لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا لبيتر بينارت، المحرر في مجلة “جويش كارنتس”، وأستاذ الصحافة في جامعة سيتي بنيويورك، قال فيه إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والملياردير اليهودي روبرت كرافت، يعملان دائما على مساعدة نقاد إسرائيل. فعلى مدى العامين الماضيين، ازداد غضب الأمريكيين من مختلف الأطياف الأيديولوجية، بدءا من السيناتور بيرني ساندرز إلى المذيع تاكر كارلسون، من الطريقة التي يقيد بها المليارديرات المؤيدون لإسرائيل حرية التعبير للأمريكيين.
وفي الشهر الماضي، قام روبرت كرافت، مالك فريق نيويورك باتريوتس، بالتنسيق مع مالكي ملاعب آخرين، بالضغط على إد شيران لاستبعاد ماكلمور من جولته الأمريكية لأن مغني الراب نطق بعبارة “فلسطين حرة” على المسرح.
ومن الصعب تخيل أي شيء آخر من شأنه أن يزيد من حدة الغضب تجاه طبقة اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك).
وبنفس الطريقة، يعمل نتنياهو على إضعاف نفسه. فمنذ عام 2018، انخفضت نسبة تأييد إسرائيل بين الأمريكيين وتراجعت شعبيتها بشكل مذهل بـ67 نقطة. وتعتبر أغلبية الديمقراطيين ذوي الآراء المتباينة في هذا الشأن، أن إسرائيل “دولة تمارس التمييز العنصري الشبيه بنظام الفصل العنصري” في جنوب أفريقيا وليست دولة ديمقراطية.
ومع ذلك، في مواجهة الرأي العام الأمريكي الذي يرفض بشكل متزايد تصوير إسرائيل لنفسها كحصن للحرية، سعى حزب بنيامين نتنياهو إلى حظر الأحزاب العربية من المشاركة في الانتخابات البرلمانية، مما يقوض مزاعم أن إسرائيل دولة ديمقراطية لمواطنيها الفلسطينيين، وهو بذلك يقوض جهوده الدعائية بنفسه، أو الهسبارا.
وعليه، فتصرفات كرافت ونتنياهو ليست مستنكرة أخلاقيا فحسب، بل في غاية الحماقة السياسية. فلو كان قادة إسرائيل مدركين للواقع، لاستقبلوا هذا التحول في الرأي العام الأمريكي بتنازلات تكتيكية تهدف إلى إنقاذ سمعة إسرائيل. ولكن بدلا من ذلك، فهم مصممون على موقفهم.
وأشار بينارت إلى أن علم الاجتماع قد يقدم تفسيرا لذلك. ففي عام 1979، لاحظ عالما الاقتصاد السلوكي دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي أن الناس يهتمون بفقدان ما يملكونه أكثر من اهتمامهم بكسب ما لا يملكونه. فمعظم الناس ينفعلون بقوة عند سقوط ورقة نقد من فئة 10 دولارات وبطريق الخطأ في مجاري الصرف الصحي، أكثر من عثورهم بطريقة الصدفة على واحدة في الشارع.
ولأن الناس يميلون إلى تجنب الخسارة، فإنهم مستعدون للمخاطرة لتجنبها مقارنة بالمخاطر التي يقدمون عليها لتحقيق الربح. ومثلا، إذا خسرت ألف دولار في الكازينو، فمن المرجح أنك ستقامر بقوة لاستعادة أموالك أكثر مما لو لم تخسرها أصلا.
ومنذ نشر مقال كل من كانيمان وتفيرسكي، وسّع علماء الاجتماع نطاق نتائجهم لتشمل مجالات تتجاوز المال. ففي مقال نشر عام 2013، وجد عالما السياسة جيفري دي بيريجيكيان وبرايان آر إيرلي أن صانعي السياسة الخارجية الأمريكية يميلون إلى تجنب الخسارة فيما يتعلق بالقوة الوطنية. ففي المفاوضات مع الدول الأخرى، كانوا يقدمون على مخاطر أكبر “لتجنب الخسائر” مقارنة بالمخاطر التي يقدمون عليها “لتحقيق مكاسب جديدة”.
ويعلق بينارت أن هذا الميل أيضا، قد يؤثر على نظرة الأمريكيين العاديين للسياسة الخارجية.
