
لطالما كان الجسد الأنثوي أحد أكثر الموضوعات حضورا وإثارة للجدل في تاريخ الفن. غير أن المسألة لم تكن يوما متعلقة بالجسد وحده، بقدر ما ارتبطت بكيفية تمثيله، والصورة التي يُقدَّم بها، ومن يستطيع أن يمنحه صوته ويعبّر من خلاله.
فعلى امتداد عقود، انشغلت فنانات كثيرات بإعادة التفكير في حضور الجسد الأنثوي داخل العمل الفني، وفي الطريقة التي يُرى ويُقدَّم بها، وما تحمله هذه الصورة من أسئلة حول الهوية والسلطة والنظرة. ونقله من مجرد موضوع للنظر والتمثيل إلى مساحة للفعل والتعبير وإنتاج المعنى. وفي أعمالهن لم يعد الجسد مجرد صورة، بل أصبح أداة للمعرفة والاحتجاج والرغبة والمقاومة.
بعد هذا التاريخ الطويل، تأتي أعمال كاثي دو مونشو Cathy de Monchaux امتدادا وحوارا مع هذا الإرث. فهي لا تستعيد الجسد الأنثوي في صورته المألوفة، ولا تقدمه بوصفه جسدا مثاليا، أو موضوعا للفرجة، بل تعيد بناءه من خلال مواد وأشكال تقع على الحدود بين العضوي والصناعي: الجلد والمخمل والمعدن والأسلاك والجذور والهياكل.
الطفولة وامتداداتها
وُلدت كاثي دي مونشو في لندن عام 1960، ونشأت في بيت كان الفن جزءا من حياته اليومية؛ فوالداها كانا فنانين، حتى أصبح البيت نفسه، كما تصفه الفنانة، أول فضاء فني تعرفه. وفي موازاة ذلك، تشكلت علاقتها بالخيول منذ طفولتها، لتصبح معرفة الجسد والحركة والبنية جزءا مبكرا من عالمها البصري.
فالطفولة ليست مجرد مرحلة تسبق النضج، بل هي في جانب عميق منها، المختبر الأول الذي تتشكل فيه علاقتنا بالحياة. هناك، قبل أن نمتلك القدرة على تفسير أنفسنا، تبدأ الأشياء من حولنا في ترك آثارها. فهل يمكن لحادث يبدو في ظاهره مجرد صدفة، أن يكون في الحقيقة امتدادا لعالم فني بدأت ملامحه تتشكل منذ البداية؟
هذه العلاقة ستتخذ لاحقا بعدا أكثر تعقيدا. فالهيكل الذي يستحضر الحصان، أو اليونيكورن، والذي تفتتح الفنانة به المعرض يعود إلى بداياتها كطالبة. ومع ذلك، ارتبط هذا العمل في ذاكرتها لاحقا بصدمة حادث سيارة كادت تودي بحياتها، وبحادث آخر أصاب حصانها. وهنا تتقاطع، من دون أن تختزل إحداها في الأخرى، ثلاث دوائر ستصبح حاضرة في تجربتها الفنية: الجسد، والحيوان، والجرح، لذلك لا تبدو كلمة Wounds، أي «الجروح» في العنوان، مجرد إشارة إلى إصابات جسدية، فهي تتسع لتشمل الذاكرة والخوف وآثار التجارب التي تظل كامنة فينا. وربما لهذا تتكرر في أعمال دي مونشو الهياكل والدعامات والجذور: أشياء تسند وتحمي، لكنها قد تقيد وتحاصر في الوقت نفسه. ومن هذه المفارقة يبدأ عالمها النحتي في مساءلة الجسد، لا بوصفه شكلا مكتملا، بل بوصفه كائنا هشا يحمل آثار ما مرّ به.

من الهيكل إلى الجسد، ومن الجسد إلى الشجرة
يكشف الهيكل العظمي الذي نراه في البداية عن أحد المفاتيح الأساسية لعالم دي مونشو: فالجسد عندها ليس مجرد لحم وهيئة، بل بنية داخلية تختزن الذاكرة والصدمة. ومع تطور أعمالها، تتبدل هذه البنية وتتحول: العظم يصبح سلكا، والسلك فرعا، والفرع جذرا، إلى أن تحيط هذه الامتدادات بأجساد تحمل الحياة.
في هذا المسار من الهيكل إلى الشجرة، لا تختفي فكرة الجسد، بل تتسع. فالنبات والحيوان والإنسان يدخلون في تكوين واحد، وكأن الفنانة تبحث عن بنية مشتركة تربط الكائنات بما فيها من هشاشة وقدرة على الاستمرار. وإذا كان الهيكل في البداية يستحضر الموت والصدمة، فإن الشجرة والجذور تفتحان على معنى آخر: النمو، والتجدد، واستمرار الحياة.
ومن هنا تكتسب أهمية معرضها: «المرسم، الجروح والمعارك: الرغبة هي إعادة تأكيد الأمل» «Studio, Wounds and Battles, Desire Is the Reiteration of Hope» المقام في Palais de Tokyo في باريس. ويضم المعرض أكثر من خمسين عملا تمتد من عام 1984 إلى 2026، فيقدم مسارا استقصائيا واسعا لأكثر من أربعة عقود من تجربتها الفنية.
لكن المعرض لا يبدو مجرد استعادة لمسيرة طويلة؛ بل كأنه يعيد ترتيب مفرداتها الأساسية أمامنا: الجسد، الجرح، الرغبة، الخوف، والطبيعة. ومن خلال هذا التداخل، تتضح خصوصية دي مونشو في التعامل مع الجسد الأنثوي. فبينما استخدمت فنانات في الفن النسوي أجسادهن بصورة مباشرة لمساءلة السلطة والنظرة وتمثيل الذات، تختار دي مونشو مسارا أكثر مراوغة؛ إذ لا تقدم الجسد مكتملا، بل تترك آثاره وهياكله وامتداداته تتكلم عنه.
وهكذا يصبح الجسد في أعمالها شيئا يتجاوز حدود الشكل الإنساني: يتحول إلى جذر، وهيكل، وقفص، ودرع، وفراغ. ومن خلال هذا الغياب الحاضر، تدفعنا الفنانة إلى السؤال: ماذا يحدث للجسد حين لا نراه، لكننا نشعر به في كل شيء من حوله؟
الجسد الذي لا نراه
من أكثر ما يلفت النظر في أعمال دو مونشو أن الجسد حاضر فيها بقوة، رغم أنه نادرا ما يظهر بوصفه جسدا مكتملا. إنه جسد غائب، لكن آثاره تحيط بنا: في الجذور المتشابكة، والهياكل المعدنية، والفتحات والانحناءات، وفي المواد التي تستدعي ملمس الجلد أو هشاشة العظام. كأن الفنانة لا تريد أن تقدم الجسد للنظر، بقدر ما تريد أن تجعلنا نشعر به. الجذور والأغصان المتكررة في أعمالها لا تبدو مجرد عناصر نباتية، بل تتحول تدريجيا إلى امتدادات عضوية للجسد؛ عروقا وأعصابا وأطرافا متشابكة. وما يبدو في البداية عالما نباتيا يأخذ طابعا جسديا، حتى يصعب الفصل بين الإنسان والطبيعة، وبين الخارج والداخل. والجذر، بوصفه شيئا يعيش تحت السطح ويحمل ما يظهر فوقه، يصبح استعارة للذاكرة والجروح والتجارب التي لا تُرى، لكنها تظل حاضرة في بنية الإنسان. فالجرح في عالم دو مونشو لا يختفي لأنه غير مرئي؛ بل يتحول إلى أثر وبنية.
وينطبق هذا التناقض أيضا على الهياكل المعدنية، التي قد تبدو عظاما أو أقفاصا أو دعامات أو دروعا. هل تحمي الجسد أم تحاصره؟ هل تمنحه القوة أم تكشف هشاشته؟ تترك الفنانة السؤال مفتوحا، لأن البنية نفسها قد تكون حماية وقيدا في آن. حتى المواد تؤكد هذا الالتباس. فالمخمل والجلد يستحضران النعومة والحميمية، بينما المعدن والأسلاك يوحيان بالبرودة والصلابة والخطر. وبهذا تجعلنا الفنانة نختبر العمل بأجسادنا قبل أن نفسره بعقولنا: نشعر بالنعومة ونترقب الجرح، نرى الحماية ونحس بالقيد. ويحتل الأبيض في أعمال دي مونشو حضورا لافتا؛ فهو يمنح الأعمال مظهرا هادئا ونقيا، لكنه لا يخلو من التوتر. تحت هذا البياض تظهر التفاصيل الدقيقة للجذور والهياكل والتشابكات، ويكشف هشاشة المشهد. فهو لون يوحي بالسكينة، بينما تخفي تحته الأعمال عالما من القلق، والألم، والرغبة في الحماية. لهذا لا يصبح الجسد في أعمال دو مونشو موضوعا للفرجة، بل تجربة حسية ونفسية. ومن هنا تكتسب فكرة الغياب قوتها: فغياب الجسد المكتمل لا يعني اختفاءه، وإنما يحرره من أن يكون مجرد صورة أمام العين. يتحول إلى أثر، وجذر، وهيكل، وفراغ، وإلى شيء نتخيله ونشعر به أكثر مما نراه. وفي هذا تحديدا تكمن خصوصية تعاملها مع الجسد الأنثوي؛ فهي لا تمنح المتلقي جسدا مكتملا يمكن امتلاكه بالنظر، بل جسدا مراوغا يحافظ على غيابه، ويكشف هشاشته وقوته في اللحظة نفسها. هكذا يمتد معرض كاثي دومنشو من أثر الطفولة والحادث إلى أعمالها اليوم في باريس. فالهشاشة حاضرة لا بوصفها ضعفا، بل كقوة تتشكل ببطء من داخل الجرح. وإذا كان الهيكل العظمي يذكّرنا بما تبقى من الجسد، فإن البياض في الأعمال الحديثة يجعل الجسد والطبيعة يبدوان كأنهما أثر واحد، أو ذاكرة واحدة، أو عالم خرج من الماضي ولم يستعد ألوانه بعد.
باحثة وأكاديمية لبنانية







0 تعليق