سفير جزائري سابق يتهم الإمارات بمحاولة إبعاد موريتانيا عن الجزائر وإدخالها في فلك التطبيع وينتقد “غموض موقف نواكشوط”

منذ 58 دقيقة

الجزائر ـ “القدس العربي”: انتقد السفير الجزائري السابق عمار بلاني ما وصفه بـ”الغموض الموريتاني” إزاء موقف “الحياد” الذي تتبناه في قضية الصحراء الغربية، متهما الإمارات في الوقت ذاته بمحاولة إبعاد نواكشوط عن الجزائر وإدخالها في فلك الموقعين على “اتفاقيات أبراهام”.

وقال بلاني، في تدوينة له بعنوان “الدفع المغربي، والغموض الموريتاني، والتمويل الإماراتي”، إن المغرب وموريتانيا وقعا في 21 أيلول/سبتمبر بالرباط اتفاقا إطاريا لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطنية رقم 4، وهو مشروع يقدّم باعتباره وسيلة لتسهيل المبادلات بين نواكشوط ونواذيبو.

وأوضح أن الطريق “لا يتوقف عند نواذيبو، بل يمتد إلى النقطة الكيلومترية 55، قبالة الكركرات، بما يفتح اتصالا بريا باتجاه الداخلة، في الأراضي الصحراوية المحتلة”، مشيرا إلى أن وزير التجهيز المغربي نزار بركة تحدث علنا عن الربط بين نواكشوط والداخلة عبر النقطة الكيلومترية 55.

واعتبر الأمين العام السابق للخارجية الجزائرية أن الرباط، وأمام مشروع الممر الجزائري نحو غرب إفريقيا، تكثف جهودها لاحتواء التدفقات التجارية المستقبلية المتجهة نحو موريتانيا ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا، مضيفا أن الهدف “لم يعد يقتصر على تسهيل المبادلات المغربية-الموريتانية، بل أصبح يتمثل في ترسيخ محور الداخلة-الكركرات-نواذيبو-نواكشوط باعتباره العمود الفقري البري للطموح المغربي نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل”.

وأردف أن ميناء الداخلة الأطلسي، الذي تُقدّر كلفته بنحو مليار دولار، والمعلن عن دخوله الخدمة سنة 2028، من المنتظر أن يوفر المنفذ البحري لهذه الاستراتيجية، مشيرا إلى أنه يشكل أحد أدوات “المبادرة الأطلسية” التي أطلقتها الرباط، والتي تهدف رسميا إلى توفير منفذ على المحيط الأطلسي للدول الساحلية غير المطلة على البحر.

وفي المقابل، أشار السفير الجزائري السابق إلى أن موريتانيا تمتلك بالفعل ممرا طرقيا يربط نواكشوط بباماكو، ويبلغ طوله نحو 1350 كيلومترا، ويربط الواجهة الأطلسية بالأسواق المالية، كما يشكل منفذا طبيعيا لمالي نحو المحيط الأطلسي.

وقال إن الرهان بالنسبة إلى الرباط يتمثل أيضا في جعل الداخلة ومحور الداخلة-نواكشوط امتدادا لهذا العمق التجاري نحو منطقة الساحل، مضيفا أن موريتانيا تجد نفسها “في قلب مشروعين متنافسين للممرات التجارية”.

وأشار بلاني إلى أن بإمكان موريتانيا الاستفادة من هذا الموقع لاستقطاب الاستثمارات والتدفقات التجارية، لكنه قال إن هذه المركزية تضع أيضا ادعاءها بـ”الحياد البناء” بشأن قضية الصحراء الغربية أمام اختبار.

وذكر في هذا السياق أن الصحراء الغربية لا تزال مدرجة لدى الأمم المتحدة على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما يحتفظ الشعب الصحراوي بحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفق تعبيره.

وأضاف أن نواكشوط تساهم، في الوقت نفسه، في ترسيخ محور اقتصادي يربط أراضيها بالكركرات والداخلة، وهو ما قال إنه يطرح سؤالا سياسيا حول “إلى أي حد يمكن التمييز بين حياد دبلوماسي وبين اندماج اقتصادي متزايد في المنظومة المغربية؟”.

وتطرق بلاني أيضا إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب، مشيرا إلى أن غموض الموقف الموريتاني مرة أخرى كونها حسب تحليله، من بين الدول المعنية بهذا المشروع، وأنه يتعين عليها إبرام الاتفاقات اللازمة مع المغرب لتنفيذه.

كما أشار إلى أن المكتب الوطني المغربي للهيدروكربورات والمعادن المعروف بـ “أونهم” سبق أن أجرى دراسات بحرية قبالة سواحل الداخلة.

وخلص إلى أن “الطريق والميناء وأنبوب الغاز” ترسم تدريجيا منطقا واحدا، يتمثل في “جعل الداخلة بوابة اقتصادية نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، مع موريتانيا باعتبارها منطقة عبور لا غنى عنها”.

وتناول السفير الجزائري السابق في تدوينته الدور الإماراتي، قائلا إن أبو ظبي “منخرطة بشكل كامل في عملية تهدف إلى دعم الاستراتيجية المغربية للتوسع في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل”، مضيفا أن هذه المقاربة تسعى، في الوقت نفسه، إلى “إبعاد موريتانيا عن الجزائر وجذبها إلى فلك الدول التي انضمت إلى اتفاقات أبراهام”.

وأشار إلى أن لأبوظبي وجودا قديما في موريتانيا، مذكرا بأنه في عام 2020 أعلنت الإمارات عن تخصيص ملياري دولار لمشاريع استثمارية وتنموية، إلى جانب قرض ميسّر، كما موّل صندوق أبوظبي للتنمية عددا من مشاريع البنية التحتية الطرقية في البلاد.

وأضاف بلاني أن أبوظبي تعمل، بالتوازي، وفق أجندتها الخاصة التي “تتقاطع إلى حد كبير مع المصالح المغربية”، وتتمثل في ترسيخ نفوذها على الموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد اللوجستية في إفريقيا.

وأوضح أن الحضور الإماراتي “لا يقتصر على تمويل البنى التحتية، بل يستند إلى شبكة من الموانئ والمنشآت اللوجستية تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن وصولا إلى المحيط الهندي”، مشيرا إلى أن “أبوظبي للموانئ” و”دي بي ورلد” يمثلان ذراعي هذا التوسع الإماراتي، من خلال امتيازات الموانئ والاستثمارات والممرات التجارية التي تربط الخليج بالأسواق الإفريقية.

وقال إن هذه الاستراتيجية تمنح الإمارات حضورا متزايدا على عدد من الواجهات البحرية الإفريقية، كما تتيح لها، عبر سلسلة من الامتيازات، بناء شبكة من الممرات التي تربط إفريقيا بالخليج وآسيا وأوروبا.

واعتبر أن موريتانيا تكتسب، ضمن هذا التصور، أهمية خاصة، بحكم موقعها بين المغرب العربي والمحيط الأطلسي وغرب إفريقيا، باعتبارها “نقطة عبور طبيعية للتبادلات الإقليمية”.

وأضاف أن المصالح المغربية والإماراتية تتقاطع في هذا المجال، موضحا أن الرباط تسعى إلى إقامة محور الداخلة-الكركرات-موريتانيا باتجاه غرب إفريقيا، فيما تمتلك أبوظبي رؤوس الأموال والمشغلين القادرين على الاستثمار في الموانئ والبنى التحتية التي تمد هذه الممرات التجارية.

وختم بلاني بالقول إن موريتانيا تجد نفسها “عند تقاطع استراتيجيتين”، فهي من جهة ممر لطموح المغرب نحو غرب إفريقيا، ومن جهة أخرى مجال لتوسع الاستراتيجية الإماراتية في الموانئ والخدمات اللوجستية.

وقال إن ما يجري خلف طريق الداخلة-نواذيبو-نواكشوط يتعلق، وفق قراءته، بـ”معركة أوسع حول الممرات التجارية والموانئ والطاقة والسيطرة على التدفقات المستقبلية بين المغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا”، معتبرا أن هذه الدينامية “تتطور، للأسف، على حساب الشعب الصحراوي”.

وفي سياق المخاوف التي أثارتها التحركات الإقليمية المرتبطة بموريتانيا، سبق لسياسيين في الجزائر أن أبدوا مخاوفهم من أن تدفع الإمارات موريتانيا نحو التطبيع مع إسرائيل، بالتزامن مع حديث عن محاولات لجذب نواكشوط إلى مسارات إقليمية جديدة.

وكان رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة قد دعا سنة 2023 إلى الوقوف إلى جانب موريتانيا، التي قال إنها تتعرض لـ”التجاذبات والابتزاز من طرف كيانات وظيفية لدفعها نحو خيارات تناقض إرادة شعبها”، في إشارة إلى ما اعتبره محاولات لدفعها نحو خيارات مرتبطة بالتطبيع.

وسعت الجزائر في السنوات الأخيرة إلى توطيد علاقاتها مع موريتانيا، من خلال تكثيف الزيارات واللقاءات بين مسؤولي البلدين وتعزيز التعاون في مجالات عدة، خصوصا الأمن والتجارة والبنية التحتية.

ومن أبرز المشاريع المشتركة، طريق تندوف-الزويرات الذي اتفق الرئيسان الجزائري والموريتاني عبد المجيد تبون ومحمد ولد الشيخ الغزواني على إطلاقه سنة 2024، ويمتد على أكثر من 800 كيلومتر، ويرتقب أن يفتح محاور طرق دولية باتجاه الأسواق الإفريقية عبر موريتانيا.

كما يرتبط المشروع بإنجاز المعبرين الحدوديين ومنطقة التبادل الحر بين البلدين، إلى جانب مشاريع أخرى في مجالات الصحة والتكوين المهني والإعلام وتسويق المنتجات الجزائرية.

وتنظر الجزائر إلى هذا الطريق باعتباره مشروعا لتعزيز الحركية الاقتصادية والتجارية مع موريتانيا، وفتح المجال أمام المتعاملين الجزائريين للوصول إلى أسواق غرب إفريقيا، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين زخما متزايدا على المستوى السياسي والاقتصادي.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق