حرام في سوريا حلال بمصر،اعتراف عاصم عبد الماجد يكشف خلل الفقه الحركي للتيارات الدينية

منذ 53 دقيقة

عاد القيادي بالجماعة الإسلامية عاصم عبد الماجد الهارب خارج البلاد لممارسة هوايته في التسويق للفكر الجهادي، بالهجوم على تنظيم الإخوان وتفكيك أفكاره التأسيسية، إذ أفتى بوجوب حل تنظيم الإخوان في سوريا وحظر "البيعة" هناك بدعوى الحفاظ على استقرار الدولة تحت طاعة سلطة الرئيس أحمد الشرع ـ الجهادي السابق ـ  بينما واصل استباحة المؤسسات الوطنية في مصر، واعتبر أمرها مختلف عن سوريا في قضية البيعة، وهذا التباين الصارخ فتح الملف الشائك حول البيعة، وكيف تتحول المفاهيم الفقهية لدى الجماعات الحركية إلى أوراق سياسية تفصل حسب المصالح والتحالفات.

مفهوم البيعة المشوه عند الإسلاميين 

تعرف البيعة في إطارها الشرعي العام والفقهي بأنها عقد عهد على الطاعة والالتزام بين الأمة أو من يمثلها من أهل الحل والعقد وبين ولي الأمر الممكن له في السلطة، بغرض تثبيت دعائم الاستقرار المجتمعي. وتجمع متون الفقه الإسلامي على أن عقد البيعة لا يتعدد في القطر الواحد ولا يمنح لكيانات موازية داخل الدولة.

أما عند الجماعات والتنظيمات الدينية، فقد انحرف المفهوم عن سياقه الفقهي الأصلي ليتحول إلى عقد صارم يلزم الفرد بالطاعة المطلقة لقيادة الحركة وقد تكون غير معلنة، وأدى هذا الانحراف إلى خلط خطير بين مفهوم الجماعة المسلمة وهي الأمة، وبين مفهوم جماعة من المسلمين وهي التنظيم. ويكمن الخلل هنا في أن بيعة التنظيمات تنشئ سلطة موازية داخل الدولة تنزع الولاء عن المؤسسات الوطنية المستقرة وتمنحه للكيان التنظيمي المغلق، مما يكرس فكر منازعة السلطة.

وهذه الانحرافات في ممارسات التيارات الدينية ينكرها علماء الأمة، إذ يشترط الإمام الماوردي أكبر قضاة وفقهاء الدولة العباسية في كتابه الأحكام السلطانية، في عقد الإمامة والبيعة التمكين العام واستقرار السلطة لمنع الفتنة، كما ينص ابن تيمية في مجموع الفتاوى على أن الإمامة إنما تثبت بقدرة ذي السلطان وتمكينه، وأن إعطاء العهود والمواثيق لجمعيات أو تنظيمات تبايع على الطاعة في المعصية أو لمنازعة ولاة الأمر يعد من بدع التفرق التي تنقض أصل الجماعة العامة.

قصة الصراع التاريخي بين الجماعة الإسلامية والإخوان

لم تكن السجالات الأخيرة وليدة اللحظة، بل جاءت امتدادًا لصراع تاريخي بين الجماعة الإسلامية وتنظيم الإخوان على المستويين العقائدي والسياسي، وبدأ هذا الخلاف بوضوح في سبعينيات القرن الماضي داخل الجامعات المصرية؛ حيث صعدت الجماعة الإسلامية بإعلان الفكر الجهادي والمواجهة الصريحة مع الدولة، بينما كان تنظيم الإخوان يتبع مبدأ التغلغل الخفي عبر المؤسسات والعمل الاجتماعي.

وتطور الصراع في الثمانينيات والتسعينيات؛ حيث اتهمت الجماعة الإسلامية تنظيم الإخوان بالتميع العقائدي والمداهنة السياسية من أجل المكاسب الحزبية، بينما رأى الإخوان أن اندفاع الجماعة الإسلامية نحو المواجهة المسلحة جلب التضييق على الحركة الدينية برمتها، ورغم محاولات التقارب في محطات معينة، ظل الصراع يطفو على السطح حول من يملك حق قيادة الشارع الإسلامي ومن يملك القراءة الأكثر صحة لمنهج التمكين.

أزمة عاصم عبد الماجد 

يؤكد منتصر عمران، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أن المنشور الأخير لعاصم عبد الماجد يمثل إدانة لهذا الفكر، وكشف عمران الشواهد التي توضح حجم التناقض قائلا: “يقر عبد الماجد بأن البيعة الشرعية لا تكون إلا للحاكم أو لمن يسعى لخلعه وتنصيب نفسه مكانه، فكيف يستند إلى هذا المنطق ليطالب إخوان سوريا بإنهاء تنظيمهم والدخول تحت طاعة الرئيس ـ القادم من العباءة الجهادية ـ أحمد الشرع لحفظ استقرار الدولة، بينما يبيح لنفسه وللتنظيم ممارسة أوهام البيعة ومنازعة الدولة والمؤسسات في مصر؟ وتساءل الباحث عما إذا كان حفظ الاستقرار واجبًا شرعيًا في سوريا بينما تُستباح مقومات الدولة والمؤسسات الوطنية في مصر.

وشدد عمران على أن التفرقة التي يحاول عبد الماجد فرضها تتهاوى أمام واقع الدولة المصرية القائمة بمؤسساتها وجيشها وأجهزتها الوطنية، وأكد الباحث أن التنصل من الشرعية والمؤسسية تحت غطاء البيعة في مصر وتجريمه في سوريا يوضح أن الفقه السياسي لدى هذه التيارات ليس سوى أداة مرنة تفصل حسب الخصومات والتحالفات السياسية والشخصية.

سر توقيت هجوم عاصم عبد الماجد

يرتبط سر توقيت دعوة عاصم عبد الماجد بالتغيرات الإقليمية وإعادة ترتيب أوراق الجماعات الحركية في المنطقة، إذ يسعى عبد الماجد من خلال ضرب فكر الإخوان وتفكيك شرعية البيعة لديهم في سوريا إلى تقديم الجماعة الإسلامية كتيار يملك مراجعات وقدرة على قراءة الواقع السياسي والجيوسياسي، مع محاولة سحب البساط التنظيمي من الإخوان هناك لصالح الكيانات الجهادية الناشئة.

ويرى خبراء أن هذه الدعوة تكشف تورط أنصار الفكر الجهادي في التلاعب باحكام الشرع الحنيف، والدليل توظيف مفاهيم البيعة والولاية وفق المصلحة التنظيمية والتحالفات المتغيرة، فمحاولة إسقاط مفهوم البيعة عن فرع تنظيم في دولة معينة وإعادة شرعنته ضد دولة أخرى تثبت أن النص الشرعي يستخدم فقط لتغطية التوجهات السياسية، وخدمة الصراع الداخلي بين هذه التيارات الذي يهدف للسيطرة على القواعد الفكرية والتنظيمية. 

وحسب خبراء، تظهر هذه المشاحنات بين رموز التيارات الحركية أن أزمة الإسلام السياسي تكمن في غياب الفلسفة الثابتة تجاه مفهوم الدولة الوطنية، لاسيما مع إصرار هذه القيادات على استخدام التكييف الفقهي كغطاء للخصومات الشخصية والتنظيمية بما يسقط الادعاء بوجود مشروع فكري متكامل، ويؤكد أن مفاهيم مثل البيعة والتمكين والولاية تستدعى وفق متطلبات المرحلة وبما يضمن بقاء النفوذ السياسي لهذه الرموز.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق