بوابة مصر الجديدة

في ديوان «بين نبضتين»… الشعر والصورة واحتمالات التأويل

يبقى التجديد أحد أبرز سمات الإبداع، إذ يسعى المبدعون باستمرار إلى تجاوز الأشكال المألوفة وتجريب وسائل جديدة للتعبير. ومن هذه التجارب الجمع بين النص الشعري والصورة الفوتوغرافية، وهي ممارسة ليست جديدة، لكنها تتيح إمكانات مختلفة للقراءة والتأويل، خصوصا حين تتجاوز الصورة وظيفتها التوضيحية لتصبح عنصرا مشاركا في إنتاج المعنى. ومن هذا المنطلق، نتناول ديوان «بين نبضتين» للشاعر محمد الحدوشي الورياغلي، الذي يجمع بين القصائد والصور الفوتوغرافية للفنان عثمان الساخي، في تجربة تستدعي قراءة العلاقة بين الكلمة والصورة، وما تفتحه من احتمالات دلالية أمام المتلقي.

يمثل عنوان «بين نبضتين» مدخلا لفهم التجربة الشعرية والبصرية في الديوان، إذ يحيل إلى الزمن والحياة وما يفصل بين لحظتين متعاقبتين من الوجود. ويكتسب العنوان أهمية إضافية في غياب عناوين داخلية للقصائد، التي ترد مرقمة من الأول إلى العاشر، بما يجعله إطارا جامعا للنصوص والصور. ولا تبدو الصور الفوتوغرافية للفنان عثمان الساخي مجرد عناصر توضيحية أو جمالية، بل تشارك القصائد في بناء المعنى، وهو ما يؤكده حضور اسم المصور إلى جانب اسم الشاعر. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة «بين نبضتين» بوصفه تأملا في هشاشة الحياة وتعاقب لحظاتها، وفي المسافة الزمنية التي تفصل بين نبضة وأخرى، حيث تتداخل تجربة الذات مع مراقبة العالم من حولها، وتفتح العلاقة بين الكلمة والصورة مجالا أوسع للتأويل.

يأتي المقطع الشعري الأول عن الحنين، يقول: «يسكنني حنين الناي/ والناي يسكنه حداء رحلتي/ على وقع الرباب/ فكيف بمن تصير ذاته بين الذوات/ في حالة الغياب»، إذن الحالة الشعورية بالتعبير الرومانسي المسيطرة على القصائد هنا، هي حالة الحنين، ويكشف الشاعر بوضوح عن غربته واغترابه، ثم يطرح مفهوماً فلسفياً، عن غياب الذات بين الذوات، رغم وجوده وعلاماته الواضحة على الوجود، إلا أنه يشعر بالغياب والفقد بين الآخرين، نشعر هنا بأننا أمام حالة رومانسية – فلسفية، لا تتأمل الذات فحسب، بل الذوات البشرية بعامة، ويمكننا القول إن الشعور بالذوات الأخرى أعلى من الشعور بالذات نفسها، لنصبح أمام معضلة فلسفية، ومن ثم ننظر للصورة المرافقة للنص، ونتأملها، هل تملأ الفراغات المعنوية

الموجودة في النص؟

الصورة المصاحبة التي خَصَّص لها صفحتين كاملتين منبسطة عليهما، مليئة بتشكيل مكاني بسيط من مبنى ضريح تحيط به مجموعة من البشر، يبدو أن كلاً منهم قد انشغل في حاله، عدا طفل صغير يظهر في الصورة ذات الظلال الرمادية بزي أبيض؛ ليصبح هو الوجه الوحيد الظاهر، وجه بقلب وعقل طفل يواجه الكاميرا، في لحظة يتجه فيها الكبار جميعاً إلى شيء آخر، منهم الكثيرون ممن يخفون وجوههم، هل يرى الشاعر نفسه في هذا الطفل؟ أم هل يقدم المصور رؤية الشاعر في هذه الصورة؟ الصورة مكانية بامتياز، لكن إذا كان الشعر بإمكانه التعبير عن دواخل النفوس واللامرئي، فإن المصور لا يمكنه التعبير إلا عن المرئي، هنا نواجه حالةً من التأمل حول المعنى المقصود تنشأ مع اقتران الصورة مع النص، وكما يرى حميد لحمداني فإن الفراغات هي التي تولد المعاني الضمنية، حيث يضطر القارئ إلى بذل جهد تأويلي أكبر من خلال خبراته وتوقعاته، ومن ثم سيحاول القارئ أن يفهم الصورة في ضوء النص، ويعيد فهم النص في ضوء الصورة، ومن ثم فإن حالة الوجدانية والتكثيف هنا تصل لأعلى درجات التلقي الواعي.

ننتقل من المقطع (واحد) إلى (اثنين) وهكذا في ترقيم يمتد إلى نهاية المقاطع مع الرقم عشرة، ليس هناك – كما أشرت- عنونة داخلية، فقط أرقام متتالية، وتوزيعة متتالية من الصور، يبرز فيها المكان ربما أكثر من البشر، وليس أي مكان، بل مكان يغالب الجدب، مكان يحاول أن يكون قابلاً للحياة البشرية، أحياناً تأتي صور للأطلال، ما يؤكد رؤيتنا بأن الشاعرية هنا رومانسية وجدانية فلسفية، لكن يتولد هنا سؤال جوهري: كيف تؤثر الصور على إلقاء القصيدة؟ لقد اعتدنا أن يتم استخدام التشكيل البصري للقصيدة في محاولة كمعادل موضوعي للإلقاء، فيصبح تشكل القصيدة، وأماكن التوقف، والانتقالات بين الأسطر هي تقريب للطريقة التي يرغب الشاعر في أن تلقى بها القصيدة،ـ دون أن يعني ذلك أنه لا يمكن إلقاؤها بطرقٍ مُختلفةٍ أخرى، لكن التشكل البصري للنص كان هو وسيلة الشاعر للتعويض عن الغياب الصوتي، هنا الوضع مختلف تماماً، إنه ليس تشكلاً بصرياً، بل إنه صور فوتوغرافية كاملة، ترى كيف تؤثر على إلقاء القصيدة؟
هل نفترض أن هذه القصائد عندما تُلقى يجب أن تكون هناك أداة عرض مصاحبة لإلقائها، وفي خلفية إلقاء القصيدة تُعرض الصورة المخصصة لها؟ أم ترى أنها لم تُؤلَّف ليتم إلقاؤها؟ فقط الاكتفاء بحالة التأويل الذاتي الخاصة بكل متلقٍ؟ هنا يُفتَح باب الأسئلة على مصراعيهِ أمام ما يتعلق بإمكانية الإنتاج من قبل القارئ، هذا الديون يدعم الرؤية الحداثية بامتياز، تلك التي تقوم على منافاة القراءة الاستهلاكية العادية للنص، لصالح القراءة المنتجة التي تقوم على توليد المعنى، تلك التي تعيد بناء البنيات الدلالية، وتجعل من القارئ شريكاً له في مسؤولياته الخاصة تجاه توليد المعنى في النص.

في المقطع الخامس، يقول الشاعر محمد الحدوشي: «هو البحر/ ناسك أنا وفي محرابه/ أهل المعنى/ قد غرقوا في بطن الحوت». وعلى خلاف ما قد يتوقعه القارئ، لا تُظهر الصورة المرافقة مشهدا بحريا، بل مجموعة من التكوينات الجيرية تحيط بشجرة تبدو آخذة في الذبول. وتكشف هذه المفارقة أن الصورة لا تسعى بالضرورة إلى تمثيل مضمون القصيدة، بل تقدم رؤية موازية توسع احتمالات التأويل، وتدفع القارئ إلى البحث عن الصلات الممكنة بين النص والمشهد المصوَّر.
أما في المقطع السادس، فيقول الشاعر: «اسقني من عذوبة العذاب/ بين الصحارى والسراب/ كأسا معتقا/ يروي عطاش أنجم/ عشر من الكواكب/ وواحد فريد». وتبدو الصورة المصاحبة أقرب إلى الأجواء التي يستحضرها النص؛ إذ تُظهر شخصا من الخلف، يرتدي السواد ويطأطئ رأسه، في طريق تمتد أمامه وتظهر فيها شخصيات أخرى لا تواجه الكاميرا. ويتكرر هذا الاختيار في عدد من صور الديوان، حيث تُلتقط الشخصيات بعيدا عن المواجهة المباشرة مع العدسة، بما يمنح المشاهد طابعا عفويا ويعزز الإحساس بالعزلة والاغتراب. وهنا تتجاوز الصورة وظيفتها التوثيقية لتصبح عنصرا دلاليا يتفاعل مع ما تحمله القصيدة من مشاعر الحزن والتيه والبحث عن المعنى.
ويأتي المقطع العاشر والأخير مقتضبا ومفتوحا على التأويل، إذ يقول الشاعر: «يفنى في وجده/ من ذاق شربه». وتحمل هذه العبارة إيحاءات صوفية، ولا سيما من خلال مفردتي الفناء والوجد، بما تحيلان إليه من تجربة روحية تتجاوز المعنى المباشر. وترافق المقطع صورة لأشخاص يجلسون حول بناء قديم يبدو أشبه بمقام أحد الأولياء. وعلى خلاف معظم الصور السابقة، يتجه الأشخاص هنا بوجوههم نحو الكاميرا، وإن ظلت ملامحهم غير واضحة.
واللافت أن انتهاء المقاطع الشعرية لا يعني انتهاء الديوان، إذ تستمر الصور بعد النص الأخير، ومن بينها صورة لثلاث نساء، تقف اثنتان منهن بينما تجلس الثالثة، في مشهد يوحي بحوار يجمعهن. ويمنح هذا الامتداد البصري العمل خاتمة مفتوحة، تتيح للصورة مواصلة ما بدأته القصيدة من إثارة الأسئلة وتوليد المعاني.
وبذلك، لا تقوم العلاقة بين الشعر والتصوير في «بين نبضتين» على التطابق أو التفسير المتبادل بالضرورة، بل على التفاعل بين وسيلتين مختلفتين للتعبير. فالقصائد تستحضر التجربة الداخلية بما تحمله من حنين واغتراب وتأملات روحية، بينما تقدم الصور مشاهد محسوسة قد تتقاطع مع النصوص أو تبتعد عنها. ومن هذه المسافة بين الكلمة والصورة تتشكل خصوصية التجربة، ويجد القارئ مجالا أوسع لبناء قراءته الخاصة للعمل.

شاعر وناقد مصري

أخبار متعلقة :