بوابة مصر الجديدة

“فلاي دبي” ترسم خريطة العلاقات: بن سلمان يحتضن “الاضطرارية” ويمنع “العسكرية”… ماذا لو هبطت في العراق؟

الحادث المخيف الذي واجهت فيه طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” والتي كانت تقل مسافرين إسرائيليين، خطر التحطم، وعبرت المجال الجوي للإمارات والأردن وهبطت بسلام في السعودية، رسم في دقائق خريطة التعاون التي بنيت في السماء قبل تشكيل منظومة سياسية موازية. إن فهم أسباب الحادث، وترتيبات الأمن والتفتيش لشركة الطيران الإماراتية، ومسألة إذا كان هذا هجوماً إرهابياً بالفعل، أمر بالغ الأهمية. ولكن من منظور إقليمي، يمكن استخلاص استنتاج أوسع من الحادث حتى قبل استكمال التحقيق.

ليس ضرورياً حتى إسقاط طائرة لخلق الانطباع بوقوع هجوم إرهابي، يكفي وقوع حادث عنيف على متن طائرة، أو حتى مجرد الاشتباه بوقوعه، لتحويل مشكلة محلية إلى أزمة عابرة للحدود، تشرك عدة دول في سلسلة صنع قرار واحدة. هذه المرة انتهت الأزمة بهبوط آمن في السعودية. لو اضطرت الطائرة إلى الهبوط في العراق مثلاً، أو لو تطلب الأمر مساعدة عسكرية في المجال الجوي لدولة لا تربطها علاقات مع إسرائيل، لاتضح فوراً مدى اعتماد التعاون الإقليمي، ليس فقط على الإجراءات، بل أيضاً على العلاقات السياسية بين الدول.

لم ينشأ هذا النظام بالكامل من اتفاقيات إبراهيم. فقد ربطت هذه الاتفاقيات رسمياً إسرائيل بالإمارات والبحرين، وبعد ذلك بالمغرب أيضاً، ورسخت أطراً جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية. ولكن إضافة إلى ذلك، تم إنشاء شبكة أوسع لا تتداخل مع خريطة التطبيع. ففي تموز 2022 فتحت السعودية مجالها الجوي أمام كل شركات الطيران التي تلبي الشروط، ما سمح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق فوق أراضيها. وفي العام 2023 اتخذت سلطنة عمان خطوة مشابهة. وقد دشنت شركة “ال عال” على الفور الممر الجوي السعودي – العُماني برحلة إلى تايلاند، ما قلص مسار الرحلات الجوية نحو الشرق. لم توقع سلطنة عمان، مثل السعودية، على اتفاقيات إبراهيم، ولم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

لقد غيرت الحرب استخدام هذا المسار. فقد توقفت شركة “ال عال” عن استخدام المجال الجوي لسلطنة عمان لأسباب أمنية، ولكنها استمرت في استخدام المجال الجوي السعودي في رحلاتها إلى الإمارات، إلى أن توقفت هذه الرحلات لأسباب أمنية أيضاً. وهكذا، حتى في ظل تجميد العلاقات الدبلوماسية أو قطعها، يستمر نظام الطيران في خلق روابط عملية بين الدول. هنا تبرز خريطة العلاقات المعقدة التي تعمل إسرائيل من خلالها. لم يعد هناك تقسيم ثنائي بين الدول الصديقة والمعادية. فهناك خريطة سياسية تشمل الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية أو اتفاقات سلام مع إسرائيل؛ وخريطة أمنية تشمل أيضاً روابط وتعاون لا يعلن عنه؛ وخريطة طيران قد تجد فيها حتى دولة لا تربطها دبلوماسية مع إسرائيل نفسها تشترك معها في نفس نظام مسارات الطيران والمطارات ومراقبة الحركة الجوية واجراءات الطوارئ.

أما الخريطة الثالثة فهي ربما الأكثر إثارة للاهتمام لأنها لا تتيح دائما لأي دولة أن تختار ما إذا كان يمكن لإسرائيل استخدام مجالها الجوي أم لا. فقد تدخل طائرة إسرائيلية أو طائرة تقل إسرائيليين مجالها الجوي، وقد تحتاج إلى الهبوط اضطرارياً، أو قد يتطلب تهديد متطور في مجالها الجوي التنسيق مع السلطات الإسرائيلية. في مثل هذه الحالة، لا تختفي العلاقات السياسية، لكنها لم تعد العامل الوحيد في عملية صنع القرار.

وقد جسد الهبوط في تبوك هذا الأمر خير تجسيد. لم يكن مطلوباً من السعودية أن تقرر إذا كانت “مؤيدة لإسرائيل” أو إذا كان يجب إعطاء وزن لسياسة إسرائيل في الأراضي المحتلة أو في المنطقة. كان عليها التعامل مع طائرة في حالة طوارئ وعلى متنها ركاب إسرائيليين، وسمحت لهم بالهبوط على أراضيها. ولكن عندما طلبت إسرائيل إرسال طائرة عسكرية لإعادة ركابها رفضت السعودية هذا الطلب وأعيد الركاب على متن رحلة تابعة لشركة “فلاي دبي”.

الفجوة بين الموافقة على التعامل مع حالة طارئة والموافقة على تحرك إسرائيلي على الأراضي السعودية، هي بالتحديد الحد الفاصل بين نظام الطيران والنظام السياسي

يتعين على إسرائيل مراعاة هذا الحد. فما دام الأمر يتعلق بمرور طائرة في الجو يمكن اعتباره ترتيباً تقنياً يكاد يخلو من أي دلالة سياسية، ولكن في لحظة الخطر يتحول الترتيب التقني إلى قرار سياسي، هل يتم نقل المعلومات، أو السماح بالهبوط، أو استدعاء عناصر أمنية إسرائيلية، أو السماح لطائرة إسرائيلية بالهبوط، وأين هو الخط الفاصل بين مساعدة الركاب والتعاون مع إسرائيل؟ أظهر إنزال الركاب في تبوك وجود هذا الخط الفاصل وإمكانية تجاوزه في اتجاه دون تجاوزه في الاتجاه الآخر.

لذلك، لا يمكن قياس التعاون الأمني الإقليمي بعدد اتفاقات التطبيع أو نطاق اللقاءات بين القادة فقط. يختبر النظام الاقليمي الفعال بالتحديد عندما تحتاج الدولة إلى مساعدة من لا ترغب في أن ينظر إليها على أنها تساعدهم. عندها يتضح إذا كان الفصل بين العداء السياسي والمصالح الأمنية العملية فعال بالفعل أو أنه ينهار بمجرد ارتفاع الثمن السياسي للتعاون. من ناحية إسرائيل، يجعل هذا الحدث سلوكها الدبلوماسي مع دول المنطقة جزءاً من أمنها المستمر، وليس فقط مسألة سياسة خارجية.

تحتاج إسرائيل إلى شبكة إقليمية للمعلومات والإنذارات والتنسيق لمواجهة التهديدات التي لا تعترف بالحدود السياسية. ولكن هذه الشبكة تعتمد أيضاً على هامش المناورة السياسية للدول التي يفترض أن تديرها. إن تعميق الصراع مع دولة قد تحتاج إسرائيل إلى التنسيق معها في حالة الطوارئ، وخلق أزمة، يقلل من قدرة حكومتها على الظهور بمظهر المتعاون مع إسرائيل؛ إن جعل تقديم المساعدة العامة لإسرائيل أمراً صعباً لا يقتصر على الساحة التي تحدث فيها، بل قد يؤثر أيضاً على اللحظة التي تحتاج فيها إسرائيل إلى هذه الدولة في مكان لا يسمح بإعادة تنظيم العلاقات.

إن الدرس من حادثة الطائرة التي هبطت في تبوك ليس مجرد قصة تتعلق بأمن الطيران، بل تكشف التناقض الكامن في الشرق الأوسط، حيث تندمج إسرائيل بالفعل في الأنظمة الإقليمية أكثر بكثير مما تشير إليه الخريطة السياسية الرسمية. ولكن مدى استعداد الدول في داخل هذه المنظومة لمساعدتها غير موحد وغير محدد. فطائرة واحدة قادرة على إشعال أزمة تتجاوز أربعة حدود. والسؤال ليس فقط أي الحدود تعرف إسرائيل كيف تعبرها في وقت السلام، بل أي الجسور ستبقى مفتوحة أمامها في أوقات الطوارئ.

تسفي برئيل

هآرتس 1/10/2026

أخبار متعلقة :