لم يعد الوقت يداهمنا، جملة لم نعد نسمعها عند المشاركة في حصة البودكاست التي أصبح في مقدور المتدخل فيها أن يسترسل لوقت طويل، لم يكن متاحا في المقابلات التلفزيونية، أو الاذاعية التقليدية. رغم هذا الاسترسال الذي يمكن أن يدوم لساعات، بكل إيجابياته وسلبياته. يبقى النص المكتوب أكثر دقة في التعبير عن الرأي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا خلافية، كما هو حال التاريخ برجاله وأحداثه في الجزائر، ما جعلني أعود إليها لتوضيح بعد القضايا التي أثرتها في تدخلي وأنا اتحدث عن مؤتمر الصومام، وبعض الشخصيات في حصة يمين -يسار التي تبث على قناة الخبر، بمناسبة الذكرى السبعين لهذا المؤتمر 20 أغسطس 1956.
في البداية لا بد من الاعتراف بأنه رغم ما يثار عادة من نقاشات حول مؤتمر الصومام كحدث تاريخي مهم في مسار الثورة الجزائرية، إلا أن النقاشات بين الجزائريين تكون أكثر حًدة عندما يتعلق الأمر بالأفراد، كما حصل معي في هذا البودكاست وأنا أتحدث عن الوجه التاريخي أحمد بن بلة، ودوره الفعلي الذي أنجزه على الأرض، أو المتخيل داخل الحركة الوطنية وثورة التحرير، لغاية فترة ما بعد الاستقلال، أدوار منحت له من قبل أنصاره المتنوعين بكل ما ميزه من طول وتغيير في المواقع، انتقل فيها من وجه قيادي أثناء ثورة التحرير، إلى رئيس جمهورية لفترة قصيرة كانت مزدحمة بالأحداث، أدت في نهاية الأمر إلى الانقلاب عليه وسجنه لمدة طويلة من قبل الذين أوصلوه للحكم سنوات قليلة قبل ذلك.
أحمد بن بلة الذي يجب أن لا يمنعنا الاحترام الذي نكنه له كوجه تاريخي وطني، من التعامل معه كبشر يخطئ ويصيب مثل غيره من القيادات السياسية الأخرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تاريخية تهم كل الجزائريين، على رأسهم الشباب الذين من حقهم التعرف على هؤلاء الآباء المؤسسين من أمثال بن بلة.
أحمد بن بلة يجب أن لا يمنعنا الاحترام الذي نكنه له كوجه تاريخي وطني، من التعامل معه كبشر يخطئ ويصيب مثل غيره من القيادات السياسية الأخرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تاريخية تهم كل الجزائريين
منع تحاول أن تقوم به بعض الكتابات على الوسائط الاجتماعية، بكم الشعبوية المرتبط بها، وهي تتلبس رداء العروبة، وتعيش حالة يتم سياسي، نتيجة ما آلت إليه تجربتها المشرقية من انهيار، ليس من حقها إعادة إنتاجها في بلدان أخرى مثل الجزائر، على الرغم من التكلس الذي تعيشه تجربتها الوطنية، تحاول بعض الوجوه استغلالها عبر إقحام العدالة والتخويف بها لمنع الجزائريين من الكتابة حول رموزهم التاريخية الوطنية، لكي تسود سردية تاريخية واحدة لا تاريخية كمقدمة للهلاك. في وقت نحن في حاجة إلى التعرف على قياداتنا التاريخية من أمثال أحمد بن بلة بشكل أكثر جدية وموضوعية، عبر دراسات تقوم بفحص المحطات التاريخية الكثيرة التي عاشها بن بلة، كما حصل أثناء فترة السجن التي عاشها مع وجوه تاريخية من أمثال بوضياف – ايت أحمد – بيطاط.. سأحاول العودة للكلام عنها في مناسبات أخرى، اعتمادا على شهادة مصطفى لشرف المباشرة، الذي عاش محنة السجن مع هذه الوجوه التاريخية خلال فترة طويلة نسبيا من 1956 إلى 1962 مساهمة مني في التعريف بهذه الفترة التاريخية بكل زخمها الإنساني الذي تولد عن الاحتكاك اليومي بين هذه القيادات، خلال فترة السجن هذه، لم أطورها وأنا أكتب حول النخب السياسية في السنوات الاخيرة،
لنكون أمام هذا المشهد الغريب الذي يميز الساحة الثقافية في الجزائر.
غياب أي دراسة تاريخية جدية عن بن بلة، مثل بوصوف وبوضياف وغيرهما، بعد أكثر من عقد ونصف من وفاته الله يرحمه (2012) بما فيها الفيلم الذي خصصته الدولة للوجوه التاريخية، الذي لم يصل الدور فيه لابن بلة، بعد مصطفى بن بولعيد ـ لطفي وكريم وبعض الوجوه التاريخية الأخرى.
بن بلة الذي سيكون من الصعب الكتابة عنه، خاصة عندما يتعلق الأمر بسيناريو فيلم سينمائي، لأن الكاتب سيكتشف بسرعة أنه ليس مع بن بلة واحد، بل «بنبلات» كثيرة. بمحطاتها عرفت فيها ألوان سياسية متنوعة اقترب فيها بن بلة من تيارات عديدة. كان فيها يساريا بلباسه الماوي، الذي اشتهر به وهو رئيس للجمهورية. قرّب إليه اثناءه الكثير من الوجوه السياسية المرتبطة بهذه المدرسة، بمن فيهم الأجانب، من دون أن يبتعد عن عمقه الوطني والعروبي الذي تدعم لديه أكثر مع المحطة الناصرية في مصر. للاقتراب من بعض أوجه الإسلام السياسي بعد محنة السجن التي عاشها بعد الاستقلال. ساهمت فيها القراءات التي يكون بن بلة قد قام بها أثناء فترة السجن الطويلة -1965- 1980في ظل بروز تيارات الإسلام السياسي خلال الفترة نفسها، تكون قد قربته من هذا التيار بعد خروجه من محنة السجن الصعبة. رغم مستواه التعليمي المتواضع، كما كان حال الكثير من القيادات الوطنية، جعلته ينجز تجربة فريدة غير معروفة كان يمكن أن تكون مادة لفيلم درامي، في ثقافات أخرى أكثر إنتاجا حول شخصياتها الوطنية. عندما قرر الزواج وهو سجين، من إعلامية يقول عنها هو نفسه إنها كانت معارضة له عندما كان رئيسا، كانت هي قريبة من التيارات اليسارية الماوية، ومن حزب محمد بوضياف الذي يشترك معها في الأصل الجغرافي (مسيلة)، جعلته يختار هذه المدينة لإقامته الجبرية بعد استفادته من الإفراج الذي حصل عليه في بداية حكم الرئيس بن جديد 1980. قبل الانغماس في تجربة سياسية معارضة في الخارج لم يحالفه الحظ فيها، لأسباب عديدة كان من بينها، سوء اختياره لمحيطه السياسي المباشر أثناءها، هو الذي عرف عنه تأثره المبالغ فيه بالبعد الشخصي والإنساني على حساب الأبعاد السياسية، في تحديد علاقاته السياسية، كما حصل بُعيد الاستقلال.. أنجز خلالها تجربة حكم قصيرة الاستقلال دعم فيها الطابع الاجتماعي للدولة، عرف اثناءها بنظافة لا غبار عليها – عكس بعض الوجوه التاريخية الأخرى التي اختار بعضها المعارضة – سببت له كما هائلا من سوء الفهم، بل والعداوات مع الكثير من الوجوه والتيارات السياسية، عرفت العديد من أشكال الاضطراب السياسي بما تخللها من سجن وتعذيب ونفي الكثير من الوجوه التاريخية، بمن فيهم رفاق السلاح والسجن، محمد بوضياف وحسين ايت أحمد، إذا اكتفينا بهذين الوجهين التاريخيين. يبقى بن بلة مسؤولا عنها، مع آخرين من الذين قاسموه السلطة، يجب عدم السكوت عنها، ونحن نكتب تاريخ البلد لأجيال صغيرة لم تعشه.. سمعت عنه بشكل مبتور لتأخذ عنه صورة مشوهة، يمكن للجزائر أن تتحمل الكتابة عنه بصدر سياسي أكثر رحابة، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، حتى لا نترك الآخر المتربص بهذا التاريخ الكتابة عنه في غيابنا، اعتمادا على أرشيف وطني ما زال مغلقا أمام الباحث والمختص، يستحيل كتابه التاريخ الوطني من دونه، في ظل غياب أغلبية الفاعلين التاريخيين رحمهم الله.
كاتب جزائري







0 تعليق