بوابة مصر الجديدة

نمو سياحي بـ438% في سوريا.. هل القطاع جاهز لاستقبال مزيد من الزوار؟

بين أعداد زوار ترتفع ومواقع سياحية لا تزال تفتقر إلى أبسط الخدمات، يحاول القطاع السياحي السوري استعادة نشاطه بعد سنوات من التراجع.

وبينما تتحدث وزارة السياحة عن نمو بلغ 438%، تراهن على السياحة الخليجية بوصفها أحد مفاتيح التعافي، لكن قيود السفر ومخاوف الأمان تقفان في طريق هذا الرهان.

خمسة ملايين زائر

قال مدير التخطيط والإحصاء في وزارة السياحة، خالد فليون، لعنب بلدي، إن السياحة في سوريا سجلت نموًا بنسبة 438%، وصفها بأنها الأعلى التي تسجلها الوزارة منذ تأسيسها.

وبحسب تصريحات فليون، على هامش “ملتقى سوريا للسفر“، تشير الإحصائيات الأولية إلى أن عدد القادمين إلى سوريا حتى نهاية آب الماضي بلغ نحو خمسة ملايين زائر وزائرة.

وأوضح أن الزوار السوريين شكلوا النسبة الأكبر من القادمين، إذ تجاوز عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون، إلى جانب القادمين العرب والأجانب.

وتصدرت تركيا قائمة الدول التي قدم منها الزوار إلى سوريا، وفق فليون، إلى جانب ملاحظة ارتفاع أعداد القادمين من ألمانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية، لافتًا إلى أن غالبية هؤلاء يحملون الجنسية السورية.

كما لوحظ خلال الفترة الأخيرة نمو في أعداد الزوار من بعض الدول العربية، ومنها الأردن، لكن غالبية القادمين من دول الجوار يزورون سوريا ليوم واحد فقط.

ويقسم القادمون إلى سوريا إلى فئات عدة، بحسب فليون، فمنهم زوار اليوم الواحد، ومنهم من يقيمون عدة أيام، وفق الهدف من الزيارة، سواء أكان العلاج أم السياحة الثقافية أم التسوق أم حضور المؤتمرات.

30 مليون زائر خلال خمس سنوات

تتوقع وزارة السياحة أن يصل عدد القادمين إلى سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة إلى 30 مليون زائر، بينهم ما بين 12 و15 مليون سوري، بحسب فليون.

إلا أن الوصول إلى هذا الرقم يطرح تساؤلات حول قدرة القطاع السياحي السوري على استيعاب هذا العدد من الزوار، في ظل تضرر عدد من المنشآت، وضعف البنى التحتية والخدمات في المواقع السياحية، وحاجة الكوادر العاملة إلى التدريب والتأهيل.

وفي إطار تنويع أغراض الزيارة، تحدث فليون عن مقترح للتعاون مع وزارة الصحة لإطلاق برنامج تحت مسمى “مشروع السياحة العلاجية”، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم مع تركيا لتبادل الخبرات في هذا المجال.

دون المستوى المأمول

وفيما يتعلق بالقادمين من دول الخليج العربي، أوضح فليون أن نموًا في أعدادهم بدأ يُلحظ بعد تموز 2025، إلا أن العدد ما يزال محدودًا مقارنة بما يفترض أن يكون عليه.

وأعرب عن أمله في أن تقدم الحكومات الخليجية تسهيلات أوسع لمواطنيها الراغبين في زيارة سوريا، حيث يقتصر القادمين من الخليج على المستثمرين في معظم الأحيان.

وقال فليون إن تخفيف هذه القيود من شأنه أن يرفع أعداد السياح بصورة كبيرة، مستشهدًا بعام 2010، حين تجاوز عدد السياح السعوديين القادمين إلى سوريا نصف مليون سائح.

مرتبط بتصريح

لا تزال سوريا ضمن قائمة الدول التي تصنفها المديرية العامة للجوازات السعودية بوصف السفر إليها “معلقًا”، وهي قائمة تستند في أساسها النظامي إلى نظام وثائق السفر ولائحته التنفيذية، اللذين يمنحان وزير الداخلية صلاحية تحديد الوجهات التي يتطلب السفر إليها الحصول على تصريح مسبق، حماية للمواطنين في البيئات غير المستقرة.

ويعني ذلك عمليًا أن سفر المواطنين السعوديين إلى سوريا دون تصريح رسمي يُعد مخالفة نظامية، قد تعرّض صاحبها لإجراءات إدارية تشمل غرامة مالية، أو تقييد السفر مستقبلًا، أو تعقيد طلبات الحصول على تصاريح لاحقة.

لكن تحولًا طرأ على هذا الملف في تشرين الثاني 2025، حين أعلنت المديرية العامة للجوازات السعودية إتاحة استخراج تصريح سفر مخصص لسوريا، ما نقل المسألة من منع شبه مطلق إلى مسار إجرائي يمكن للمواطن اتباعه.

أما بقية دول الخليج، مثل الإمارات والكويت وقطر وسلطنة عُمان والبحرين، فلا تفرض حظرًا رسميًا يمنع مواطنيها قانونيًا من زيارة سوريا، إذ يزور مواطنون من الكويت وعُمان، وغيرهما، دمشق لأغراض سياحية أو تجارية.

ومع ذلك، تصدر بعض هذه الدول، من حين إلى آخر، تحذيرات أمنية عامة تنصح رعاياها بتجنب السفر إلى المناطق التي تشهد اضطرابات، حرصًا على سلامتهم.

ليس سهلًا

قال فليون إن وزارة السياحة السورية تتواصل بصورة مستمرة مع وزارات السياحة الخليجية بهدف عقد اتفاقيات مشتركة، لا سيما بعد إحداث شرطة سياحية تتولى مرافقة السياح وتأمين الحماية لهم.

في المقابل، أقر بأن إقناع السياح العرب أو الغربيين بأن سوريا أصبحت وجهة آمنة ليس أمرًا سهلًا، لكنه توقع أن تحتل السياحة الخليجية خلال صيف 2027 المرتبة الأولى بين السياحة الوافدة من بقية الدول العربية.

منشآت متضررة

ويفتح نمو أعداد القادمين، سواء من الخليج أو من دول أخرى، الباب أمام التساؤل حول قدرة القطاع السياحي السوري على استيعاب هذا النمو، في ظل ثلاثة تحديات رئيسة تقول وزارة السياحة إنها تعوق عمله.

يتمثل التحدي الأول، وفق فليون، في الدمار الذي لحق بعدد من المنشآت السياحية في محافظات دير الزور وحلب وريف دمشق.

وأوضح أن وزارة السياحة رصدت المنشآت المتضررة بالتعاون مع هيئة التخطيط والإحصاء، مشيرًا إلى أن أضرارها تتفاوت بين الخفيفة والمتوسطة والكبيرة.

وأعيد تأهيل عدد من المنشآت التي تعرضت لأضرار خفيفة وبدأت بالعودة إلى الخدمة، بينما ما تزال المنشآت التي لحقت بها أضرار أكبر بحاجة إلى إعادة التأهيل والإعمار.

وتعمل وزارة السياحة، بالتعاون مع وزارة الخارجية وهيئة التخطيط والإحصاء، على الاستعانة بالجهات الخارجية المانحة للمساعدة في إعادة تأهيل هذه المنشآت وإعمارها.

تفتقر إلى الخدمات

يتمثل التحدي الثاني في ضعف البنى التحتية، إذ توجد مسارات سياحية وتراثية وطبيعية غير مؤهلة، ولا تتوفر فيها الخدمات الأساسية اللازمة لاستقبال الزوار.

وضرب فليون مثالًا بقلعة صلاح الدين في محافظة اللاذقية، التي تفتقر، وفق قوله، إلى الخدمات والمرافق الضرورية، موضحًا أن محيط المواقع السياحية يحتاج إلى مرافق صحية ومنتزهات وخدمات قادرة على تلبية احتياجات الزوار.

وتعمل وزارة السياحة على زيادة موازنتها الاستثمارية المخصصة لتحسين المسارات السياحية وإعادة تأهيل بنيتها التحتية.

ويرى فليون أن معالجة هذا التحدي تتطلب إما إشراك القطاع الخاص في الاستثمار بهذه المواقع، وإما الحصول على منح خارجية من منظمات دولية معنية بالتراث والسياحة.

فجوة تدريبية تمتد 15 عامًا

أما التحدي الثالث، فيتمثل في انقطاع الكوادر العاملة في المنشآت السياحية عن مستجدات التدريب العالمية خلال السنوات الـ15 الماضية، ما أدى إلى ابتعادها عن أساليب العمل الحديثة في القطاع.

ولمعالجة هذه الفجوة، أقرت وزارة السياحة مناهج جديدة في هيئة التدريب الفندقي والسياحي، مستمدة من مناهج أوروبية، ولا سيما المناهج الإسبانية، وفق فليون.

وتسعى الوزارة من خلال هذه المناهج إلى إعادة تأهيل الكوادر العاملة وربطها بالتطورات العالمية في مجال الخدمات الفندقية والسياحية.

تعاون مع تركيا

وفي الوقت الذي تقول فيه وزارة السياحة إنها تقدم تسهيلات للقادمين من مختلف الدول، لا تزال هناك صعوبات تحد من قدرة السوريين على زيارة بعض البلدان، ومنها تركيا.

وبحسب فليون، تسعى الوزارة، في إطار التعاون الدولي، إلى توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الثقافة والسياحة التركية، يتضمن أحد بنودها إلغاء تأشيرة الدخول بين الجانبين.

وأوضح أن مسودة المذكرة أُرسلت إلى وزارة الخارجية التركية، وأن الجانب السوري ينتظر الموافقة عليها.

وبينما تعكس أعداد القادمين تحسنًا في النشاط السياحي، يبقى استمرار هذا النمو وتحوله إلى عائد اقتصادي مرتبطًا بقدرة القطاع على إعادة تأهيل منشآته، وتحسين الخدمات في المواقع السياحية، وتدريب كوادره، إلى جانب تخفيف قيود السفر وتغيير الصورة الأمنية المرتبطة بسوريا.

أخبار متعلقة :