رغم المُطالبات الدائمة بضرورة إنتاج أفلام جديدة، تكشف زوايا مُختلفة لحرب أكتوبر/تشرين الأول 73، إلا أن رصيد الأعمال ما زال كما هو ثابت عند رقم مُعين لا يتجاوز 6 أفلام أو سبعة، تم إنتاجها عقب انتهاء الحرب بعام أو عامين على الأكثر، ومنذ هذا التاريخ لم تُضف السينما المصرية ما يُمكن اعتباره توثيقاً حقيقياً للحرب التي زخرت بالبطولات الفردية والجماعية.
الغريب أن الإجابة على الأسئلة الخاصة بعدم إنتاج أفلام إضافية عن حرب أكتوبر، غالباً ما تنحصر في أزمة التمويل وغياب الدعم اللوجستي المُتمثل في توفير المُعدات القتالية ومواقع التصوير، وهي في واقع الأمر حُجة لا تُبرر بأي حال تعطيل المشروعات الفنية والإبداعية، إذ أن حجم إنتاج الأعمال الدرامية الأخرى يفوق بمراحل مستوى الميزانية المطلوبة لفيلم حربي، حيث تتعدد النماذج والمُسلسلات التي تتكلف ملايين الجنيهات ويُنفق عليها بسخاء، لأن العائد التسويقي منها مضمون وهذا هو مربط الفرس.
الأزمة الحقيقية التي ربما تكون هي العائق الفعلي أمام إنتاج الأفلام الحربية تتلخص في عدم حماس المُنتجين لهذه النوعية من السينما، فالاعتقاد السائد لدى الغالبية منهم، أن تصوير الحروب والبطولات لم يعد فعلاً جاذباً بالنسبة للجماهير، لأن الفضائيات تنقل الأحداث المُشابهة والمعارك الدائرة على الأصعدة المُختلفة في التو واللحظة، ومن ثم لا حاجة للمُشاهد في أن يرى معارك مصورة على الشاشة وينفعل معها.
العامل الثاني في نُدرة الأفلام الحربية، يرجع إلى تباعد الحدث ومرور زمن طويل على حرب أكتوبر، باعتبارها المعركة الرئيسة في تاريخ المواجهات العسكرية بين مصر وإسرائيل، فالأجيال الجديدة لا تعرف شيئاً يُذكر عن الصراع بين الطرفين المتضادين، ولا تعي بالضبط أهمية توثيق الحرب التي دارت رحاها في صحراء سيناء، وغيرت المُعادلة العسكرية بالكلية في ميزان القوى، فتلك حسابات لا تتصل كثيراً بثقافة النشء الجديد الذي يُمثل القوة الفاعلة في نمو الاقتصاد السينمائي أياً كان نوعه.
«حائط البطولات»
فيلم «حائط البطولات» كان آخر التجارب السينمائية الحربية التي استهدفت توثيق حرب أكتوبر والتذكرة بتفاصيلها، ومع ذلك لم يحظ بالنجاح المتوقع، ولم يُحدث أثراً قوياً لدى المُتلقي، ولعل الاستقبال الجماهيري الفاتر له هو ما أدى إلى توقف عجلة الإنتاج في هذا الصدد وإحجام المُنتجين والمُخرجين عن تكرار التجربة.
الاستثناءات المهمة والمُعتبرة في هذا الخصوص تمثلت في التجربتين المتميزتين للمخرجة إنعام محمد علي، وهما «حكايات الغريب» و»الطريق إلى إيلات»، لأن التركيز في الفيلمين انصب على الجانب الإنساني في التجربة الأولى، ورصد الحالة الاجتماعية للجبهة الداخلية في مدينة السويس، من دون التعرض لأي أبعاد عسكرية أو سياسية.
أما فيلم «الطريق إلى إيلات» فقد حقق نجاحاً فاق التوقعات، لأنه استند في بنائه الدرامي إلى عملية فدائية كان لتحقيقها أثر بالغ في نفوس المصريين والعرب على حد سواء، حيث ارتبطت بتدمير السفينتين الحربيتين الإسرائيليتين في ميناء إيلات، وهي عملية نوعية تم تنفيذها بدقة مُتناهية بواسطة القوات البحرية المصرية إبان حرب الاستنزاف.
ولأن الفيلم كان مُتقناً إلى حد كبير في تصويره تحت الماء وصادقاً تمام الصدق من حيث الأداء والتفاعل الطبيعي مع الحدث، فقد ربط الجمهور بينه وبين أفلام حرب أكتوبر، باعتباره مقدمه للبطولات العسكرية التي تحققت أثناء المعركة، وعلى هذا الأساس بات من أيقونات السينما المُقاتلة التي اجتهدت في توثيق الحرب والانتصار بمراحلهما الزمنية المُختلفة.
«الممر»
ولو أضفنا فيلم «الممر» بوصفة التجربة الأحدث على الإطلاق في سلسلة الأفلام الحربية، فلا بد من الإشارة إلى طبيعة الفيلم الخاصة، واقتصار أحداثه على واحدة من أخطر العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة المصرية قبل اندلاع حرب أكتوبر، أي أن الفيلم لم يكن معنياً إلا بتوثيق الأحداث الخاصة به فقط، ولا صله مباشرة له بانتصارات أكتوبر ووقائع حرب العاشر من رمضان. ولكن لتشابه السياقات وعناية صُناع الفيلم، وعلى رأسهم المخرج شريف عرفه بتأكيد فكرة النصر ونفي عار الهزيمة في 67 حدث الربط التلقائي بين الانتصارين في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، كونهما حدثين غير مُنفصلين، حسب الرؤية العامة للجمهور والنُقاد أيضاً.
«أغنية على الممر»
وبالعودة للأفلام القديمة الرائدة في هذا الجانب، نلحظ أن ثمة تداخلا واضحا بين الأفلام التي بدأت أحداثها من وقائع النكسة، كفيلم «أغنية على الممر» للمخرج علي عبد الخالق، الذي قدم بانوراما إنسانية عن ثبات المُقاتل المصري وشجاعته، ورفضه الهزيمة في إطار تراجيدي للتعبير عن مأساة الظرف الزمني الذي جرت خلاله الأحداث، مع تأكيده على تجاوز المحنة وفترة الانكسار.
«أبناء الصمت»
كذلك فيلم «أبناء الصمت» للمخرج محمد راضي، تمحورت فكرته حول المعنى ذاته، واتسمت أحداثه بالمأساوية ذاتها، على عكس الأفلام الاحتفالية التي تناولت وقائع النصر والعبور، وأفردت مساحات مطولة لاستعراض المعارك والمواجهات في ميدان القتال، كفيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» و»العمر لحظة» و»بدور» وغيرها.
هذا التشكل السينمائي والدرامي لا شك خلق تنوعاً فنياً وأوضح الصورة الدرامية لحرب أكتوبر من مختلف الزوايا، بما فيها فترات التمهيد للحرب والقصص العاطفية التي نشأت بين الأبطال على هامش الأحداث الرئيسية.
أخبار متعلقة :