ففي عام 2018، اكتشفت عالمة السياسة ديانا موتز، أنه مع ثبات العوامل الأخرى، كان الأمريكيون الذين شعروا بأن الولايات المتحدة تفقد هيمنتها العالمية أكثر ميلا للتصويت لدونالد ترامب. فقد كان دعم نجم تلفزيون الواقع الذي تعهد باستعادة عظمة أمريكا، ولكنه يفتقر إلى الخبرة الحكومية، أمرا محفوفا بالمخاطر. لكن الأمريكيين الذين شعروا بأن الولايات المتحدة تفقد مكانتها الدولية كانوا أكثر استعدادا لتحمل هذه المخاطرة من أولئك الذين لم يشعروا بذلك.
وقال بينارت إن ترامب يفعل الآن نفس الشيء، فكلما تراجعت قوة أمريكا، زاد من عدوانه. فهو يفرض تعرفات جمركية على كندا، مما يدفع حكومتها إلى السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يدفعه إلى تهديدها بشكل أكبر. ويمكن ملاحظة الديناميكية نفسها في سلوك كرافت ونتنياهو. فقد أمضى كلاهما مسيرتهما المهنية في بيئة سياسية كان فيها الدعم الأمريكي لإسرائيل أمرا مفروغا منه، مع أن الموقف السياسي الأكثر حكمة، كان هو التسليم بأن هذا لم يعد صحيحا، وكان عليهما تكييف سلوكهما، مثلا، بالتصرف بطرق أقل عدوانية تجاه منتقدي إسرائيل.
والمشكلة هي أن الناس عندما يخافون من خسارة أمر كان مفروغا منه، يصبحون أكثر عدوانية لا حذرا.
وهناك استثناءات لهذه القاعدة. ففي الصيف الماضي، ذهب عضو الكونغرس الديمقراطي السابق رام إيمانويل، وهو من أشد المؤيدين لإسرائيل، إلى جامعة تل أبيب وفعل بالضبط ما لم يفعله كرافت ونتنياهو. وردّ على منتقدي إسرائيل، مقترحا تغيير المسار من أجل الخروج من عزلتها المتزايدة ودعم قيام دولة فلسطينية.
ولكن تعنت كرافت ونتنياهو كان الأكثر شيوعا، وما علينا إلا أن نرى رد فعل “إيباك” على توم مالينوفسكي. ففي وقت سابق من هذا العام، اقترح عضو الكونغرس السابق الذي كان يسعى لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات فرعية لمجلس النواب، وضع شروط على الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وبالنظر إلى أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الناخبين الديمقراطيين يعارضون الآن مثل هذه المساعدات، وأن لمالينوفسكي سجل تصويت مؤيد لإسرائيل، فقد كان من الحكمة أن تتعامل معه “إيباك” كحليف. ولكنها أنفقت بدلا من ذلك، ملايين الدولارات من أجل هزيمته، وساعدت دون قصد في انتخاب تقدمي أكثر عداء للدولة اليهودية.
وما فعلته “إيباك” هو تجسيد عملي للخوف من الخسارة، وهو أحد أسباب استمرار تراجع مكانة إسرائيل العامة.
وقال الكاتب إن هذا الوضع قد لا يستمر إلى الأبد. فإذا توقفت الولايات المتحدة وأوروبا عن بيع الأسلحة لإسرائيل أو قطعتا صلتها بقطاعات واسعة من الاقتصاد الدولي، فقد لا يجد القادة الإسرائيليون ومؤيدوهم الأمريكيون خيارا سوى تقديم تنازلات، ولكنهم سيكونون مثل شخص خسر في الكازينو، ثم ضاعف رهانه، ثم خسر مجددا، وفي النهاية توقف عن محاولة تعويض خسائره لنفاد أمواله.
وهذا السيناريو، وإن كان ممكنا، لا يزال بعيدا لسنوات. في غضون ذلك، من المرجح أن يستمر أنصار إسرائيل في الرد على منتقديها بطرق تعزز الانتقادات التي يحاولون إسكاتها. ففي خطاب ألقاه عام 2014 في جامعة كولومبيا، عندما بدأت سمعة إسرائيل بالتراجع، أشار عمر البرغوثي، زعيم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس)، قائلا: “عندما كنت أدرس هنا، كان الصهاينة أذكياء جدا”، أما الآن “فإنهم لا يفكرون بشكل سليم”.
وهذا صحيح أكثر من أي وقت مضى، والمفارقة أن اثنين من الاقتصاديين المولودين في إسرائيل يساعدان في تفسير السبب، كما يعلق بينارت.








0 تعليق