رافعت الجزائر، اليوم الخميس بالعاصمة الغانية أكرا، من أجل تكريس اعتراف دولي صريح من قبل المنظمات الأممية والقوى الاستعمارية السابقة بالطابع الإجرامي المنهجي للممارسات المرتبطة بالاستعباد والاستعمار.
وفي كلمة له خلال مشاركته، ممثلا لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في أشغال المؤتمر الاستشاري رفيع المستوى الذي تحتضنه أكرا، حول العدالة الإصلاحية والتعويضات التاريخية المتعلقة بالاتجار عبر المحيط الأطلسي بالعبيد، قال رئيس مجلس الأمة، السيد عزوز ناصري، إن الجزائر توجه “نداء متجددا وصادقا من أجل تكريس اعتراف دولي صريح، من قبل المنظمات الأممية والقوى الاستعمارية السابقة، بالطابع الإجرامي المنهجي للممارسات المرتبطة بالاستعباد والاستعمار، وسائر الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت الإنسان الإفريقي”.
وتابع بأن الجزائر “تؤيد انخراط المؤرخين الأفارقة وخبراء القانون الدولي في عمل تكاملي مشترك، بغية جمع الوثائق والشهادات والقرائن القانونية الدامغة التي تثبت الاستهدافات التي طالت شعوب القارة عبر مراحل الاستعباد والاستعمار”.
وأشار إلى أن الجزائر “استلهامًا من إرثها النضالي المجيد وتجربتها التحريرية الفريدة في مواجهة واحدة من أبشع صور الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين، تعلن اليوم استعدادها الكامل لوضع ما تملكه من وثائق تاريخية وأدلة مادية وشهادات موثقة تحت تصرف الهيئات الإفريقية والدولية المختصة”.
وأفاد بأن “أرض الجزائر شهدت انتهاكات فظيعة وجرائم مروعة ارتكبت في سياق محاولات قمع إرادة شعبها وإخماد مقاومته المشروعة، شملت أعمال الإبادة الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيميائية والنووية المحظورة”. مؤكدا أن “الجزائر ستضع هذه المادة التوثيقية الثمينة في خدمة الموقف الإفريقي الموحد، دعما لمسار الحقيقة والعدالة والإنصاف”.
وفي سياق ذي صلة، أعرب رئيس مجلس الأمة عن ترحيب الجزائر باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار القاضي باعتبار الرق العابر للمحيط الأطلسي من أبشع الجرائم المرتكبة في حق الإنسانية.
وتقدم إلى دولة غانا الصديقة بأصدق عبارات التهنئة والتقدير على ما حققته من “نجاح دبلوماسي مشهود”، إثر اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا القرار الذي قال إنه يمثل “انتصارا للحقيقة التاريخية بعد عقود من الإنكار والتغاضي، ومنعطفا مفصليا في مسار إنصاف ملايين الضحايا من أبناء قارتنا، ورد الاعتبار لهم، وتعزيز الاعتراف بحقوقهم في إطار القانون الدولي العام”.
كما يشكل هذا القرار -مثلما أضاف- “خطوة نحو الإشراك الفعلي لإفريقيا في تطوير الأعراف القانونية الدولية وإثراء مبادئها، بعدما ظلت لقرون مستبعدة من المساهمة في صياغة النظام الدولي وتوجيه مساراته”.
ومن المنبر ذاته، جددت الجزائر على لسان رئيس مجلس الأمة تأكيد “دعمها الراسخ لجميع المبادرات التي ينهض بها الاتحاد الإفريقي وأجهزته القانونية المختصة، الرامية إلى إرساء مقاربة قانونية واضحة وصريحة تدرج الرق والاستعمار معا ضمن أخطر الجرائم الدولية التي عرفها التاريخ الإنساني”.
كما استحضر السيد ناصري “بكل اعتزاز” احتضان الجزائر للمؤتمر الدولي رفيع المستوى المنعقد يومي 30 نوفمبر والأول ديسمبر سنة 2025، تحت عنوان “جرائم الاستعمار في إفريقيا: نحو ترسيخ الحقيقة التاريخية وتجريم الاستعمار”, مؤكدا أن المؤتمر توج باعتماد “وثيقة مرجعية تاريخية حظيت بمباركة مؤتمر قمة الاتحاد الإفريقي في فبراير 2026. وهي الوثيقة المعروفة بـ “إعلان الجزائر”، والتي قال إنها تضع اليوم “خارطة طريق متكاملة المعالم، تستند إلى جملة من الأولويات الجوهرية”.
وأبرز أن من أهم هذه الأولويات: “الدعوة الصريحة إلى الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، والعمل على إدراج تجريم الاستعمار ضمن منظومة قواعد القانون الدولي المعاصر، صون الذاكرة التاريخية وتوثيقها وحفظها باعتبارها ركنا أساسيا من أركان العدالة التاريخية، ضمان استرجاع الممتلكات الثقافية المنهوبة، والأرشيفات الوطنية المسلوبة، والرفات البشرية لضحايا الاستعمار والاستعباد المحتجزة خارج أوطانها”.
ويضاف إلى ذلك “التأكيد على قيام المسؤولية الدولية، الجنائية منها والمادية، عن الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المدمرة التي خلفتها السياسات الاستعمارية في القارة الإفريقية”.
وأشار رئيس مجلس الأمة إلى أن “الجزائر تنظر ببالغ الارتياح والتقدير إلى تبني الاتحاد الإفريقي للمقترح الجزائري القاضي بتخصيص يوم إفريقي رسمي لإحياء ذكرى الشهداء والضحايا الأفارقة للرق العابر للمحيط الأطلسي والاستعمار ونظام الفصل العنصري. واعتماد يوم 30 نوفمبر من كل عام، الموافق لافتتاح مؤتمر الجزائر، موعدا قارا لإحياء هذه الذكرى الجامعة”.
كما جدّد التأكيد أمام المجتمع الدولي أن “مطالبة الأفارقة والمنحدرين من أصول إفريقية بالتعويضات تعبر عن تطلع مشروع إلى جبر الضرر، ورد الاعتبار للمظلومين وإنصافهم، وتصحيح اختلالات تاريخية، بما يفضي إلى بناء نظام دولي، يقوم على المساواة بين الشعوب وصون الكرامة الإنسانية، ويستند إلى قيم التضامن والتعاون والشراكة المتكافئة، لا إلى منطق الهيمنة أو الوصاية”.
وذكّر رئيس مجلس الأمة الحضور بـ “الخطوة التي اتخذتها الجزائر على الصعيد الداخلي، والمتمثلة في مصادقة البرلمان الجزائري بالإجماع، بتاريخ 12 أبريل 2026، على قانون يجرم الاستعمار”.


0 تعليق