فلسطينية تدرس في مقهى انترنت في مدينة غزة (أ.ف.ب)
وردة الشنطي
غزة – «القدس العربي»: من نافذة بعيدة في غرفة هادئة في النرويج، تفتح رحينة روست حاسوبها لتبدأ درسا لا يشبه دروس اللغة الإنكليزية التي اعتادت تقديمها في الجامعات البريطانية.
فعلى الطرف الآخر من الشاشة، يجلس طلابها في غزة، وكل واحد منهم يحاول اقتناص ساعة من التعلم وسط واقع لا يمنحهم كثيرا من الهدوء.
قد ينقطع الإنترنت، وقد يعلو صوت الطائرات المسيّرة، وقد لا يجد الطالب مكانا هادئا يركز فيه، لكن الدرس يبدأ رغم كل شيء.
ومنذ كانون الثاني / يناير 2025، بدأت رحينة تعليم الإنكليزية لشباب غزة ضمن مجموعة»English for Gaza».
ولم يكن قرارها بحثا عن تجربة مهنية جديدة، فاللغة الإنكليزية هي مهنتها اليومية، لكنها أرادت أن تقدم شيئا تستطيع فعله لطلاب يعيشون حربا حرمتهم كثيرا من مقاعد الدراسة. وكانت ترى أن منحهم أدوات اللغة يعني منحهم فرصة للتحدث عن أنفسهم أمام العالم بأصواتهم.
دروس متقطعة
لكن التعليم عبر الإنترنت لم يكن حلا سهلا.
فضعف الاتصال يجعل مشاركة الشاشة أمرا صعبا، وضجيج الطائرات المسيّرة يتداخل مع أصوات الطلاب والمعلمة، فيما يضطر بعض الطلاب إلى الدراسة في أماكن تفتقر إلى الهدوء. ولهذا جعلت رحينة مجموعاتها صغيرة، بحد أقصى نحو خمسة طلاب في المجموعة الواحدة.
وتقول لـ»القدس العربي» إن البيئة التي يعيش فيها طلابها ليست مناسبة للتعلم، لكنها لا تريد أن يكون ذلك سببا للتوقف. لذلك يتعامل الطرفان مع كل مشكلة باعتبارها سؤالا عن الحل. وبالنسبة إليها، الطلاب مصممون على التعلم، وهي مصممة على أن يحصلوا على تعليمهم.
وتقول إن التحديات جعلتهم أكثر إبداعا. فالدرس الذي قد يبدو عاديا في أي مكان آخر يصبح في غزة مهمة تحتاج إلى ترتيب الوقت، وتأمين الإنترنت، والعثور على مساحة يمكن فيها سماع الكلمات وسط الضجيج.
أصوات فلسطينية
وفي ظل هذه الظروف، تدرّس رحينة الإنكليزية الأكاديمية، وهي ليست مادة سهلة، إذ تحتاج إلى قدر كبير من الانضباط والممارسة.
وطلابها يريدون الوصول إلى الطلاقة في الحديث والكتابة، وبعضهم يحلم بإكمال دراسة الماجستير في تخصصه باللغة الإنكليزية.
لكن ما تراه رحينة أبعد من الحصول على شهادة أو تحسين اللغة.
فهي تؤمن أن الإنكليزية يمكن أن تكون جسرا بين شباب غزة والعالم، وأن الفلسطينيين يجب أن يتحدثوا بأنفسهم عن واقعهم، وأن يستخدموا اللغة المشتركة عالميا لإيصال أصواتهم وحكاياتهم.
وبعض طلابها أخبروها أنهم فوجئوا بقدرتهم على التحدث بالإنكليزية بصورة أكثر طلاقة عندما يتحدثون مع الآخرين. وتقول إن الطلاب الفلسطينيين مليئون بالأمل أصلا، وترى أن ذلك جزء من الروح الفلسطينية. ومع مرور فترة التدريس، جمعت رحينة عشرات اللحظات والقصص التي بقيت في ذاكرتها، لكنها لا ترغب في مشاركتها. فبعض ما يقوله الطلاب لها شخصي جدا، وهي ترى أن ما يأتمنونها عليه يجب أن يبقى معها.
