داخل مختبرات سامسونج: كيف أعاد التيتانيوم تصميم الهاتف القابل للطي؟

التقنية بلا حدود 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قبل انطلاق مؤتمر سامسونج في لندن والكشف عن أجهزتها الجديدة، حضرت جلسة خاصة ومحدودة مع سونغهون مون، نائب الرئيس التنفيذي والمسؤول الأول عن تطوير العتاد في قطاع الهواتف المحمولة لدى سامسونج.

الجلسة لم تكن استعراضًا تقليديًا للمواصفات، بل كانت نظرة مباشرة إلى ما يحدث خلف الكواليس داخل أقسام البحث والتطوير في سامسونج، وكيف واجه مهندسو الشركة أحد أصعب التحديات في عالم الهواتف القابلة للطي:

كيف تصنع هاتفًا أنحف، ببطارية أكبر، وتبريد أفضل، وشاشة أكثر متانة في الوقت نفسه؟

الإجابة لم تكن في تطوير قطعة واحدة فقط، وإنما في إعادة هندسة الهاتف بالكامل.

> «الابتكار الحقيقي لا يمكن أن يأتي من تحسين مكوّن واحد بمعزل عن بقية المكونات».

بهذه العبارة لخّص سونغهون مون فلسفة سامسونج في تطوير الجيل الجديد من هواتفها القابلة للطي.

 المشكلة الكبرى داخل الهواتف القابلة للطي

في الهواتف التقليدية، تتنافس البطارية والكاميرات ونظام التبريد واللوحة الأم على المساحة الداخلية.

لكن في الهاتف القابل للطي تصبح المهمة أكثر تعقيدًا؛ لأن الشركة مطالبة أيضًا بتوفير مساحة للمفصل، وحماية الشاشة المرنة، والمحافظة على سماكة ووزن مقبولين.

كل مليمتر داخل الجهاز له قيمة.

ولهذا لم يكن تقليل سماكة الشاشة في الجيل الجديد مجرد خطوة لجعل الهاتف أنحف، بل كان وسيلة لاستعادة مساحة داخلية يمكن استغلالها في مكونات أهم.

سونغهون مون أوضح أن سامسونج لم تعمل على الشاشة وحدها، بل أعادت تصميم عدة أجزاء مرتبطة ببعضها:

> «أعدنا هندسة النظام بالكامل، بما يشمل بنية الشاشة، والمفصل، والتصميم الحراري».

ومن هنا ظهرت تقنية Flex Titanium الجديدة.

ما تقنية Flex Titanium؟

قد يوحي الاسم بأن سامسونج صنعت شاشة OLED من التيتانيوم، لكن التقنية في الحقيقة تعتمد على هيكل داعم جديد يقع أسفل الشاشة القابلة للطي وداخل طبقاتها.

ويتكوّن هذا الهيكل من عنصرين مصنوعين من التيتانيوم، لكل واحد منهما وظيفة مختلفة.

صفيحة تيتانيوم تدعم الشاشة

العنصر الأول هو صفيحة تيتانيوم دقيقة موضوعة أسفل الشاشة.

وظيفتها امتصاص الضغط والصدمات، ودعم لوحة OLED، وتقليل التعرجات والاختلافات التي قد تظهر على سطح الشاشة المرنة.

التيتانيوم مادة قوية ومقاومة للتشوّه الدائم، ولذلك تبدو مناسبة لحماية الشاشة، لكن هناك تحديًا واضحًا:

كيف يمكن لصفيحة معدنية قوية أن تنطوي آلاف المرات دون أن تمنع الشاشة من الحركة؟

حل سامسونج كان عبر إنشاء نمط شبكي بالغ الدقة في المنطقة الموجودة عند خط الطي.

الجزء السفلي من الشبكة يحتوي على فتحات دقيقة صُنعت باستخدام الحفر الكيميائي، بينما يحتوي الجزء العلوي على فتحات أصغر قُطعت بالليزر.

هذه الفتحات تكاد تكون مجهرية، لكنها تسمح للمنطقة الوسطى من الصفيحة بالانحناء، مع الحفاظ على صلابة بقية الهيكل.

بمعنى أبسط:
سامسونج جعلت التيتانيوم قويًا في الأماكن التي تحتاج إلى الدعم، ومرنًا في المنطقة التي تحتاج إلى الطي.


 طبقة أرق من شعرة الإنسان

العنصر الثاني في تقنية Flex Titanium هو طبقة شديدة النحافة من سبيكة التيتانيوم داخل وحدة الشاشة.

