قال الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، إن نهاية ما وصفه بالنظام العالمي القديم قد تتيح فرصًا اقتصادية جديدة، من خلال تعزيز حرية الدول في اختيار نماذج النمو المناسبة لظروفها، وزيادة مرونتها في مواجهة الأزمات، والبحث عن بدائل أكثر استدامة وشمولًا.
وأوضح محيي الدين، في تدوينة نشرها عبر منصته على "سبيستاك" بعنوان "آلام مفيدة وفوائد خفية"، أن أربع رسائل رئيسية استخلصها من مشاركته في فعاليات اقتصادية دولية خلال الأسابيع الماضية، تشير إلى الحاجة لإعادة صياغة أطر الاستثمار والتجارة والتعاون الدولي، في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.
وأشار إلى أن الرسالة الأولى تتعلق بضرورة تطوير إطار جديد للاستثمار، في ضوء نتائج منتدى الاستثمار العالمي الذي نظمه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" في الدوحة، والذي كشف عن ارتفاع الاستثمارات الأجنبية بنسبة 6%، رغم العقبات الاقتصادية والسياسية، إلا أن 80% من هذه الاستثمارات تتركز في 20 دولة فقط.
وأضاف أن عدد مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة في الدول النامية انخفض بأكثر من الربع مقارنة بالعام الماضي، بما يشمل قطاعات البنية التحتية والصحة والغذاء، وهو ما يعكس اختلال توزيع الاستثمارات عالميًا، والحاجة إلى ربطها بتحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل والاستدامة وإعادة الإعمار.
ولفت إلى أن الإطار الجديد المقترح للاستثمار يتضمن تطوير الحوكمة، ودمج الاستثمارات بأهداف الاستدامة وجودة الحياة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي وصناعات المستقبل، إلى جانب تطوير أدوات التمويل وتخفيف المخاطر وتحسين إتاحة البيانات ودعم رواد الأعمال، خاصة الشباب والنساء.
محمود محيي الدين يحذر: الحروب تُشعل التضخم والفائدة تُثقل ديون الدول النامية
نهاية إجماع واشنطن والحاجة إلى نموذج نمو جديد
وتناول محيي الدين الرسالة الثانية، المرتبطة بانتهاء ما يعرف بـ"إجماع واشنطن"، الذي شكل على مدار عقود مرجعية للسياسات الاقتصادية التي تتبناها مؤسسات دولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وأوضح أن هذا الإجماع، الذي لخصه الاقتصادي جون ويليامسون عام 1989 في عشر نقاط، تضمن توجهات تتعلق بتحرير التجارة والاستثمار وسياسات سعر الصرف وضبط الإنفاق العام، مشيرًا إلى أن التطورات الحالية تفرض البحث عن نموذج نمو جديد يمنح الدول مساحة أكبر لاختيار السياسات التي تتناسب مع احتياجاتها وظروفها.
واستشهد بتقرير لجنة النمو الصادر عام 2008، بقيادة الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل مايكل سبنس، والذي خلص إلى عدم وجود وصفات تنموية جاهزة تصلح للتطبيق في جميع الدول، رغم وجود ركائز مشتركة للنمو، تشمل الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية، وتحسين الحوكمة، وتراكم المكاسب الاقتصادية على المدى الطويل.
محمود محيي الدين: رفع الفائدة الأمريكية لن يكبح التضخم الناتج عن الحرب
الإقليمية الجديدة لمواجهة الأزمات العالمية
وأشار محيي الدين إلى أن الرسالة الثالثة تتعلق بأهمية مفهوم "الإقليمية الجديدة"، الذي يقوم على تعزيز التجارة والاستثمار وتبادل المعرفة بين الدول التي تتشارك المصالح والرؤى، سواء كانت متجاورة جغرافيًا أو متباعدة.
وأوضح أن هذا التوجه تزداد أهميته مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة، واضطراب سلاسل التوريد، وتكرار أزمات المناخ والطاقة والغذاء والديون، بما يتطلب نماذج تعاون اقتصادي قادرة على تعزيز قدرة الدول على الصمود أمام الصدمات المتكررة.
وأضاف أن المناقشات التي شهدتها قمة قادة الأعمال التي نظمتها الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية في إسطنبول أبرزت الحاجة إلى تطوير أشكال جديدة من التعاون الاقتصادي، تحقق منافع متبادلة وعادلة للدول المشاركة.
من يتحمل فاتورة تعثر الدول؟ محيي الدين يطرح قواعد جديدة لتوزيع خسائر الديون السيادية
تراجع المساعدات الدولية ألم قصير الأجل وفوائد خفية
وفيما يتعلق بالرسالة الرابعة، رأى محيي الدين أن التراجع الحالي في مساعدات التنمية الدولية قد يحمل، رغم آثاره السلبية قصيرة الأجل، فرصة لإعادة تقييم نماذج تمويل التنمية، خاصة في الدول التي اعتمدت لفترات طويلة على المنح والمساعدات الخارجية.
وأشار إلى أن العامين الماضيين شهدا انخفاضًا حادًا في المساعدات الدولية، نتيجة إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID"، وخفض المساعدات الأوروبية تحت ضغوط الموازنات والاعتبارات السياسية.
وأوضح أن الاعتماد على المنح والمساعدات قد يضعف حوافز الحكومات لتعبئة الموارد المحلية، سواء من خلال الإيرادات العامة أو التمويل الخاص، فضلًا عن أن أولويات الجهات المانحة لا تتطابق بالضرورة مع احتياجات الدول المستفيدة وتطلعات شعوبها.
ولفت إلى أن المساعدات الخارجية قد توجه التمويل إلى مشروعات لا تمثل أولوية حقيقية للدول المتلقية، كما قد تدفع السياسات العامة نحو أهداف تتوافق مع مصالح المانحين أكثر من توافقها مع متطلبات التنمية المحلية.
وفي هذا السياق، حذر من التعويل على تكرار تجربة "خطة مارشال" الأمريكية، موضحًا أن الخطة الأصلية استهدفت إعادة إعمار دول أوروبية امتلكت بالفعل مؤسسات تعليمية وقضائية وإنتاجية وتنظيمية، لكنها تعرضت للتدمير بفعل الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تستهدف بناء اقتصادات ومؤسسات من نقطة الصفر.
واعتبر أن الظروف الدولية التي صاحبت تنفيذ خطة مارشال لم تعد قائمة، في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وتنافسًا بين القوى الصاعدة والتقليدية على النفوذ والهيمنة الاقتصادية.
وخلص محيي الدين إلى أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي تتيح فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر مرونة للاستثمار والتجارة والتعاون الدولي، تقوم على نموذج للنمو المستدام والشامل، وتمنح الدول حرية أكبر في تحديد أولوياتها التنموية.
وذكر أهمية تعزيز التعاون من خلال "الإقليمية الجديدة"، وتجنب الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، مع التركيز على تعبئة الموارد المحلية والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية الوطنية، إلى جانب الحد من ممارسات الاستغلال والتدفقات المالية غير المشروعة.
- محمود محيي الدين: رفع الفائدة الأمريكية لن يكبح التضخم الناتج عن الحرب
- محمود محيي الدين: الدول العربية تحتاج لزيادة ناتجها 10% لمواجهة تغير المناخ
- تعليق مثير من معتمد جمال بعد تأهل الزمالك إلى الدور الـ16
- موكوينا يعلن قائمة بيراميدز لمواجهة الداخلية في كأس مصر
- محيي الدين: التنمية بعد 2030 تتطلب إصلاحات التمويل والتكنولوجيا والحوكمة