وهذه الحدود التي تضعها حول قصص طلابها تكشف جانبا آخر من علاقتها بهم. فهي لا تريد أن تحول معاناتهم إلى حكايات للاستهلاك، بل تريد أن تظل مساحة آمنة يتحدثون فيها ويتعلمون ويخطئون، دون أن تتحول تفاصيل حياتهم إلى مادة عامة.
أما أكبر مشكلة تواجهها كمعلمة، فتظل الإنترنت. وفي المقابل، تقول إن أكبر مصدر لسعادتها هو صمود الطلاب وإصرارهم على التعلم.
تعليم مجاني
ولا تتقاضى رحينة مقابل وقتها في تعليم الشباب في غزة أي مردود. وبالنسبة إليها، الأمر واجب في عالم تراه غير عادل. وتقول إن بعض الأشياء أهم من المال، وإنها اختارت أن تقدم ما تستطيع دون مقابل.
وترى نفسها كمن يزرع بذورا للمستقبل.
وقد لا ترى الآن ثمار ما تفعله، لكنها تؤمن أن التعليم لا يمكن إيقافه، وأن محاولة حرمان الفلسطينيين منه لن تمنعهم من البحث عن طرق أخرى للتعلم.
وتعتقد أن التعليم خلال الحرب يكتسب معنى مختلفا. فطلاب غزة لا يتعلمون فقط من الكتب والمحاضرات، بل يتعلمون من حياتهم اليومية أيضا قيمة الأسرة والأصدقاء والمجتمع، وقدسية الحياة، والقدرة على التمسك بالأمل في أصعب الظروف.
ومن هنا، لو أتيح لها الوصول إلى عدد أكبر من الشباب في غزة، فإن رحينة لا تريد بالضرورة أن تضاعف عدد طلابها فقط. فطموحها أن تساعد معلمي اللغة الإنكليزية في غزة، لأن تدريب المعلمين، في رأيها، يمكن أن يفتح الطريق أمام أعداد أكبر من الطلاب للتعلم وجها لوجه.
وتشير إلى أن استمرار هذا النوع من المبادرات يحتاج إلى التزام طويل.
لذلك توجه نصيحة إلى المعلمين الذين يريدون خوض تجارب مشابهة: «لا تبدأوا إذا كنتم غير قادرين على الاستمرار»، فالتعليم يحتاج إلى وقت واستمرارية، وليس إلى حضور عادي.
أحلام مؤجلة
وعندما تُسأل عما تأمل أن يحققه طلابها مستقبلا، لا تسمي وظيفة أو شهادة.
تقول ببساطة إنها أحلامهم.
أما رسالتها للشباب الذين يشعرون بأن الحرب وضعت أحلامهم على الرف، فهي أن يستمروا في تطوير أنفسهم بما يملكون من إمكانات، وأن يقرأوا ويتعلموا، وأن ينظروا إلى أخطائهم باعتبارها فرصا للتطور.
وتحذرهم في الوقت نفسه من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة واجباتهم أو ترجمتها.
فهي تريد منهم أن يكتبوا بأنفسهم، حتى لو أخطأوا، لأن التعلم الحقيقي بالنسبة إليها يبدأ عندما يحاول الإنسان أن يجد صوته بنفسه.
- سماع دوي انفجارات عنيفة في صنعاء
- ترامب: رفضت خطة لجهاز الخدمة السرية لهدم المكتب البيضاوي
- أنباء عاجلة ... تساقط أمطار تصل إلى 40 ملم على هذه الولايات - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... هام للمتقاعدين - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... المسيلة.. ترقية ملحقة الطب إلى كلية بجامعة محمد بوضياف - بوابة مصر الجديدة








0 تعليق