بحسب سامسونج، لا يتجاوز سُمك هذه الطبقة عشرات الميكرومترات، أي ما يعادل تقريبًا ثلث سُمك شعرة الإنسان.

ورغم نحافتها، فإنها تساعد على تثبيت الشاشة وتقليل الارتفاعات والانخفاضات الصغيرة التي تظهر عادة على سطح الشاشات المرنة.

سامسونج تطلق على هذه التعرجات اسم التموجات السطحية.

لكن بالنسبة للمستخدم، النتيجة المفترضة أكثر بساطة:

شاشة تبدو أكثر استواءً، وسطح أكثر تجانسًا، وخط طي أقل وضوحًا أثناء مشاهدة المحتوى.

 شاشة أنحف بنسبة 10%.. لكن لماذا؟

من أهم الأرقام التي كشف عنها سونغهون مون خلال الجلسة أن تقنية Flex Titanium ساعدت سامسونج على تقليل سماكة بنية الشاشة بنحو 10%.

وقال مون:

> «تقنية Flex Titanium خفّضت سماكة الشاشة بنسبة 10%، ما أتاح مساحة لبطارية أكبر وتحسين التصميم الحراري».

هنا تظهر أهمية التقنية الحقيقية.

سامسونج لم تستغل المساحة الإضافية فقط لجعل الهاتف أنحف، بل أعادت توزيعها داخل الجهاز بين البطارية ونظام التبريد.

تقليل سماكة الشاشة أصبح بشكل غير مباشر تطويرًا للبطارية والأداء أيضًا.

وهذه واحدة من أهم النقاط التي ركز عليها مون في حديثه:
داخل الهاتف القابل للطي، لا توجد تقنية تعمل بشكل منفصل عن الأخرى.


 

بطارية سيليكون كربون بسعة 5000 مللي أمبير

استعادة المساحة خلف الشاشة كانت نصف الحل فقط.

النصف الآخر جاء من استخدام بطارية تعتمد على أنود **السيليكون والكربون**، وهي تقنية تسمح برفع كثافة الطاقة داخل البطارية.

بمعنى آخر، تستطيع سامسونج تخزين طاقة أكبر دون الحاجة إلى زيادة حجم البطارية بالنسبة نفسها.
لكن استخدام السيليكون والكربون لا يعني استبدال مادة واحدة وترك بقية البطارية كما هي.

سونغهون مون أوضح أن سامسونج اضطرت إلى إعادة تصميم عدة أجزاء داخل خلية البطارية، وقال:

> «أعدنا تصميم الكاثود، والإلكتروليت، والفاصل، بالإضافة إلى الأنود، للتعامل مع التفاعل العالي للسيليكون والكربون».

وهذا يعني أن الوصول إلى بطارية أكبر لم يكن نتيجة تقنية واحدة.

هيكل الشاشة الأنحف وفّر مساحة فعلية داخل الهاتف، بينما ساعدت بطارية السيليكون والكربون على تخزين طاقة أكبر داخل المساحة المتاحة.

والنتيجة كانت وضع بطارية بسعة 5000 مللي أمبير داخل **Galaxy Z Fold 8 Ultra**، مع المحافظة على تصميم أنحف من الجيل السابق.

كما أضافت سامسونج شحنًا بقوة 45 واط إلى كل من Galaxy Z Fold 8 Ultra و**Galaxy Z Fold 8**، مع تصميم نظام الشحن بما يتناسب مع التوزيع الداخلي لكل جهاز.

الشاشة والبطارية والتبريد.. تطوير واحد وليس ثلاثة

عادةً ما تُعرض مواصفات الهواتف بصورة منفصلة:

شاشة أنحف، بطارية أكبر، تبريد أفضل.

لكن حديث سونغهون مون كشف أن هذه التحسينات مرتبطة ببعضها هندسيًا.

سامسونج غيّرت المادة الداعمة للشاشة، ثم استخدمت ذلك لتقليل سماكة وحدة العرض، وبعدها استغلت المساحة التي حصلت عليها في زيادة سعة البطارية وتحسين إدارة الحرارة.

وهذا يوضح لماذا قال مون إن الابتكار لا يمكن أن يحدث عبر تحسين مكوّن واحد فقط.

فالتعديل الصغير في الشاشة قد ينعكس على البطارية، وأي تغيير في البطارية يؤثر في التبريد، بينما يفرض المفصل قيودًا على جميع هذه المكونات.


