بحسب نوع الأرض ومعدل الأمطار.

وتظهر سجلات تاريخية منشورة لأسماء ملاك شملتهم أحكام الإصلاح الزراعي في الحسكة، في مراحل تطبيق القانون وتعديلاته، ما يعكس اتساع نطاق العملية لتشمل ملكيات زراعية كبيرة في المحافظة.

ولا تتطابق جميع الأراضي التي يشملها الجدل الحالي من الناحية القانونية، إذ توجد أراضٍ ارتبطت بالإصلاح الزراعي، وأخرى دخلت في مشاريع لاحقة لإعادة التوزيع والإسكان، فضلًا عن أراضٍ بقي وضعها القانوني محل نزاع بين مالكين سابقين ومستفيدين.

“الغمر” بين ملكية سابقة واستقرار لعقود

تعود تسمية “أراضي الغمر” إلى الأسر العربية التي نقلت من مناطق في محافظتي الرقة ودير الزور بعد غمر قرى وأراضٍ بمياه بحيرة الأسد إثر بناء سد الفرات، واستقرت أعداد منها في مناطق من الجزيرة السورية.

وبمرور العقود، استقرت هذه الأسر في المناطق التي خصصت لها، ومارس أفرادها الزراعة فيها، بينما تمسك ملاك سابقون بوثائق يقولون إنها تثبت ملكيتهم للأراضي التي كانوا يملكونها قبل الاستملاك أو إعادة التوزيع.

الخلاف لم يعد يقتصر على الزراعة، إذ دخلت بعض الأراضي خلال السنوات الأخيرة في عمليات بيع أو استثمار، فيما بدأ بعض المستفيدين ببيع أجزاء منها وسط مخاوف من تغير وضعها القانوني.

في المقابل، لا ينظر أبناء الأسر التي نقلت إلى المنطقة إلى أنفسهم بوصفهم أصحاب القرار في السياسات التي أدت إلى إعادة توزيع الأراضي، وإنما باعتبارهم أسرًا تضررت من غمر مناطقها الأصلية ونقلت بقرارات حكومية إلى مناطق أخرى.

مخاوف من انعكاس الملف على السلم الأهلي

يرى الناشط المجتمعي خالد العدوان، في حديث إلى عنب بلدي، أن استمرار الملف دون تحرك حكومي واضح قبل بدء الموسم الشتوي “قد يحول الخلاف على الملكية من قضية قانونية إلى مشكلة اجتماعية بين السكان”.

ويقول العدوان إن غياب جهة رسمية تفصل في الوثائق والملكيات “قد يدفع بعض الأطراف إلى محاولة فرض الأمر الواقع على الأرض، سواء من خلال منع الزراعة أو الاعتراض على التأجير والاستثمار أو الدخول في نزاعات مباشرة”.

ويضيف أن المطلوب هو “قرار حكومي واضح يحدد الجهة المسؤولة عن استقبال الوثائق ودراستها، ويمنع في الوقت نفسه أي طرف من اتخاذ إجراءات ميدانية بحق الطرف الآخر”، مشددًا على أن الأسر التي تعرف باسم “عرب الغمر” لا ينبغي تحميلها مسؤولية السياسات الحكومية التي اتخذت في مراحل سابقة.

وبحسب العدوان، فإن معالجة القضية “يجب أن تحمي حقوق جميع الأطراف، وألا تحول الخلاف العقاري إلى خلاف بين العرب والكرد”، داعيًا إلى حصر النزاع في الوثائق العقارية والقوانين والقرارات الرسمية.

بين الإصلاح الزراعي و”التغيير الديموغرافي“

من جهته، يرى المحامي يوسف الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن التعامل مع الملف يحتاج إلى “تمييز المراحل القانونية والتاريخية المختلفة، وعدم وضع جميع الأراضي التي يشار إليها اليوم باسم أراضي الغمر في خانة قانونية واحدة”.

ويقول الأحمد إن قانون الإصلاح الزراعي رقم “161” لعام 1958 “كان قانونًا عامًا وضع حدودًا للملكية الزراعية واستهدف الملكيات التي تتجاوز الحدود القانونية، ولم يرد في نصه تمييز بين مالك عربي ومالك كردي”.

ويضيف أن بعض التيارات السياسية الكردية “تحاول دفع الملف باتجاه اعتباره جزءًا من مشروع التغيير الديموغرافي وسياسة تعريب المنطقة”.

ويؤكد الأحمد أن ذلك لا يعني تجاهل مطالب الملاك السابقين، قائلًا إن “كل حالة يجب أن تدرس وفق الوثائق العقارية وقرارات الاستملاك والتوزيع، لأن وجود وثيقة ملكية أو قرار استملاك أو عقد انتفاع يغير الوضع القانوني لكل عقار”.

ويرى أن تحميل الملف بعدًا قوميًا “لن يساعد في الوصول إلى حل”، داعيًا إلى الاحتكام إلى القوانين السورية والوثائق الرسمية، بدل اتخاذ إجراءات ميدانية من جانب أي طرف.

الحاجة إلى معالجة قانونية

ويطالب العدوان بأن تبدأ الجهات الحكومية بآلية واضحة لاستقبال ملفات الملكية وفحصها قبل دخول الموسم الزراعي، معتبرًا أن “ترك الأراضي في حالة غموض قانوني بينما يستعد المزارعون للزراعة قد يزيد فرص الاحتكاك”.

أما الأحمد، فيرى أن الحل يجب أن يمر عبر “لجان قانونية وعقارية مختصة، مع ضمان حق جميع الأطراف في تقديم الوثائق والاعتراض والطعن أمام القضاء”.

ويقول إن معالجة الملف “لا تعني إخراج الأسر العربية من المنطقة، ولا تعني تجاهل حقوق الملاك الذين يملكون وثائق قانونية”، وإنما تتطلب تحديد الوضع القانوني لكل أرض على حدة، وتطبيق ما تقرره القوانين والجهات القضائية المختصة.

وتظهر التطورات الأخيرة، وفق المتحدثين لعنب بلدي، أن ملف الأراضي لا يزال مفتوحًا بعد عقود من القرارات والاستملاكات وإعادة توزيع الأراضي، بينما تتزايد البيانات والمطالبات المتبادلة مع اقتراب الموسم الزراعي.

ويضع ذلك الجهات الحكومية أمام ملف تتداخل فيه الملكية العقارية مع حقوق المستفيدين والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل حسم كل حالة عبر الوثائق والقانون بعيدًا عن الإجراءات الفردية والمواجهة الميدانية محور المطالب المطروحة حاليًا.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق