تستهدف الروائية الفلسطينية عدنية شبل اجتراح نمطٍ من أنماط الكتابة السردية يكاد يتميز بخصوصية ما، ولا سيما على المستوى الأسلوبي. ويمكن أن نتبيّن ملامح هذا النمط من خلال أعمالها الروائية، ومن أهمها رواية «تفصيل ثانوي»، التي أثارت جدلاً بعد إلغاء حفل تسليم جائزة «ليبراتور» لكاتبتها في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2023، غير أننا نرى هذا النمط الأسلوبي أيضاً في روايتها التي صدرت مؤخراً بعنوان «تمويه» عن دار الآداب في لبنان، التي تتميز بالتقشف في الفعل السردي على مستوى تكوين الدلالة، بداعي أن الاختزال يمسي جزءاً من إنتاج الأثر. فالرواية تنزع إلى التخفف من التوصيف المباشر، ومن الاستغراق في التفاصيل الحكائية المسكونة بواقعية الإيهام، بما يتيح مساحة للإحساس بالأشياء، وما يكمن خلفها، من دون ضجيج الراوي وصوته المرتفع، ولكن الأهم التخفف من الشرح والتعليق، وبذلك يتحرر النص من هيمنة التوجيه، تاركاً للقارئ أن يتلمس أثره.
لغة
تنهض رواية «تمويه» على خطين سرديين لا يتقاطعان في كثير من الأحيان بقدر ما يسيران بشكل متوازٍ، حيث إن الرواية مبنية بصورة أساسية على شخصيتين مركزيتين: الطالبة الجامعية التي تكمل تعليمها في إحدى الجامعات بالتوازي مع عملها في وظيفتين، وهنالك الشاب/ الطالب الذي ينقطع عن إكمال تعليمه بداعي الاعتقال المتكرر، ومن ثم يبدأ بالعمل في مهن عدة، حتى يستقر على صنع تحف خشبية. وبين هذين التكوينين، يوجد عالم لا شيء يؤطره سوى ذلك الاحتلال الجاثم على صدر الفلسطينيين.
تتخذ الرواية في تكوينها الزمني إحالة إلى الانتفاضة الأولى، وفيها تتشكل معالم ذلك العالم لذوات فلسطينية تكمن في الداخل، وتعاني من ذلك الارتطام الهائل بين وجودها ووجود آخر طارئ، حيث يتبدى ذلك من خلال البعد اللغوي، ولا سيما شخصية الفتاة التي تبرز صيغة محورية في تكوين بؤرة الرؤية السردية، بعد أن تنتقل للدراسة في إحدى جامعات الكيان، ولكنها سرعان ما تواجه هناك صعوبات في نطق اللغة العبرية، وفهمها، أو التحدث بها، ما يجعلها تنكفئ على ذاتها في مواجهة هذه اللغة، كما الكائنات المحيطة بها، فتسعى إلى أن تكون غير مرئية.
ولعل التوتر اللغوي/ الثقافي المتصل ببنية المكان والزمان، دفع الفتاة إلى الانسحاب من العالم الذي توجد فيه، ومن ذلك في قاعة المحاضرة من أجل التخفي، وتحييد الذات، كما أنها تفضل في أوقات الاستراحة أن تنسحب إلى الطابق السفلي، أو إلى موقف السيارات في حالة أقرب إلى اليأس كما جاء في الرواية.
ومن تبعات اللغة الطارئة تعثر القدرة على التعبير، والدراسة، وصولاً إلى الاقتصار على طلب طبق الحساء لعدم معرفة أسماء الأطباق الأخرى، وغير ذلك.. ما يحيل إلى مشكلة الذات الفلسطينية، التي تشعر بأنها غير قادرة على أن تنسجم مع هذا الوجود الطارئ، على الرغم من أن هذا المكان هو الوطن الذي بدأ يفقد انسجامه مع ذاته.
تعني اللغة ذلك الإكراه الناتج عن انتهاك الهوية، فاللغة مفروضة على الذات الفلسطينية، في حين تكشف لكنات بعض المستوطنين عن آثار لغاتهم الأم، وعن مسافة بين ادعاء الانتماء إلى المكان وتاريخ القدوم إليه، وبذلك يمكن تفهم الأثر البعيد لصيغة «تمويه»، كون العالم هنا يفتقر إلى الأصالة، فهو عالم مركب وملفق بصورة أو بأخرى، حيث سيتضح ذلك عبر تلك الإشارات غير المباشرة، ومنها بيان الفرق بين الحصان الحقيقي والحصان المنحوت، الذي يحيل إلى نوع من التراكب بين تلك الإحالات إلى أشياء أصيلة، وأخرى زائفة.
الطارئون
يشكل مشهد الحواجز التي تقطع الطرق جزءاً من ملامسة واقع الأرض، فالجنود والحواجز ينسفون قيمة المثالية والانسجام بين الذات الأصلانية، وموطنها. ومن هذه الصيغة تنتقل رؤية القارئ بشكل متناوب بين الفتاة والشاب اللذين يبدوان غامضين، صامتين، وكأن ثمة طبقة من البرود تجاه العالم بداعي واقعهما. فالشاب الذي يعمل مع والدته في مطعم الفلافل، يُعاد اعتقاله دائماً وزجّه في المعتقل، بما يعطّل النمط الطبيعي لحياته، كما تحضر معاناته أسيراً ضمن نسق خطابي يعتمد تمثيلات متقشفة بهدف تصوير عوالم الأسرى، ومعاناتهم، ولكن من دون الاستغراق في الشخصية الشارحة وتفاصيلها، أو تحويلها إلى نموذج تفسيري مكتمل للواقع. ويأتي ذلك في زمن موازٍ لزمن الفتاة التي تكمل تعليمها الجامعي في إحدى الجامعات الإسرائيلية، ولكن مصير كليهما في كل الأحوال يبدو واحداً بسبب بنية الاحتلال.
تسعى الرواية في تكوينها المبسط ظاهرياً إلى طرق العديد من الموضوعات المتصلة بتلك العلاقة الجدلية بين الأنا الفلسطينية والآخر، وأعني بذلك الإسرائيلي. فتلك العلاقة التي نشأت بين الفتاة الفلسطينية الجامعية والطالبة الإسرائيلية تبدو علاقة غير مكتملة، فالزيارة التي قامت بها الطالبة إلى زميلتها الإسرائيلية كانت أقرب إلى الكشف عن بنية الأسرة اليهودية، التي تأتي من خلف البحار كي تعيد توطين نفسها، وموضعتها في مكان ليس لها، ولا سيما حين يكون الأب غير يهودي ما يطعن بنموذج الهوية الملتبسة.
وهذا ينسحب أيضاً على علاقتها مع المشغِّلة التي تطلب منها تنظيف شقتها مقابل أجر، حيث يمكن قراءة حضور نفايات الآخر (المشغِّلة) بوصفه تفصيلاً مادياً يكشف اختلال العلاقة بين الذاتين، غير أن هذه العلاقة سرعان ما تفسد، مع ظهور صورة الفلسطيني بوصفه إرهابياً في وعي الآخر. وفي سياق هذه العلاقة المضطربة بالآخر تصف الطالبة الفلسطينية طالبة إسرائيلية بالحرباء، أو بكونها متلونة. هذا الاصطدام بين الذات الفلسطينية والذات الإسرائيلية نراه أيضاً في علاقة الشاب مع فتاة يهودية تسببت بطرده من عمله على شاطئ البحر، حين علمت أنه فلسطيني بداعي التقارب الجسدي، الذي يمكن أن يُقرأ بوصفه جزءاً من محاولة الاستحواذ على الذات الأخرى، فبمجرد تحديد هوية الشاب الفلسطيني يُطرَد من عمله، ويُهدَّد.
قد يبدو الأمر أقرب إلى أنّ عدنية شبلي في روايتها الأخيرة، تقدم لنا حكماً شديداً على هذه العلاقة المشوهة، أو تلك التي لا يمكن لها أن تكتمل بين ذاتين تتنازعان على المكان عينه، بما في ذلك الذاكرة والتاريخ واللغة والحاضر والأرض، ضمن علاقة لا تتكافأ فيها القوة، ولا شروط الوجود.
ومما يلاحظ في هذه الرواية أسلوبية نزع أسماء الشخصيات، ويمكن قراءة هذا التجريد بوصفه نقلاً للاهتمام من الهوية الفردية، إلى مأزق الذات في ذلك الحيز المكاني والزماني. فالذات الفلسطينية تبدو مغيبة على مستوى الوجود من جهة، ومن جهة أخرى، لا يبدّل اختلاف الاسم من شروط حصاره سواء أكنت (س أم ص).
إن محاولة نفي اسم العلم قد تحيل إلى مشكلة في تكوين البعد الوجودي؛ فتسمية الشخصيات تمنحها علامة على التعيّن والحضور، في حين يبدو هذا الحضور منقوصاً في العالم الذي تبنيه الرواية، على الرغم من أنه حاضر تاريخياً وذهنياً وفكرياً وغير ذلك. ولكن المشكلة تكمن في أن الذات الفلسطينية في هذا السياق قد نُزع عنها ذلك الإحساس بذاتها، ووجودها، كما أسهم العالم في ذلك بصورة أو بأخرى. تظهر تلك الشخصيات، ولا سيما شخصيتي الشاب والفتاة أقرب إلى شخصيات يُحجب عمقها العاطفي تقصّداً خلف الصمت، والتقشف في التعبير، إذ يبتعد بناؤها عن المنظور الواقعي الكلاسيكي، كي تبدو شخصيات باردة جافة تعيش خارج العالم، أو أنها أقرب إلى الانطواء على الذات، تمارس وجودها بأقل قدر ممكن من المعنى. ولعل هذا البرود الظاهر لا يعدّ أثراً من آثار حصارها فحسب، بقدر ما هو سمة في طريقة تقديمها سرديا، فالرواية كما هي الشخصيات مسكونة باللون الرمادي ما يضفي على دلالة العنوان «تمويه» بعداً ساخراً في بعض المواضع، ومن ذلك حين نرى الببغاء التي تصرخ بكلمة (سلام… سلام)، أو أن ما يحصل للفلسطينيين مبني للمجهول، وغير ذلك من الإحالات.
الأشياء ودلالاتها
يشكّل التكوين البيئي في الرواية جزءاً من بناء الدلالة، ولا سيما تتبع البنى الطبيعية، ومنها: موسم الأمطار والرياح والأشجار والحرارة والأرض الطينية والطيور، مع إشارات إلى أنين شجر التين، كما النباتات التي تنمو بين شقوق الصخر والإسمنت. فالطحالب والقبّار تواصل النمو في الأماكن التي رحل عنها أهلها بداعي التهجير في قراءة لثنائية التغير والتكيف. تبدو العلاقة بين الإنسان والمكان جزءاً من ذلك الجدل الفلسفي الذي يمكن تلمسه في هذه الرواية، التي تنتج عمقها من تتبع السطح، أو القشرة الخارجية للأشياء كي تتشكل صيغة ذلك التبادل بين الذات التي تكمن في الأرض، والذات التي تبدو طارئة عليها.
إن تقاطع الذوات الفلسطينية مع الكيانات الطارئة يستدعي وعياً يتجاوز المعاناة اليومية إلى أثرها في إدراك الذات لوجودها، وما يصيب هذا الإدراك من تشوّه واضطراب. فالنأي بالذات عن العالم يعد جزءاً من محاولة معادلة الوجود، فالفتاة والشاب الجامعي كلاهما يُنبذان من مجتمع سلب أرضهما وحاصرهما في وطنهما. فالشاب الجامعي الذي كان يعمل في معمل صناعة التحف الخشبية يماثل الفتاة التي نبذتها مشغِّلتها، صاحبة الشقة. ومن هنا نرى كيف أن عدنية شبلي تستدعي تلك الجزئية في تعامل الشاب مع الديدان التي تسكن الخشب، وكيف يتم التخلص من الخشب المصاب وإلقاؤه إلى جانب السور الحجري. كما يمكن أن يُقرأ هذا التفصيل في موازاة نبذ الشخصيتين، بما يحمله ذلك من منطق الفرز والاستبعاد، من دون أن يستنفد ذلك معناه أو يحوّله إلى رمز مباشر فثمة في هذه الصيغة تكوينات لا يمكن تلمسها بصورة مباشرة ما يدفع النص إلى نوع من العمق التأويلي الشديد القيمة.
الأثر
تقول عدنية شبلي في إحدى المقابلات: «الأدب، بالنسبة إليّ، هو المكان الوحيد الذي يقبل الصمت». قد تقودنا العبارة إلى تفهم تلك العلاقة بين التقشف السردي والأثر في رواية «تمويه»، حيث يمتد صمت الشخصيات إلى طريقة بناء عالمها ما يفسر بطء الإيقاع الذي قد يقود إلى نوع من الملل، وفقدان المتعة لدى بعض القراء، غير أن هذا البطء يمكن أن يُقرأ من خلال صلته بالتكوين الدلالي المتصل بالبنية الفنية. فالرواية تقود معناها من خلال الشكل أو التشكيل الذي يعتمد لغة سردية تحجب أحياناً الحميمية، وتحدّ من التدفق الحكائي، ما يعيدنا إلى روايتها «تفصيل ثانوي» حيث تحرص الكتابة على أن تترك مسافة ما بينها، وبين الواقع ضمن اختيار أسلوبي تتضح ملامحه عبر العملين، ما يمنح أعمال عدنية شبلي بُعداً متفرداً في الرواية الفلسطينية المعاصرة، على الرغم من أن البعض يرى في هذا النهج تقليلاً من القيمة الجمالية، قياساً على اشتراطات الألفة والتدفق والامتلاء الحكائي، في حين تبقى قيمة هذا الاختيار رهينة بما يتيحه الصمت والاختزال من إدراك لحياة الشخصيات، وما يتركانه من أثر يتجاوز انتهاء الحكاية في زمن، ومكان مضطربين.
كاتب أردني فلسطيني







0 تعليق