حرب ترامب مع إيران… إعادة بلا إفادة!

منذ ساعة

أحيانا، قد تكون في الإعادة إفادة كما يقولون، ولكن ليس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يعود ليعيد اللغة ذاتها، التي سبق وصاحبت سبعة شهور مضت من حربه على إيران، وعاد لتلخيصها ببساطة على طريقة، إما الإبادة أو الصفقة على منصة الاجتماع السنوي الأخير رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا تتساءل عما يبدو منطقيا، وهو كيف يمكن لرئيس دولة عظمى تهديد دولة أخرى بالإبادة الجماعية من فوق منبر دولي؟ وكيف يعلن نيته ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية؟ إلى غيرها من أسئلة مدفوعة بالنوايا الطيبة، وبطبيعة منظمة الأمم المتحدة ذاتها، وكونها منبرا مفترضا لأحاديث عن القانون الدولي وقواعده الإنسانية.
مع ترامب لا معنى لحكايات القانون الدولي، أو القانون الإنساني الدولي، وجوابه قديم على هذه القصص، فهو محكوم بقانونه الشخصي وبأخلاقه الرفيعة وحدها، وقد طالب في خطابه الأخير بما هو أفدح، وطلب ـ بصيغة الأمر ـ من كل الدول المعنية الانسحاب فورا من اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، وطالب قبلها هولندا بإغلاق مقر المحكمة التي تستضيفها على أراضيها، وطرد كل قضاتها ومدعيها فورا، وبعد أن راكم عقوبات أمريكية بلا نهاية ضد قضاة ومنتسبي محكمة الجنايات الدولية، والسبب مفهوم، فهو لا يريد قضاء دوليا محايدا، أو شبه محايد من أساسه، ويريد منح حصانة كاملة لمجرمي الحروب بالذات، وأولهم صديقه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء كيان الاحتلال الإسرائيلي.

تهديد ترامب لإيران بضربة إبادة، قد يرتد عليه سلبا، فأجواء الحرب في ذاتها تزيد التهاب أسعار المحروقات في الداخل الأمريكي

المهم أن ترامب أعاد تهديد الإبادة أو المحو نفسه لإيران وحضارتها ووجودها، وهو يكرر ويعيد الإسطوانات المشروخة عن البرنامج النووي الإيراني، ويعد هذه المرة بقصف مدمر لموقع جبل الفأس الإيراني، وهو نفسه الذي قال إنه محا البرنامج النووي الإيراني ومفاعلاته، وأعلنها جازمة قبل أكثر من سنة، أنه قضى على برنامج إيران النووي بعملية «مطرقة منتصف الليل» خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025، ثم عاد بعد خطابه الأخير في الجمعية العامة لتأكيد المعنى ذاته، وأعاد ما يسميه رأيه الشخصي، وأنه قضى تماما على طموح إيران النووي، بقصف مفاعل فوردو بالقاذفات النووية بي ـ 2 وتدميره تماما بقنابل جي ـ بي ـ يو 57، التي تزن الواحدة منها نحو 14 طنا، لكنه يعود عن كلامه في الجملة ذاتها، ويطالب إيران بالتخلي عن مشروعها النووي، وإن كان ينقل المزاد هذه المرة من فوردو إلى جبل الفأس الموقع الأشد تحصينا، ولو كان يستطيع لفعل من قبل، لكنه الهوس الذي يأخذ منه عقله ويلاعب أحلامه المرضية وفقاعته الشخصية.
وليس مستبعدا بالطبع، أن يشن ترامب ما يسميه ضربته الساحقة الماحقة، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أو بعدها، مع ترجيح أن يؤجل ضربته إلى ما بعد الانتخابات النصفية، وهو يذكر إيران بأنه ليس مرشحا في هذه الانتخابات، وأنه مستمر في رئاسة البيت الأبيض لعامين مقبلين، وهو ما تعرفه إيران ويعرفه غيرها بالبداهة، لكن ترامب هنا يذكر نفسه أولا، وبالطبع، لا يحب أن يذكّر نفسه بحقائق أخرى، بينها أن شعبيته التي يفاخر بها، هبطت في استطلاعات رأي أخيرة إلى 32%، وهي النسبة ذاتها من الرأي العام الأمريكي، التي لا تزال تؤيد حربه الخاسرة على إيران، ويريد أن يقنعهم بإعادة السنة أو بإعادة الحرب، وعلى أمل أن يحقق في الإعادة نتائج أفضل، وأن يرغم إيران على رفع الراية البيضاء والاستسلام التام، وهو ما لن يحدث غالبا، مهما فعل، وحتى لو لجأ جنونا إلى ضرب إيران بقنابل نووية استراتيجية أو تكتيكية، ويبدو أن ترامب يعرف غريزيا هذه النتيجة مسبقا، وإن لجأ إلى مراوغة نفسه.
وبعد حديث زاعق عن إبادة إيران، عاد لأحاديث التفاوض مع إيران، وأعلن أن جولة تفاوض عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، شارك فيها من جانب ترامب مبعوثاه المقاولان المفضلان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، فيما شارك من جانب إيران عباس عراقجي وزير خارجية طهران، وقد استمرت جلسة التفاوض ثلاث ساعات، وعقدت حسب شروط طهران المعتادة، وفي صورة مفاوضات غير مباشرة، تنقل فيها الوسيط القطري بين الوفدين، وفيما بدت الجهات الإيرانية متحفظة، ولم تزد على قول إن عراقجي نقل للأمريكيين شروط إيران لفتح مضيق هرمز، وهي الشروط التي أعلنها من قبل الجنرال محسن رضائي أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، وتضمنت كما هو معروف عناوين ثلاثة، هي رفع الحصار البحري والاقتصادي الأمريكي عن إيران، ووقف الحرب نهائيا على جميع الجبهات بما فيها لبنان واليمن، وفك الحظر عن أموال إيران المجمدة البالغة نحو 120 مليار دولار، وهي شروط واردة في مذكرة التفاهم الشهيرة، التي انسحب منها ترامب بعد توقيعه عليها من قصر فرساي، والتي عدت نصرا تفاوضيا لإيران، وشكلت موقفا ثابتا لإيران، حتى لو لجأت إلى تجزئتها هذه المرة، بينما أعلن ترامب مرارا رفضه العودة إلى بنود المذكرة، وتصميمه على فرض شروط أخرى تناسبه، ورغم ذلك، راح ترامب يمتدح ما جرى في جلسة التفاوض غير المباشر مع عراقجي، ويصف ما جرى بأنه ممتاز، أي أنه تراجع ولو مؤقتا عن حديث الإبادة، ويريد أن يبيع وهم الصفقة للرأي العام الأمريكي الساخط عليه قبل انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت تزيد فيه أسعار البترول على نحو مطرد، ويحتمل أن تصل إلى 130 دولارا للبرميل، بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وتتضاعف معه أسعار البنزين والديزل في الأسواق الأمريكية، بما يهدد بتحقق توقعات انتقال الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي في انتخابات أوائل نوفمبر المقبل، وهو ما يتخوف منه ترامب ويتأبط شروره، وأهونها تحويله إلى بطة عرجاء في النصف الأخير من رئاسته الثانية.
ومن الوارد طبعا، أن ينطوي ما يجري على خديعة متكررة، وأن يستخدم ترامب إيحاء الاتجاه إلى صفقة مع إيران لعبور وقت الانتخابات، ثم يعود إلى اختيار الإبادة بعدها وتوجيه ضربته الموعودة، وقد فعلها من قبل ثلاث مرات، ولا بد أن الإيرانيين يدركون ذلك، وربما يلجأون إلى تقطيع الوقت وإطالة أمد التفاوض، وهم أساتذة في فن التفاوض وتوزيع الأدوار، وهو ما يفسر غضبا إعلاميا في الداخل الإيراني على جولة تفاوض نيويورك، وتوجيه اللوم العنيف إلى عباس عراقجي شخصيا، واتهامه بالتصرف من تلقاء ذاته، فالاتجاه السائد في مؤسسات النظام الإيراني، هو أن مناخ الحرب لا التعجل في التفاوض، قد يكون أفيد لإيران، التي أضافت مددا جديدا لوضعها القتالي يعزز صمودها المذهل، وحصلت على تقنيات صاروخية جديدة من إنتاجها الذاتي، أو من إمدادات صينية وروسية، تترجم وتعكس رغبة التشكيلات المسلحة الإيرانية في الانتقال من حالة الردع الدفاعي إلى المعنى الهجومي، ومطاردة البحرية الأمريكية بالقرب من شواطئ إيران، أو حتى في قاعدة إمدادها البعيدة في دييجو جارسيا على مسافة آلاف الأميال، وتقارير المخابرات الأمريكية نفسها تتحدث عن حصول إيران على تقنية فرط صوتية لصواريخها الجوالة كروز، وتنفيذ تجارب بالنار الحية على قطع البحرية الأمريكية المحاصرة للموانئ الإيرانية.
والمحصلة بالجملة، أن تهديد ترامب لإيران بضربة إبادة، قد يرتد عليه سلبا، فأجواء الحرب في ذاتها تزيد التهاب أسعار المحروقات في الداخل الأمريكي، ووقتها لن تنفعه أكاذيب ساذجة من نوع، أنه ساعد في ضمان عبور مليار برميل بترول من مضيق هرمز، أو أن إيران ستخضع حتما بسبب قسوة خطة الخنق الاقتصادي، ثم إن العودة لعمل عسكري جوي مهما كان عنيفا، لن تحقق هدف القضاء على النظام الإيراني، وقد عاد لترديده بعد كل ما جرى، تماما كما كان يقوله في 28 فبراير 2026 أول ساعات الحرب الجارية، ثم ابتلع لسانه بعد الفشل، وادعى مرات، أنه لا يريد إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وها هو يعيد ما كان أولا، ويعيد اللعبة ذاتها، أي التظاهر بالتفاوض مع التجهيز للحرب، وعلى ظن أنه قد تكون في الإعادة إفادة، بينما النتيجة مرئية مسبقا، وأقرب إلى العين من طرف الإصبع، وهي أن عودته لقصف شامل لن تحقق جديدا، ما لم يقرروا غزو إيران بريا، وهو المستحيل تماما مع ترامب أو بغيره، فهو الجحيم المستعجل للجنود الأمريكيين.

كاتب مصري

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق