عنب بلدي – محمد جفال
في سهل الخابور شمال شرقي سوريا، يحتفظ تل براك في ريف الحسكة بأحد أبرز المواقع الأثرية بالجزيرة السورية، إذ كشفت التنقيبات المتعاقبة فيه عن آثار تعود إلى آلاف السنين، وقدمت أدلة مهمة على نشوء المدن وتطور الحياة الحضرية في شمال بلاد الرافدين.
ويرتبط التل بمدينة ناجار القديمة، التي كانت عاصمة مملكة إقليمية خلال الألف الثالث قبل الميلاد، وبرزت كواحدة من المراكز السياسية والاقتصادية المهمة في منطقة الخابور.
وشهد الموقع خلال تاريخه الطويل مراحل متعاقبة من الاستيطان والنفوذ السياسي، بينها العصر الأكدي والميتاني والآشوري، ما جعله سجلًا أثريًا متعدد الطبقات يعكس التحولات التي شهدتها المنطقة على مدى آلاف السنين.
مدينة قديمة على طرق التجارة
تشير نتائج التنقيبات الأثرية إلى أن الاستيطان في تل براك يعود إلى عصور موغلة في القدم، وأن الموقع شهد تطورًا عمرانيًا ملحوظًا خلال الألف الرابع قبل الميلاد، قبل أن يتحول إلى مركز حضري وسياسي مهم في الألف الثالث.
وساعد الموقع الجغرافي للمدينة على تعزيز مكانتها، إذ تقع في منطقة الخابور التي شكلت نقطة اتصال بين شمال بلاد الرافدين وبلاد الشام والأناضول، ما أتاح لها المشاركة في حركة التجارة وتبادل السلع والأفكار بين مناطق مختلفة.
وكشفت البعثات الأثرية عن مبانٍ ومنشآت ولقى تعكس تنوع الحياة في المدينة، من النشاط الإداري والاقتصادي إلى الممارسات الدينية.
ومن أشهر مكتشفات الموقع “معبد العيون”، الذي يعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وعُثر فيه على مئات التماثيل الصغيرة ذات العيون الكبيرة، وهي من أبرز القطع المرتبطة بتاريخ تل براك الأثري.
كما كشفت التنقيبات عن مبنى عُرف باسم “قصر نرام-سين”، نسبة إلى الملك الأكدي، قبل أن تشير الدراسات اللاحقة إلى أن المبنى كان على الأرجح منشأة إدارية وتخزينية محصنة، وليس قصرًا ملكيًا بالمعنى التقليدي.
وقال المختص في الآثار محمد إبراهيم، في حديث إلى عنب بلدي، إن أهمية تل براك “لا ترتبط بفترة تاريخية واحدة، وإنما بالاستمرارية الطويلة للاستيطان فيه، وما تكشفه طبقاته من تطور الحياة الحضرية والاقتصادية والدينية في منطقة الجزيرة السورية”.
وأضاف إبراهيم أن ارتباط الموقع بمدينة ناجار “يجعله مهمًا لفهم تاريخ الممالك التي ظهرت في منطقة الخابور قبل تشكل الإمبراطوريات الكبرى”، إلى جانب أهمية المراحل اللاحقة التي شهدت وجودًا أكديًا وميتانيًا وآشوريًا في المنطقة.
وأشار إلى أن الموقع يمثل “جزءًا مهمًا من تاريخ الجزيرة السورية، ليس فقط بسبب الأبنية واللقى المكتشفة فيه، وإنما بسبب المعلومات التي يمكن أن تقدمها طبقاته الأثرية عن نشوء المدن وعلاقاتها بالمراكز الأخرى في بلاد الرافدين”.
عقود من التنقيب
بدأ الاهتمام الأثري الحديث بتل براك في النصف الأول من القرن الـ20، قبل أن يبدأ عالم الآثار البريطاني ماكس مالوان أعمال التنقيب في الموقع عامي 1937 و1938.
واستؤنف العمل الأثري على نطاق واسع عام 1976، واستمرت البعثات في دراسة الموقع لعقود، مع تنفيذ مواسم تنقيب ومسوح أثرية ركزت على مراحل مختلفة من تاريخ المدينة.
وكانت السنوات الأخيرة من العمل الميداني قبل الحرب مخصصة لدراسة بدايات التحضر والتعقيد الاجتماعي في الموقع، إلى جانب تتبع التحولات التي طرأت على المدينة خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.
واستمرت إحدى أبرز مراحل التنقيب بين عامي 2006 و2011، بإشراف بعثة مرتبطة بجامعة “كامبريدج”، قبل أن تتوقف الأعمال الميدانية نتيجة اندلاع الحرب في سوريا.
وبحسب مشروع تل براك الأثري، واصلت الفرق العلمية بعد توقف العمل الميداني دراسة النتائج التي جُمعت خلال المواسم السابقة ونشر الأبحاث المتعلقة بالموقع.
الحرب أوقفت البعثات والزوار
لم تتوقف تأثيرات الحرب على أعمال التنقيب فقط، إذ تراجعت أيضًا حركة الزوار والسياح الذين كانوا يقصدون الموقع للتعرف إلى تاريخه وآثاره.
وقال أحمد العلي من أبناء ناحية تل براك، لعنب بلدي، إن البعثات الأثرية كانت “جزءًا معروفًا من المشهد في المنطقة”، إذ كان الباحثون يأتون إلى الموقع خلال مواسم التنقيب، إلى جانب أشخاص مهتمين بالآثار والتاريخ.
وأضاف أن وجود هذه البعثات “كان يلفت اهتمام سكان المنطقة، وكان هناك زوار يأتون إلى التل، لكن هذا النشاط توقف مع بداية الحرب وتغير الظروف الأمنية”.
بدوره، قال عبد الله زيدان، من أبناء ناحية تل براك، إن التل كان يستقبل “عددًا من الزوار المهتمين بالموقع، إضافة إلى فرق التنقيب التي كانت تعمل فيه”.
وأضاف عبد الله، لعنب بلدي، أن الحرب “أوقفت هذا النشاط بشكل شبه كامل، وأصبح الموقع بعيدًا عن حركة الزوار والبعثات التي كانت تقصده في السنوات السابقة”.
ويعكس توقف التنقيب والسياحة في تل براك حالة أوسع شهدتها المواقع الأثرية السورية خلال سنوات الحرب، مع توقف عدد من البعثات الأجنبية وتراجع السياحة، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بحماية المواقع والحفاظ عليها.
موقع ينتظر استكمال البحث
يرى المختص في الآثار محمد إبراهيم أن قيمة تل براك لا تتوقف عند ما اكتُشف حتى الآن، مشيرًا إلى أن أجزاء واسعة من الموقع ما تزال بحاجة إلى الدراسة والتنقيب.
وقال إن استئناف العمل الأثري مستقبلًا “يمكن أن يضيف معلومات جديدة عن تاريخ الخابور والجزيرة السورية، خصوصًا أن الموقع شهد مراحل متعاقبة من التطور الحضري والسياسي”.
وأضاف أن حماية الموقع “تحتاج إلى استمرار المتابعة الأثرية والعلمية، إلى جانب تأمينه ومنع أي عمليات تنقيب غير قانونية أو اعتداء على طبقاته”.
ويحتفظ تل براك اليوم بطبقات توثق تاريخًا طويلًا بدأ مع التجمعات والاستيطان المبكر، ثم تطور إلى مدينة ناجار، وصولًا إلى مراحل النفوذ الأكدي والميتاني والآشوري.
وبينما توقفت البعثات الأثرية عن العمل الميداني منذ عام 2011، يبقى التل شاهدًا على تاريخ المنطقة، وموقعًا تنتظر طبقاته الأثرية مزيدًا من البحث للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ واحدة من أقدم المدن في الجزيرة السورية.
أخبار متعلقة :