لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور قال فيه إن إسرائيل لا تملك حق إغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، وقد نصح المدعي العام السابق دومينيك غريف وزارة الخارجية بهذا الشأن.
وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ستغلق القنصلية بحلول 8 تشرين الأول/أكتوبر، وذلك ردا على الحظر الواسع الذي أعلنه هذا الشهر وزير الخارجية إد ميليباند على البضائع القادمة من المستوطنات في الضفة الغربية.
وأعلنت إسرائيل يوم الأحد أنها سحبت اعتمادات دبلوماسيين هولنديين في رام الله، وذلك ردا على حظر هولندا لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية.
وقال غريف، الذي كان عضوا في البرلمان عن حزب المحافظين بين عامي 1997 و2019، وشغل منصب المدعي العام من عام 2010 إلى 2014، إن إسرائيل لا تملك الحق في إغلاق القنصلية لأنها تقع في القدس الشرقية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة ومعظم أعضائها، بما في ذلك بريطانيا، كأرض فلسطينية محتلة.
إسرائيل لا تملك الحق في إغلاق القنصلية لأنها تقع في القدس الشرقية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة ومعظم أعضائها، بما في ذلك بريطانيا، كأرض فلسطينية محتلة
وعندما سأله السفير البريطاني السابق اللورد هاناي في مجلس اللوردات عن شرعية الإجراء الإسرائيلي، قال وزير الخارجية اللورد وود إن زميله قد يكون محقا، وإنه أعلم منه بالموضوع، لكنه يخشى أن تعطل إسرائيل عمل القنصلية فعليا.
وقال غريف إن على بريطانيا الطعن في القرار أمام المحاكم، بحجة أن إسرائيل تمارس حقا لا تملكه كقوة احتلال، وهو حق فرض سيطرتها السيادية على القدس الشرقية.
ويعود تاريخ البعثة البريطانية في القدس إلى عام 1838، أي قبل قيام دولة إسرائيل بأكثر من مئة عام، وهي منفصلة عن السفارة البريطانية في تل أبيب.
ويرفع القنصل العام تقاريره مباشرة إلى وزارة الخارجية، وله طاقمه الخاص ودور دبلوماسي متميز، يشمل القدس وبقية الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويؤكد غريف، في ورقة استشارية أرسلها “مشروع فلسطين” البريطاني إلى وزارة الخارجية، أن “الإبقاء على قنصلية عامة في القدس الشرقية بعد الاعتراف بدولة فلسطين يحافظ على موقف المملكة المتحدة القائل بأن الوضع النهائي للقدس لا يزال قيد التحديد. ولا يعد ذلك تنازلا عن السيادة الإسرائيلية”.
وأضاف غريف أن على الحكومة البريطانية واجب معارضة هذه الخطوة. وأشار إلى أن الحكومة البريطانية قد قبلت رسميا الرأي الاستشاري الصادر في تموز/يوليو 2024 عن محكمة العدل الدولية، والذي يقضي بضرورة اعتراف الحكومة البريطانية بعدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبصرف النظر عن الموقف القانوني، قال غريف إن إغلاق القنصلية إجراء مصمم ليلقي بظلاله على الفلسطينيين، وليس على بريطانيا وحدها، لأنه سيعيق المساعدات والرقابة والإبلاغ من الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال: “إن أسلوب إسرائيل في المدينة يتمثل في فرض وقائع على الأرض من خلال بناء المستوطنات غير القانونية والاستيلاء على الممتلكات، والضغط على الدول للاعتراف بهذه الوقائع دبلوماسيا، يجب الطعن في هذا الإغلاق باعتباره محاولة أخرى لممارسة صلاحيات تتجاوز تلك الممنوحة للمحتل”.
بإغلاق القنصلية، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس بأكملها، وهو ما نفاه مجلس الأمن الدولي صراحة.
وتضيف الصحيفة أن قرار سحب اعتماد الدبلوماسيين الهولنديين الذي أعلنه ساعر يوم الأحد، يمنعهم فعليا من دخول القدس الشرقية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ومن المرجح أن يجبر مكتبهم التمثيلي في رام الله على الإغلاق.
وقد دخل حظر هولندا على الواردات من فلسطين المحتلة حيز التنفيذ في 22 أيلول/سبتمبر.
وأوضحت سلطات الجمارك الهولندية أن هذا الحظر ينطبق على الشركات والمسافرين الأفراد، ويشمل السلع المشتراة قبل أو بعد دخول القانون حيز التنفيذ، بما في ذلك الهدايا والتذكارات والأغراض الشخصية.
ويعني الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أن الدبلوماسيين بحاجة إلى اعتماد إسرائيلي للعمل في فلسطين. وزعم ساعر أن الدبلوماسيين الهولنديين من بعثة رام الله يمكنهم مواصلة تمثيل مصالح بلادهم “من أراضي السلطة الفلسطينية، وليس من أراضي دولة إسرائيل”. ولم ترد وزارة الخارجية الإسرائيلية على الفور على استفسارات حول كيفية تطبيق ذلك عمليا. وعندما اتخذت إسرائيل الإجراءات نفسها ضد الدبلوماسيين النرويجيين عام 2024، ردا على قرار النرويج الاعتراف بفلسطين، أُجبرت على إغلاق بعثتها في بلدة الرام بالضفة الغربية. وقال وزير الخارجية النرويجي آنذاك، إسبن بارث إيدي: “نعتبر قرار حكومة نتنياهو متطرفا وغير منطقي”. ومنذ ذلك الحين، يتولى الدبلوماسيون العاملون في الأردن العلاقات النرويجية مع فلسطين.
وتساءل الصحافي بيتر أوبورن في موقع “ميدل إيست آي” في لندن عن الموقف البريطاني من قرار إغلاق القنصلية وإن كانت الحكومة ستتحداه.
وجاء في تقريره أن علم المملكة المتحدة الباهت لا يزال يرفرف بتحد فوق القنصلية البريطانية في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية صباح الإثنين. وكانت أبواب القنصلية مفتوحة كالمعتاد، لكن ثمة غموضا حول المدة التي سيستمر فيها هذا الوضع.
لم يتبق أكثر من عشرة أيام قبل إغلاق القنصلية، إذا ما سارت الأمور وفقا لرغبة وزير الخارجية الإسرائيلي ساعر.
كان يفترض على نطاق واسع أن بريطانيا ستمتثل للقرار الإسرائيلي، لكن موقع “ميدل إيست آي” يكشف أن هذا ليس مؤكدا، وقد تلقى مراسل الموقع ردا غامضا بعد تواصله مع وزارة الخارجية البريطانية للاستفسار عن نية بريطانيا إغلاق القنصلية
وكان يفترض على نطاق واسع أن بريطانيا ستمتثل لهذا القرار الإسرائيلي، لكن موقع “ميدل إيست آي” يكشف أن هذا ليس مؤكدا، وقد تلقى مراسل الموقع ردا غامضا بعد تواصله مع وزارة الخارجية البريطانية للاستفسار عن نية بريطانيا إغلاق القنصلية، مضيفا أنه على علم بأنه على الرغم من عدم اتخاذ قرار نهائي بعد، إلا أن بريطانيا قد تدرس إمكانية تحدي الإنذار الإسرائيلي. وصرح السير فنسنت فين، أمين “مشروع فلسطين” البريطاني والقنصل العام السابق في القدس الشرقية، لـ “موقع ميدل إيست آي” يوم الاثنين بأن “تهديد إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية العامة ليس خاطئا فحسب، بل هو غير قانوني”.
وأشار إلى النصيحة التي تلقاها مشروع فلسطين البريطاني من غريف، والتي قال فيها إن إسرائيل قد “أعلنت سيادتها بشكل غير قانوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد أكدت الحكومات البريطانية المتعاقبة أن حقوق إسرائيل في القدس الشرقية تقتصر على حقوق الدولة المحتلة”. وأضاف غريف أن “إسرائيل تصر على حق لا تملكه كقوة احتلال، وهو فرض سيطرتها السيادية على القدس الشرقية”. وأشار غريف كذلك إلى أن القناصل العامين البريطانيين لا يقدمون تفويضات لإسرائيل، ما يعني “عدم وجود اعتماد لدى إسرائيل يسمح لها بالانسحاب”. كما حذر قائلا: “إن الإغلاق يقع على عاتق الفلسطينيين، وليس على بريطانيا وحدها. فالإغلاق يهدد الخدمات القنصلية، بما في ذلك خدمات الحجاج البريطانيين والزوار الآخرين وسكان فلسطين. كما أنه يعيق الرقابة والإبلاغ من الضفة الغربية وقطاع غزة.
في غضون ذلك، علق كريس دويل، مدير مجلس “التفاهم البريطاني العربي”، لموقع “ميدل إيست آي”، بأن على بريطانيا تحدي الحكومة الإسرائيلية، قائلا: “ينبغي على الحكومة البريطانية بذل قصارى جهدها لإبقاء القنصلية مفتوحة. فهي حلقة وصل حيوية مع الفلسطينيين في المدينة. يجب على إسرائيل الالتزام التام بتعهداتها القانونية، وإنهاء انتهاكات القانون الدولي التي أشعلت فتيل هذا الخلاف”.
ولا شك في أن أي عمل من أعمال التحدي سيزيد من حدة التوترات الدبلوماسية المتأججة أصلا بين بريطانيا وإسرائيل، والتي تفاقمت بسبب حظر التجارة مع المستوطنات.
مع أنه من غير المرجح أن تقوم قوات الأمن الإسرائيلية بإخراج الموظفين بالقوة من مبنى السفارة، إلا أنها قادرة على منع دخولهم إلى إسرائيل، ما يعني منع الدبلوماسيين البريطانيين من العودة إلى القدس بعد انتهاء إجازاتهم. ومع وجود مستوطنين إسرائيليين نشطين بالفعل في المنطقة المحيطة بالسفارة، ثمة مخاوف من تعرض الدبلوماسيين البريطانيين للمضايقات، لا سيما الموظفين المحليين.
وقد دعا نائب رئيس بلدية القدس، أرييه كينغ، الحكومة الإسرائيلية إلى قطع الكهرباء والماء عن القنصلية.
وخلال قيادته لمظاهرة صغيرة أمام القنصلية قبل أسبوعين، أوضح كينغ قائلا: “إذا كنتم تنظرون إلى القدس كأرض محتلة، وإذا كنتم لا تعتبروننا، بلدية القدس وحكومة إسرائيل، أصحاب السيادة على هذا المكان، فلماذا تحصلون على كل هذه الخدمات منا؟”. وإذا نفذت هذه التهديدات، سيجد الدبلوماسيون البريطانيون أنفسهم يعملون تحت الحصار، كما حدث عام 1990 بعد الغزو العراقي للكويت، حين وجد موظفو السفارة أنفسهم عالقين ويشربون الماء من مسبح السفارة. والقنصلية البريطانية في القدس الشرقية على معرفة مباشرة واسعة بضغوط المستوطنين وعمليات إخلاء المنازل في حي الشيخ جراح، والآن، يواجه موظفو السفارة أنفسهم خطر الإخلاء.
أخبار متعلقة :