أثار يوآف سيغالوفيتش، المرشّح إلى انتخابات الكنيست الإسرائيلي بوصفه عضواً في «القائمة الموحدة» التي يتزعمها منصور عبّاس، سجالاً صاخباً بإيحائه أنه يؤيد منع رئيس «التجمع الوطني الديمقراطي»، سامي أبو شحادة، من الترشّح، وقد تراجع من ثمّ بحجة ركونه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. هذا وقد أبدى سيغالوفيتش رأيه بأن أبو شحادة «تجاوز كل حدّ»، بحيث ينبغي عليه ألّا يترشّح (أنظر مقال وديع عواودة، «سجال بين المشتركة والموحدة بعد تصريحات سيغالوفيتش حول شطب سامي أبو شحادة»، الذي نُشر في «القدس العربي» يوم الأحد في 28/9/2026).
أما التجاوز المقصود، فهو تعليقٌ كتبه أبو شحادة فور إشاعة الخبر عن العملية التي قادتها «حماس» في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. والحال أن الصحافي اليهودي الإسرائيلي جدعون ليفي، المعروف لمواقفه الجريئة في إنصافها للفلسطينيين ونقدها لأفعال الدولة والمجتمع الصهيونيين، كان قد كتب في صحيفة «هآرتس»، قبل أيام قليلة من تصريحات سيغالوفيتش، مقالاً أثنى فيه على التعليق المذكور، مؤكداً أنه «مستعدٌ للتوقيع على كل كلمة وردت فيه» (أنظر ترجمة مقال ليفي التي نشرتها «القدس العربي» يوم صدوره بالذات، أي في 24/9/2026، تحت عنوان «أنت بريء وأنا مستعد للتوقيع على مقالك… لأبو شحادة: أتعتذر للفاشيين؟»).
إن دلّت هذه الحادثة على شيء، فعلى خطورة الانزلاق بعيداً عن المبادئ الوطنية، الذي تجري عليه «القائمة الموحدة» منذ فكّها الارتباط بالقائمة الوطنية الفلسطينية الأخرى، «القائمة المشتركة»، ودخولها في ائتلاف مع المعارضة الصهيونية لبنيامين نتنياهو التي كان يقودها يائير لبيد ونفتالي بينيت. وقد فسح ذلك الارتداد المجال أمام منصور عبّاس للمشاركة في الحكومة التي توالى الرجلان على ترؤسها منذ يونيو/ حزيران 2021 إلى أن هزمهما نتنياهو مجددا في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. ثم واصل عبّاس السير على النهج ذاته، فرفض العودة إلى التحالف مع «القائمة المشتركة» مراهناً على فوز المعارضة الصهيونية في الانتخابات المزمع إجراؤها بعد أقل من شهر من الآن، وعلى تمكُّن نواب كتلته من لعب دور الحلفاء الذين لا غنى عنهم في تشكيل ائتلاف يحوز على أغلبية في الكنيست، بحيث يكون لكتلته وزيرٌ في الحكومة الجديدة.
يوآف سيغالوفيتش انضمّ إلى قائمة عبّاس بدافع الطمع بالمناصب، آملاً بأن يحصل من خلال هذه المناورة على كرسي وزاري من الصف الأول
هذا وقد قدّر عبّاس أن حظّه بالحصول على مقعد وزاري معدومٌ إثر أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لاسيما أنه ينحدر من التيار السياسي ذاته الذي تنحدر منه «حماس»، ألا وهو جمعية الإخوان المسلمين. وقد طُلب من عبّاس أن يصنّف «حماس» كتنظيم إرهابي فرفض، بما يجعله عاجزاً عن تلبية الشروط التي يضعها الرجل الأوفر حظاً في المعارضة الصهيونية الراهنة، ألا وهو غادي آيزنكوت، للعضوية في حكومة يترأسها. لذا فإن اللهث وراء المشاركة في الحكم، مع ما يرافقها من امتيازات ليس في الدولة الصهيونية وحسب، بل في العلاقة بأنظمة «التطبيع» العربية، وصل بعبّاس إلى أن يُدرِج على قائمته في المرتبة الثانية سياسياً صهيونياً، هو يوآف سيغالوفيتش، مراهناً على أن مشاركته باسم «القائمة الموحّدة» في حكومة قادمة تشكّلها المعارضة الحالية، سوف تكون أيسر.
وللعلم أو التذكير، فإن سيغالوفيتش كان نقيباً في لواء المظلّيين في الجيش الإسرائيلي، ثم ضابطاً برتبة لواء في الشرطة الإسرائيلية، قاد «مكتب التحقيقات الفدرالي الإسرائيلي» («لاهَف 433»، المرادف الإسرائيلي لمكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي FBI)، ثم تولّى قيادة «قسم التحقيقات والاستخبارات» الذي يندرج «مكتب التحقيقات» تحت سقفه. وبعد تقاعده، ولج سيغالوفيتش الحقل السياسي في حزب يائير لبيد، وانتُخب نائباً في الكنيست في عام 2019، وقد حافظ على مقعده حتى يومنا هذا، عندما خرج من حزب لبيد ليدخل في قائمة عبّاس. وقد شارك سيغالوفيتش في حكومة لبيد-بينيت في عامي 2021-2022 بصفته نائباً لوزير الأمن الداخلي عومر بارليف.
ومن مسار سيغالوفيتش وصولاً إلى تصريحه الحديث الذي أثار السجال المذكور في بداية هذا المقال، يتبيّن بجلاء أن الرجل انضمّ إلى قائمة عبّاس بدافع الطمع بالمناصب، آملاً بأن يحصل من خلال هذه المناورة على كرسي وزاري من الصف الأول بدل الاكتفاء بالصف الثاني كما في عامي 2021-2022، وهو يتطلّع على الأرجح إلى الحصول على منصب وزير الداخلية. وقد صرّح عند الإعلان عن انتقاله من حزب لبيد إلى قائمة عبّاس، أنه فعل ذلك بصفته «يهودياً، وصهيونياً، وعلمانياً، وضابطاً في جيش الدفاع الإسرائيلي، ومديراً في الشرطة الإسرائيلية»، يجمعه بعبّاس «العربي، والمسلم المتديّن، والمحافظ» الاشتراك في الهوية الإسرائيلية التي يعتزّان بها، مضيفاً أن دمج الأقلية العربية في المجتمع الصهيوني يشكّل فرصة لدولة إسرائيل وجسراً إلى جيرانها العرب (تغريدة).
هكذا فإن منصور عبّاس يعمل في المحصّلة، ليس انتصاراً للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بما فيها الحقوق الوطنية للفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية، بل لصالح دمج هؤلاء الأخيرين في الدولة والمجتمع الصهيونيين، ودمج الدولة الصهيونية في محيطها العربي، استكمالاً لما يُسمّى «التطبيع». والحقيقة أنه، لو فازت بالانتخابات المعارضة الصهيونية الراهنة وتمكّنت من تشكيل حكومة بعضوية سيغالوفيتش، سوف يكتمل استلاب فلسطينيي الداخل من خلال ادّعاء رجل يهودي صهيوني تمثيلهم في حكومة، سوف تسعى بالتأكيد وراء استكمال ما سعت إليه حكومة نتنياهو في ضمّ معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، مع إقامة كيانٍ فلسطيني تابع لإسرائيل على قسم منها، يستعدّ محمد دحلان لتولّي رئاسته خلفاً لعبّاس آخر، ساهم في إيصال الحالة الفلسطينية إلى الدرك الذي بلغته.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان







0 تعليق