نحن نعجب بالحلم وهو ليس حياة حقيقية، ونُفضّله على واقعنا اليومي الذي هو حلم
حقيقي. كيف نوازن هذه المعادلة رغم الارتباك الواضح فيها؟ ومع ذلك، فهي التي تُمسك
بوجودنا في حالتي النوم واليقظة.
أحد التعاريف الثابتة للإنسان أنه حيوان له القدرة على الحلم. يقول محمد بن عبد الجبار
النفري: «النوم موت أصغر، والحلم بعث أصغر، فإذا نمتَ خرجتَ منكَ، وإذا حلمتَ
رجعتَ إليك». تفسير هذا الكلام أنك إذا نمت من دون أن تحلم، تموت ولا سبيل لك إلى
الحياة. لهذا لا صحة لمن يدّعي أنه لا يحلم أبداً، فذلك منافٍ للطبيعة، لأن الحلم هو
الركيزة الأساسيّة في حياة الإنسان.
اعتقاد ساد لدى الفقهاء في الماضي بأن المرء يُحاسب عن خطاياه بواسطة الحلم، فتأتيه رسائل تحذّره وتوعده. العالم الزاهد عبد الوهاب الشعراني (898 ــ 973 هجرية) كان يتعرّف على ما ارتكبه من ذنوب نهاراً، بما يراه في الليل من رؤى، أو يستدلّ بواسطتها على ما ينبغي له.
حديثٌ نقله أهل السنة عن النبي أنه قال: «من رآني فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي». يروي الشيعة القول ذاته عن أئمتهم أنهم قالوا: «من رآنا فقد رآنا حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بنا». وعلى هذا الأساس راح علماء الإسلام يعتقدون بأن الأحلام تنطق أحياناً بالوحي الذي لا يجوز الشكّ فيه. وجرى العامة وراء رجال الدين في هذا الشأن، فصاروا يعتقدون بما يرون ويؤمنون بالأحلام إلى درجة بعيدة.
لكن الناس في مناماتهم وتأويلها ليسوا سواسية؛ عن العالم والفقيه أبي إسحاق إبراهيم الكرماني الأصفهاني أن «رؤيا المسلم أصدق من رؤيا الكافر، ورؤيا العالم أصدق من رؤيا الجاهل… ورؤيا الشيخ أصدق من رؤيا الشابّ». الفروق الاجتماعيّة، كالتي بين الغني والفقير وبين السيّد والعبد، لها أهميّة في هذا الشأن أيضاً. جاء في كتاب تفسير الأحلام المنسوب لابن عربي، عن أبي بكر الصدّيق أنه قال: «لا تَسمع لرؤيا الفقراء المنشغلين في كيفية إيجاد قوت يومهم، بينما الغنيّ في الرؤيا أصدق، لأنه يسخّر ماله في الزكاة وأعمال الخير وما شابه ذلك مما يعمّ نفعه».
رأى الخليفة المهدي في الحلم أنه جلس في دار الخلافة ووجهه قد اسودّ، ثم مال جانب من السقف إلى الأسفل حتى كاد يلتصق بالأرض. اعتراه بسبب هذه الرؤية غمّ كبير، ففسّرها له العالم والفقيه شمس الدين الكرماني البغدادي بأنه سيُرزق بنتاً، معتمداً في ذلك على الآية 58 من سورة النحل «وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًّا وهو كظيم». فرح الخليفة لهذا التفسير، وأدرك عندها معاني عزّة الله وقدرته، على تبليغه الرسالة قبل وقوع المحذور.
كما ورد في الفقه الإسلامي أن دية المرأة نصف دية الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، فالأمر كذلك في الأحلام. قيل عن النبي المصطفى إن رؤيا المرأة نصف صادقة في مقابل رؤيا الرجل.
وفي إيران كان الناس يعتقدون في السابق أن الصالحات من النساء فقط يتمكنّ
من الرؤيا الصادقة، أما أحلام غيرهن فيلزم تفسيرها عكسيّاً. بل إن العلّامة محمد باقر المجلسي صاحب كتاب «بحار الأنوار» الذي يُعدّ من أهمّ كتب الحديث لدى الشيعة، يرى بأنه لا ينبغي للمرء أن يقصّ أحلامه على أي امرأة.
للفقيه الحنبلي ابن غنام المقدسي النميري (نحو 1377 م) قصيدة عنوانها «عروس البستان» من 45 فصلاً، في شرح رموز الأحلام، وخاصة تأويل المرأة. منها أن دوابّ الركوب تعني في الحلم المرأة، والشمعة والفتيل يعنيان الرجل والمرأة الحسناء، ورؤية الحشرات والفئران دلالة على أن في البيت امرأة فاجرة، بينما تشير النخلة إلى المرأة العربية، وشجرة الجوز إلى الفارسية، أما الكعبة فتعني زوجة السلطان…
لا يمكن تقديس كل ما مرّ من أقوال الأولين والأخذ بها إلى النهاية، ولا يجوز أيضاً التغاضي عنها وإهمالها تماماً، لأنك إذا أطلقتَ النار من مسدسك على الماضي، أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك، وهذه الحكمة الباذخة لرسول حمزاتوف في أغلب الظن.
أكثر الأحلام إرباكاً هي الرؤى المتشابهة، التي تزور المرء مراراً كالحمّى المترددة، تُعطيه راحة مؤقتة، ثم تغزوه ثانية لتؤكد أنها ما تزال تتوعّده.
غالباً ما أرى في المنام هذا الحلم الغريب والخارق، وهو ليس في كلّ مرّة نفسه، ولا هو تماماً حلم آخر، وبدايته مرعبة مثل نهايته: شارع مفروش بهياكل عظمية تحترق، وأنا أسير فيه عارياً، والمكان يعج بفئران وحيّات غليظة، تتلوّى بين أكوام عظام بشرية ملتهبة. ربما كانت الآلام معطّلة في آلة الحلم، لأني لم أشعر بأوجاع الحروق التي شوّهت جسدي في مواضع عدّة. الشارع لا يريد أن ينتهي، واللهب يتصاعد أكثر، والرائحة المتفسخة تعمّ المكان، وقرص الشمس يكاد يختفي خلف دخان قاتم.
حلّ وقت الأصيل، وما زلتُ أسير وتصلني الفوضى وهدير النيران، ورأيت نفسي أرتقي سلماً لولبياً من الحجارة، ثم أعبر حاجزاً حديدياً، وأنزل درجات إلى أرض مكشوفة. اختفت الهياكل وجثث الحيّات، والمكان نظيف والنخل فيه يحمل أعذاق التمر. جدول مخضرّ رقراق يشقّ البستان الواسع عزّيتُ نفسي به، لكن الغريب أنه زاد من شعوري بالعري. انتبهتُ إلى أن إصبعي قدميّ الصغيرين احترقا بالكامل، بسبب السير على النار، فهما عظمان أسودان صغيران.
دقائق، وبلغ سمعي أصوات أهازيج، وفرقة موسيقية تتقدّم حشداً من رجال يرقصون على أنغام الدفوف والمزامير. ينسى المرء في أثناء الكابوس أنه يحلم، وكلما زاد النسيان زاد الرعب. أخذ الحشد يخترقني بلا مبالاة كأن لا وجود لي، وكان الرجال يتعثرون في سيرهم من أثر الانفعال، ويتدافعون ويرتطم بعضهم ببعض. ثم جاءت نسوة يرتدين عباءات سوداء بثوب زفاف أبيض، مع وشاح من الدانتيل المطعّم بالأحجار والماس، وطلبن مني ارتداءه.
كانت السماء تؤدي عرضاً حقيقياً، وثمة بنفسجي خفيف للظلال، والنخل وبقية الأشجار ساعة الغروب كأنها مرسومة بالحبر الصيني. ظهر عصفور وحيد، وبينما كان يتمايل في الهواء سكتت الموسيقى فجأة، وانتشرت في البستان بيارق ورايات ملوّنة، سوداء وبيضاء وحمراء وخضراء. بدل موكب العرس، صار للرجال ملامح غاضبة، فهم يُطلقون أهازيج و»هوسات» من تلك التي تستعدّ بها العشائر وترفع عزيمتها عند التوجه للقتال. اختفت النسوة في الحال، وبقيتُ وحدي وسط المعمعة، وفاحت في الجوّ رائحة بول وبراز بشريّ قويّة شملتني بالاشمئزاز، والسماء بدت باهتة قبل أن تظلم.
ثم انطلقت عشر أو عشرون بندقية معاً واحترق كلّ شيء في الحلم حتى الهواء. هشّمت إحدى الرصاصات كتفي اليسرى وشلّت ذراعي، إلا أني لم أكن أشعر بالألم. كان جسدي مثقوباً بالرصاص، والدماء تلطّخ بدلتي وتسيل على الأرض. الحلّ الوحيد عندي هو الانسحاب السريع، بأن أفزّ من نومي وأتحسّس جسدي، وأحمدُ الله كثيراً على السلامة.
عريس البستان
عريس البستان







0 تعليق