بهرام حاجو
ما الذي يعرفه الفنان المغربي عن الفن في سوريا؟ وما الذي يعرفه السوريون عن الفن في العراق، جارهم العربي الأرضي؟ بالقوة نفسها لا يعرف المصريون شيئا عن الفن في تونس. ناهيك عن الفن في اليمن. أما لبنان فهو جزيرة معزولة.
استقبلت بيروت في ستينيات القرن الماضي عددا محدودا من المعارض الفنية العربية، أما القاهرة وهي الحاضنة العربية الأكبر فإنها لم تستقبل ما يليق بمكانتها في المخيلة العربية من معارض عربية. لم يعرف الفنانون المغاربة طريقهم إلى المتلقي العربي، إلا عن طريق الصحافة. المليحي وفريد بن كاهية والشرقاوي والغرباوي أسماء أكثر من أن يكونوا أعمالا فنية. أنا على يقين من أن أحدا لم يطلع على تجربة العمانية نادرة محمود المهمة، أو الرسام السعودي عبد الله الشيخ، أو الفنان البحريني المعاصر راشد آل خليفة، أو الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه، أو الرسامة اليمنية آمنة النصيري.
وهل تعرف العرب على تجربة التونسي عبد الرزاق الساحلي، أو مواطنه علي بن سالم؟ لو أتيح لنازلي مدكور أن تعرض أعمالها خارج مصر لعرفنا أن صفة العالمية ليست حكرا على بشر بعينهم. فرضت المزادات العالمية صيغة جديدة لتداول الأعمال الفنية العربية، أتاحت لجماعات تجارة الفن أن تؤدي دورا متزايدا في تقديم النتاج الفني العربي وتحديد الأسماء التي تحظى بالاهتمام. وفي رأيي، لم يكن ذلك التقديم محايدا دائما؛ فالفنان الذي لا تجد تلك الجماعات منفعة في الترويج له قد يبقى خارج دائرة الضوء، بصرف النظر عن موقعه في تاريخ الفن.
العراقي مهدي مطشر والمغربي محمد القاسمي والمصري عادل السيوي والفلسطينية سامية حلبي والسوري يوسف عبد لكي والفلسطيني الأردني محمد الجالوس، حاولوا أن يخترقوا جدار تلك المعادلة ولم ينجحوا إلا في حدود متفاوتة. لم يبذل معهد العالم العربي في باريس جهودا كبيرة من أجل العمل بنزاهة على التعريف بفناني العالم العربي، كل ما قدمه معارض رسمية، كان الإنفاق عليها أهم من قيمتها الفنية. حين رأيت عددا من لوحات السوداني إبراهيم الصلحي في متحف الفن الحديث (موما) في نيويورك وعددا من لوحات المغربي أحمد الشرقاوي في مركز جورج بومبيدو في باريس سُعدت وحزنت في الوقت نفسه. سُعدت لأن فنانا عربيا انضم إلى الركب العالمي، وحزنت لأن ذلك الحدث قد تم انتقائيا وبالصدفة ولم تكن وراءه معرفة بتاريخ الفن التشكيلي في العالم العربي.
الفن الذاهب إلى المخازن
تشتري وزارة الثقافة التونسية أعمالا من الفنانين وتلقيها في مخازنها المهملة. هناك حوار محتدم بين الفنانين حول لجنة المشتريات. لا أحد يفكر في مصير الأعمال الفنية. ما يهم هنا أن الدولة تدعم الفنانين من خلال شراء أعمالهم. هناك خطأ جوهري يكمن في فهم وظيفة المؤسسة الفنية، التي ينبغي لها أن لا تكون طرفا في العملية التجارية. إذا كانت الدولة والمؤسسة الفنية واجهتها تسعى إلى إقامة متحف وطني متكامل للفن، فإن ذلك لا يتم عن طريق لجان موسمية لشراء الأعمال الفنية. إنها مهمة معقدة يشرف عليها المؤرخون والنقاد، وهي لا تتم عادة تحت الأضواء.
النموذج التونسي يمكن تعميمه على العالم العربي من أجل التعرف على سوء الفهم الذي وقعنا فيه. صحيح أن تاريخ الفن لا تكتبه المؤسسة الفنية غير أن الصحيح أيضا أن تلك المؤسسة قد أعفت نفسها من القيام بوظيفتها الرسمية، المتمثلة بتقديم فناني بلادها إلى العالم والتعريف بهم بدءا من قيامها بتطوير الذائقة الجمالية لدى المواطنين، الذين لهم الحصة الأكبر من خيال أبنائهم المبدعين. لقد حُرم الفنان العربي من تلك الرعاية، إلا في مواقع استثنائية. كان بينالي القاهرة صرحا عظيما للفنانين العرب، وكان بينالي الشارقة قبل عام 2000 قد اكتسب ثقة الفنان العربي وفي ثمانينيات القرن العشرين كان بينالي بغداد بدورتيه (1986 و1988) محاولة لإلغاء المسافة بين المحلية والعالمية، ولكنها محاولات تنتمي إلى الماضي الذي لا يمكن استعادته.
عبرنا الربع الأول من القرن الأول من الألفية الثالثة، فإذا بالمؤسسة الفنية وقد خضعت لإملاءات السوق. غير أن علينا الاعتراف هنا من جهة المراجعة النقدية الإيجابية، أن تلك المؤسسة لم تكن فاعلة يوما ما في خدمة النتاج الفني العربي. ويكمن سبب ذلك في أنها لم تكن مستقلة في قراراتها، ولم تكن محايدة في النظر إلى الفنانين والتعامل مع تجاربهم كما أن الخلط بين الثقافة والإعلام أضاع عليها فرصتها في الحفاظ على الأهداف التي أُنشئت من أجلها. كل المواقع الفنية التي ذكرتها كانت مستثناة من ذلك الحكم، أما أنها تعطلت عن العمل أو أنها شقت طريقها في اتجاه آخر ولم تعد معنية بمصير الفنان العربي.
أجنحة عربية برؤى أجنبية
في السنوات الأخيرة شارك العراق بجناحه في بينالي فينسيا. في المرتين أشرفت تمارا الجلبي على المعرض مستعينة بمنسق أجنبي. لا أعرف من هي تلك السيدة سوى إنها إبنة المصرفي والسياسي المعروف أحمد الجلبي، الذي كما يُقال كان له دور مهم في حث إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن على غزو العراق واحتلاله. لا تعرف السيدة تمارا العراق فهي لم تره ولم تزره قبل احتلاله. ودليل جهلها أنها استعانت بمنسق أجنبي تثق به من أجل تقديم العراق في ذلك المحفل الدولي. يوم كان العراق محروما من المشاركة في بينالي فينسيا بسبب الحصار الدولي، الذي فُرض عليه كان الفنان فاضل العكرفي المقيم في سويسرا، يحمل لافتة كُتبت عليها عبارة «الجناح العراقي» للتذكير بغياب العراق القسري. وكما أرى فإن تلك اللافتة كانت أهم وأكثر تمثيلا للعراق من المشاركتين اللتين أشرفت عليهما الجلبي، واللتين أساءتا للفن التشكيلي في العراق، لما انطويتا عليه من رثاثة وسوء اختيار وعبث بحقيقة الفن فيه.
ما حدث للعراق في بينالي فينسيا حدث لدول عربية أخرى، على الرغم من أن تلك الدول لم تكن مغلوبة على أمرها، كما هو حال العراق (المحتل). يكمن السر في الإعجاب بالمنسق الأجنبي الذي يُعتقد أنه يعرف الطرق الخفية التي تقود إلى العالمية من خلال المحافل الفنية. لو أن المسؤولين في المؤسسة الفنية العربية كانوا على بينة من أن الفن هو صناعة روحية غامضة، لا يتم التعرف عليها والتعريف بها إلا من قبل أبنائها لما لجأوا إلى الخبراء الأجانب الذين يجهل بعضهم موقع العالم العربي على الخريطة. ذات مرة صرحت امرأة يابانية تم اختيارها منسقة عامة لبينالي الشارقة، بأنها لم تكن تعرف أين تقع الشارقة قبل أن يتم تبلغيها باختيارها لوظيفتها. سيدة فاضلة تستحق الشكر لأنها قالت الحقيقة.
متحف لفنانين حُظرت أعمالهم
حين تصلنا أخبار المزادات علينا ألا نخدع أنفسنا ونفرح. ما الذي استفاده المصري محمود سعيد من تسابق هواة جمع الأعمال الفنية على اقتناء لوحاته؟ أصار لزاما أن تتكرر مأثرة فنسنت فان غوخ، الذي لم يبع في حياته سوى لوحة واحدة ثم صارت لوحاته تُباع بالملايين بعد وفاته؟ كان فنسنت استثناء، أما الفنانون العرب فإنهم وقد وقعوا تحت سلطة وصاية محكمة يجدون أنفسهم في فراغ عظيم. هناك ممرات غامضة تنتهي بمصفاة أحكمت جماعات التجارة بالفن السيطرة عليها. حتى الأموات من الفنانين العرب لن تتمكن أعمالهم من المرور من خلال تلك المصفاة، التي تتحكم بها أمزجة شخصية لا تحتكم إلى أي نوع من الوعي النقدي والمعرفة التاريخية. المنفعة والمصالح والمزاج الشخصي أولا وأخيرا.
الفنان العربي هو ضيف على مائدة اللئام، لقد قُيض للبعض ممَن لا يملكون خبرة بالفن في العالم العربي ولا معرفة بتاريخه أن يكونوا مستشارين لمقتني الأعمال الفنية الأثرياء فما كان أمامهم سوى أن يستبيحوا المشهد الفني من خلال صناعة مشهد بديل يليق بمعارفهم وينسجم مع علاقاتهم ويشبع مصالحهم. على مستوى معرفتي الشخصية فإن رسامين عراقيين مهمين هم رافع الناصري ومحمد مهر الدين وسالم الدباغ مُنع تداول أعمالهم في المزادات إلى أن تتمكن الجهة التي تتحكم بسوق الفن من شراء أهم أعمالهم لتتمكن بعدها من الاستفراد بالمتاجرة بها. شيء من ذلك يحدث لتراث الكثير من الفنانين العرب الموتى ممَن فُرض الحظر على تداول أعمالهم في السوق الفنية. لا أجازف حين أقول إن متحفا عربيا عظيما يمكن إقامته بأعمال الفنانين الذين فُرض الحظر على تداول أعمالهم تجاريا.







0 تعليق