هل اختفى خط الطي؟

تقنية Flex Titanium جعلت منطقة الطي أكثر استواءً وساعدت على تقليل ظهور الخط في منتصف الشاشة، لكنها لم تُلغِه بالكامل.

وخلال الجلسة، طُرح سؤال مباشر على سامسونج حول إمكانية الوصول يومًا ما إلى شاشة لا يمكن رؤية خط الطي فيها أو الشعور به عند اللمس.

سونغهون مون لم يعطِ موعدًا محددًا، ولم يعد باختفاء الخط نهائيًا.

لكنه أشار إلى التطوير المتواصل الذي قامت به سامسونج عبر سبعة أجيال من الهواتف القابلة للطي، سواء في بنية الشاشة أو المفصل أو تجربة فتح الجهاز وإغلاقه.

الهدف الحالي لدى سامسونج يتمثل في تقليل وضوح خط الطي، وتحسين استواء الشاشة، وتقديم حركة فتح وإغلاق أكثر سلاسة.

وتؤدي صفيحة التيتانيوم دورًا مهمًا في امتصاص القوة الخارجية، بينما تدعم طبقة سبيكة التيتانيوم الشاشة وتقلل اختلافات سطحها.

كما ترى سامسونج أن قدرة التيتانيوم على استعادة شكله بعد الانحناء تساعد على تحسين المتانة على المدى الطويل.

خط الطي أصبح أقل وضوحًا في الجيل الجديد، لكنه لا يزال أحد أكبر التحديات التي تعمل سامسونج على حلها.

سبعة أجيال.. وسامسونج لم تنتهِ بعد

بعد سبعة أجيال من الهواتف القابلة للطي، كان السؤال الأهم بالنسبة لي:

هل ما زالت سامسونج متحمسة فعلًا لما يمكن أن يأتي بعد الشكل الحالي؟

وجهت السؤال إلى سونغهون مون، وكانت إجابته مباشرة:

> «نعمل حاليًا على مشروعات متعددة».

ومن خلال المترجم، أوضحت سامسونج أنها تواصل دراسة طرق جديدة لطي الأجهزة، والتقنيات التي يمكن دمجها في هذه التجارب.

هذه التصريحات لا تعني تأكيد هاتف ثلاثي الطي أو جهاز بشاشة قابلة للتمدد، لكنها تكشف أن سامسونج لا تعتبر الشكل الحالي للهواتف القابلة للطي هو المرحلة النهائية.

الشركة سبق أن عرضت نماذج مفاهيمية لشاشات قابلة للتمدد، كما أشارت ضمن حديثها عن تطور الأجهزة القابلة للطي إلى تصاميم ثلاثية الطي.

لكن ما يميز سامسونج، وفقًا لمون، ليس امتلاك مادة جديدة أو تقنية واحدة، بل الخبرة التي جمعتها من المستخدمين عبر سبعة أجيال متتالية.

وقال:

> «في سامسونج، لا نبتكر من أجل التقنية نفسها، بل يبدأ كل قرار نتخذه بفهم طريقة استخدام الناس لأجهزتهم وما الذي يتوقعونه منها».

أكثر من مجرد هاتف أنحف

قد تبدو تقنية Flex Titanium في البداية مجرد تحسين للشاشة، لكن الجلسة مع سونغهون مون كشفت قصة أكبر بكثير.

تقليل سماكة الشاشة ساعد سامسونج على توفير مساحة داخلية.
المساحة الإضافية سمحت باستخدام بطارية أكبر وتحسين التبريد.
وتقنية السيليكون والكربون رفعت كثافة الطاقة دون زيادة كبيرة في الحجم.
أما التيتانيوم فساعد على دعم الشاشة وتقليل التموجات وتحسين المتانة.

كل هذه التغييرات اجتمعت لتقديم هاتف قابل للطي أنحف، ببطارية أكبر، وشاشة أكثر استواءً، وتصميم داخلي أكثر كفاءة.

سامسونج أمضت سبعة أجيال في إثبات أن الهاتف القابل للطي يمكن أن يكون منتجًا عمليًا، لكنها الآن تدخل مرحلة مختلفة:

لم يعد التحدي هو جعل الهاتف يطوى فقط، بل جعله ينافس أفضل الهواتف التقليدية في البطارية والأداء والمتانة، دون التضحية بالتصميم.

وحديث سونغهون مون في لندن أكد أن سامسونج لا ترى سباق الهواتف القابلة للطي قد وصل إلى نهايته.
بل يبدو أن السباق الحقيقي بدأ الآن.

.

أخبار ذات صلة

0 تعليق