قبل الجزيرة… حين كانت "قنا" تصنع الدهشة

الراية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بقلم عبدالسلام الخالدي:

نوفمبر 1986. الدوحة.

كنت طالباً في قسم الصحافة بجامعة قطر، وصحفياً متعاوناً مع صحيفة الجزيرة السعودية في آنٍ واحد، حين حطّت طائرة الأمير تشارلز والأميرة ديانا على أرض قطر، يرافقهما وفد ضخم من صحفيي دول الكومنولث جاؤوا من عواصم العالم بكاميراتهم وأقلامهم وخبرتهم المتراكمة.

كان مدير مكتب الجزيرة السعودية في الدوحة آنذاك الأديب والصحفي المخضرم محمد الصويغ، وكان إلى جانبي في تلك التغطية زميلي في الدراسة والصديق الراحل محمد عامر الحميدي، الذي كان يعمل في الوقت ذاته صحفياً في وكالة الأنباء القطرية، وكذلك زميلنا خالد العبدالجليل.

كنا ثلاثة شبان نغطي الحدث نفسه من منابر مختلفة، غير أن ما كان يصدر عن قنا في اليوم التالي جعلني أدرك مبكراً أنني أمام مدرسة صحفية لا تشبه ما تعلمته في القاعات.

حين توجّه تشارلز وديانا إلى ميدان سباق الهجن، ثم إلى مخيم بدوي في الصحراء، لم تكتفِ قنا بوصف المشهد كما فعل كثيرون. أفردت تقاريرها لإبراز الهوية القطرية في مواجهة عدسات العالم، ونقلت ببراعة مشهد الضيافة العربية الأصيلة، وكيف تفاعلت أميرة ويلز مع تفاصيل الحياة الصحراوية من الصقور إلى القهوة العربية.

كانت قنا تقول للعالم بلغة الخبر لا بلغة الخطاب: قطر ليست خلفيةً لهذه الزيارة، بل هي موضوعها.

ما لفت انتباهي حينها، وما بقي معي حتى اليوم، تلك الاقتباسات الذكية التي كانت تنتقيها الوكالة من كلمات الشخصيات البارزة، لا تُورِدها اعتباطاً بل توظّفها في سياق صحفي مترابط ومتين، بلغة سريعة الإيقاع لا تُثقل القارئ ولا تُفقده الخيط. تعلمت من تلك التغطيات عملياً أكثر مما تعلمته من الدراسة النظرية في الجامعة.

لكن الدرس الأعمق جاءني من مكان آخر تماماً.

في قاعة سلوى بفندق شيراتون الدوحة، كان نادي الجسرة الثقافي يستضيف رموز الشعر العربي المعاصر واحداً تلو الآخر: عبدالله البردوني، ومحمد مهدي الجواهري، ومحمود درويش، وسميح القاسم، ونزار قباني.

وكانت قنا حاضرة في كل أمسية بمطبخ صحفي يتواجد فيه أمهر الطهاة، ممن يملكون التلاعب ببهارات البلاغة الأدبية الرفيعة ويحوّلونها بمهارة إلى تقرير صحفي تتراقص فيه فنون الصحافة بمذاق أدبي لا تخطئه العين.

حين جاء الجواهري إلى تلك القاعة، رأيت بعيني ما عجزت الكلمات عن وصفه. كان ساحراً بامتياز، يخلب سمع عشاق الشعر حتى لا تكاد تسمع في القاعة غيرَ صوته، كأنه مطرب خلفه عشرات العازفون، يميل بهم طرباً يمنةً ويسرة.

وحين قرأت في اليوم التالي تقرير قنا عن تلك الأمسية، وجدت أن الوكالة لم تكتب أن الجواهري ألقى قصيدة، بل كتبت أن شاعر العرب الأكبر أشعل المكان. جملة واحدة تساوي ألف صورة.

تلك النبرة الوقورة المستحقة كانت سمة تحريرية واعية، تعكس إدراك المؤسسة أن بعض الشخصيات لا تُغطَّى بل تُكرَّم بالكلمة، وأن الصحافة الرفيعة لا تتعارض مع الأدب الرفيع بل تتحوّل أحياناً إلى توأمه.

كان ذلك في مرحلة كانت فيها الدوحة تبني مشروعها الإعلامي بهدوء ووعي، قبل ظهور قناة الجزيرة بسنوات طويلة.

فإلى جانب قنا، كانت مجلة الدوحة تحت إشراف الأديب المصري الكبير رجاء النقاش منبراً ثقافياً عربياً من الطراز الأول، فيما حوّلت مجلة الصقر الصحافة الرياضية العربية إلى فضاء أكثر احترافية.

لم تكن مصادفة أن تجتمع هذه المؤسسات في مكان واحد وزمن واحد، بل كانت ملامح مشروع إعلامي متكامل يتشكل بوعي مبكر، تقاطعت فيه السياسة والثقافة والإعلام ضمن رؤية واحدة.

وفي تلك البيئة التي كانت الدوحة ترسم فيها ملامح مشروعها الإعلامي بثقة ووعي مبكر، برز اسم الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني بوصفه أحد أبرز القادة الذين نقلوا الإعلام القطري من حدود الحضور المحلي والخليجي إلى فضاء التأثير العربي والدولي الواسع.

وقد تشرفت في تلك المرحلة بالجلوس معه على مقاعد الدراسة في قسم الصحافة بجامعة قطر، وكان واضحاً لمن يقترب منه أنه يحمل شغفاً استثنائياً بالإعلام ورؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للعمل الصحفي السائد آنذاك.

ومن هذه الرؤية تشكّل لاحقاً نموذج إعلامي عربي أكثر جرأة واتساعاً وقدرة على اقتحام الملفات الدولية الحساسة، حتى تحولت قناة الجزيرة إلى ظاهرة إعلامية عالمية واسمٍ حاضر بثقله في موازين التأثير الدولي، تُحسب له حسابات السياسة والإعلام معاً.

ولم يكن ذلك التحول مجرد توسع في البث أو الانتشار، بل انتقالاً بالإعلام القطري إلى مرحلة أصبح فيها شريكاً في صناعة النقاش العالمي، ومنافساً لكبرى الشبكات الدولية في السبق والتغطية وصناعة الرأي العام.

وعند العودة إلى وكالة الأنباء القطرية نفسها، بدا واضحاً أن الزميل والصديق أحمد الرميحي كان من أوائل الذين أدركوا التحول العميق الذي ينتظر وكالات الأنباء في عالم إعلامي سريع التبدل، لم يعد يعترف بالجمود المهني أو الخطاب التقليدي.

وحين تولى لاحقاً قيادة الوكالة، جاء بخبرة إعلامية واسعة دفعتها نحو معايير أكثر انفتاحاً وحداثة في التحرير والخطاب والحضور الرقمي، في مرحلة كانت وسائل الإعلام تعيد فيها تعريف أدوارها وأدوات تأثيرها على نطاق عالمي.

اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاماً على تأسيسها، لا تبدو وكالة الأنباء القطرية مجرد مؤسسة رسمية نجحت في الاستمرار. تبدو، لمن عاش قريباً منها في سنواتها الأكثر حيوية، مدرسةً صحفية علّمت جيلاً كاملاً أن الخبر الجيد ليس في كثرة الكلام، بل في انتقاء اللحظة الصحيحة، والاقتباس الذكي، والسياق المترابط الذي يجعل القارئ يرى المشهد لا يقرأه فقط.

تلك الدروس تعلمتها في بداياتي الصحفية، من أحداث كنت أغطيها كمراسل مبتدئ، ثم أقرأ في اليوم التالي كيف تنقلها وكالة الأنباء القطرية بحرفية لافتة، حتى تحولت بالنسبة لي إلى مدرسة صحفية عملية، أتعلم منها بانتظام أكثر مما أتعلمه من القاعات الدراسية.

وتعلمتها في قاعة سلوى حين رأيت الجواهري يُسكت القاعة بصوته، وقرأت كيف حوّلت قنا ذلك الصمت المهيب إلى سطرين لا يُنسيان.

الصحافة الحقيقية لا تُدرَّس في القاعات وحدها. أحياناً تتعلمها في الصحراء.

هذه المقالة شهادة شاهد عيان لا تقييم محايد، كتبها صحفي سعودي تعلّم جزءاً من مهنته بمراقبة من عمل في تلك المؤسسة وعاش في كنفها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق