في 15 سبتمبر الحالي نظمت القيادة العسكرية المركزية (CENTCOM) حوارا استراتيجيا شارك فيه رؤساء أركان القوات المسلحة في إسرائيل، جنبا إلى جنب مع 7 دول عربية هي السعودية، والبحرين، والكويت، وقطر، والإمارات، والأردن، ومصر. كان هذا هو اللقاء الثاني الذي تديره القيادة المركزية في إطار خطة تهدف إلى بلورة نظام دفاعي إقليمي، بعد اللقاء الأول الذي استضافته القاعدة البحرية الأمريكية في المنامة في الأول من شهر يوليو الماضي. وقد ترافق اللقاء الثاني الذي عقد في أحد المنتجعات في ألمانيا مع الذكرى السادسة لتوقيع اتفاقيات إبراهام والذكرى الخامسة لانتقال إسرائيل إلى منطقة مسؤوليات القيادة المركزية، بعد أن بقيت قابعة في المنطقة الأوروبية (EUCOM) منذ عام 1980 حتى عام 2021. هذا التوافق بين المواعيد لم يكن مجرد مصادفة تاريخية، وإنما هو يعكس ما يمكن اعتباره جدول أعمال يستهدف إتمام عملية هندسة سياسية ودفاعية تجري تحت المظلة الأمريكية لفرض نظام دفاعي إقليمي، يستبعد نفوذ القوى الثلاث الرئيسية التي يمكنها منافسة إسرائيل وضبط سلوكها الإقليمي داخل إطار محدد لا تتجاوزه. هذه القوى الثلاث المستهدفة هي السعودية وتركيا وإيران.
وقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حد كبير في فرض طوق على إيران، بوضعها داخل إطار القوة الرئيسية المُهَدِّدة للاستقرار في الشرق الأوسط. وكانت المواجهة مع إيران هي البند الأول على جدول أعمال اللقاء الأول للحوار الدفاعي الاستراتيجي في المنامة، كما كانت البند الأول على جدول أعمال اللقاء الثاني في ألمانيا. القوة الإقليمية التالية التي تطاردها إسرائيل هي تركيا، وتقود إسرائيل عملية لقطع الطريق على تطوير وجود تركيا في شرق البحر المتوسط والقرن الافريقي الكبير والمشرق العربي والخليج، تستخدم فيها أكثر من سلاح من أخطرها دفع القوات اليونانية والقبرصية إلى إثارة التوتر في حوض شرق المتوسط. كما تستخدم أيضا اللوبي الصهيوني الأمريكي، من أجل فرض قيود على تسليح تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي. ولا تبدي إسرائيل ترحيبا بوجود تركيا داخل اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية. وأعتقد أنها سوف تفعل كل ما يمكنها من أجل إفساد التحالف العسكري السعودي – الباكستاني – التركي. في الوقت نفسه فإن إسرائيل تطارد الزمن من أجل التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات مع السعودية، لضمان تحييد دورها، وتوظيف إمكاناتها، ضمن المشروع الإسرائيلي للدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط.
إسرائيل، ومن ورائها اللوبي الصهيوني الأمريكي، تريد قيادة نظام أمني إقليمي يضم دولا عربية وغير عربية، من خلال التشكيك في مصداقية القوة الأمريكية وقدرتها على ضمان الأمن الإقليمي
وليس سرا أن إسرائيل، ومن ورائها اللوبي الصهيوني الأمريكي، تريد قيادة نظام أمني إقليمي يضم دولا عربية وغير عربية، من خلال التشكيك في مصداقية القوة الأمريكية وقدرتها على ضمان الأمن الإقليمي. وليس سرا أيضا أن الولايات المتحدة تسعى هي الأخرى لتطوير دور القيادة العسكرية المركزية في قيادة ذلك النظام الذي طورته خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع دفعها إلى قيادة حوار استراتيجي دفاعي إقليمي.
وبين تنافس كل من تل أبيب وواشنطن على القيادة، يمتد الجسر الذي يجمعهما معا، ويعزز الشراكة الاستراتيجية بينهما، خصوصا عندما تدرك إسرائيل أن الوجود الأمريكي على مسرح القيادة هو الذي يمنحها شرعية اللقاء مع أطراف عربية، كما حدث في لقاء رؤساء الأركان الأخير في ألمانيا، الذي شارك فيه رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، الذي تخوض قواته حرب تهجير للفلسطينيين في الضفة وحرب إبادة للفلسطينيين في قطاع غزة. وليس لدينا تسجيلا لموقف رؤساء الأركان العرب من وجود زامير، والعرض الذي قدمه عن الحروب التي يخوضها جيش الاحتلال على عدة جبهات. كذلك فإن وجود إسرائيل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة في منتديات إقليمية غير عسكرية، مثل منتدى النقب الاقتصادي يمنحها شرعية إقليمية ويسهل عملية دمجها في نظام إقليمي تتمتع فيه بمزايا ضخمة. من الناحية الثانية فإن الولايات المتحدة تدرك أنها في حاجة إلى لاعب عملياتي رئيسي إقليمي لتثبيت وضع قواتها في المنطقة، وهي تجد إسرائيل جديرة بالقيام بهذا الدور. وحتى لا يكون هذا الاستنتاج مجرد فرضية مثيرة للجدل، أقدم ما يؤكد حقيقتين، الأولى هي الترابط بين اتفاقيات إبراهام 2020 ونقل إسرائيل إلى مسرح عمليات القيادة المركزية (2021). هذا التطور السريع خلال أقل من عامين كانت محركاته قد بدأت في العمل قبل ذلك بسنوات، منذ بداية الرئاسة الأولى لدونالد ترامب. في ذلك الوقت عقد دونالد ترامب في مايو 2017 قمة غير مسبوقة في العاصمة السعودية مع قادة دول عربية وإسلامية للترويج لسياسة العداء لإيران ونقل هذا العداء من حيز الفكرة إلى نطاق التطبيق، بالدعوة إلى إقامة تحالف عسكري استراتيجي ضد إيران Middle East Strategic Alliance الذي يعرف اختصارا باسم MESA. وفي أبريل 2019 استضافت السعودية لقاء ضم إلى جانبها ممثلين عن الولايات المتحدة والإمارات، البحرين، الكويت، سلطنة عُمان، قطر، والأردن. هذا اللقاء كان «خطوة مهمة نحو إطلاق التحالف الدفاعي الاستراتيجي للشرق الأوسط (MESA) الذي يهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم». لكننا نلاحظ أن إسرائيل في تلك المرحلة ظلت بعيدة عن الالتحاق بتلك الفكرة أو الاشتراك في تنفيذها.
تعثر ميسا وتطوير ميدو!
الحقيقة الثانية التي أود التأكيد عليها هي أن اللوبي الصهيوني لم يكن سعيدا بأن تجري المناقشات بشأن إقامة نظام دفاعي إقليمي من دون مشاركة إسرائيل. ومن ثم عمل على تعطيل فكرة التحالف الدفاعي الاستراتيجي الذي اقترحته واشنطن. وفي الوقت نفسه أشرف على تنظيم حملة نقل إسرائيل إلى القيادة المركزية، واستطاع انتزاع قرار من البيت الأبيض في هذا الشأن تم إعلانه في منتصف يناير عام 2021 قبل مغادرة ترامب للبيت الأبيض بأيام، واكتمل تنفيذه بواسطة البنتاغون في 15 سبتمبر من العام نفسه، لتصبح إسرائيل في قلب الحدث الرئيسي المتعلق بإقامة نظام دفاعي إقليمي وليست خارجه. وكما حدث في اتفاقيات إبراهام، وفي عملية نقل إسرائيل للقيادة المركزية، فإن المجلس اليهودي العالمي هو الذي تصدى لترويج فكرة إقامة نظام دفاعي مشترك تحت قيادة إسرائيل وليس الولايات المتحدة. وقد عبر عن ذلك بوضوح وبلا خجل رئيس المجلس اليهودي العالمي رونالد لاودر، في مقال جرى نشره في صحف إسرائيلية وعربية (صحيفة جيروساليم بوست، وصحيفة عرب نيوز، وصحيفة الشرق الأوسط) في وقت واحد تقريبا. وترافق النشر مع جولة إقليمية التقى فيها لاودر بعدد من قيادات الدول العربية (2021). وقال لاودر أن «جميع العرب تقريبا الذين تحدثتُ معهم اتفقوا على أن الحليف الوحيد (ضد إيران) الذي يثقون به ثقة مطلقة هو إسرائيل. وأن جميع الإسرائيليين تقريبا الذين تحدثتُ معهم اتفقوا على أن الحليف الوحيد (ضد إيران) الذي يثقون به ثقة مطلقة هو العالم العربي». ومن ثم فإنه دعا إلى إقامة حلف عربي – إسرائيلي للتصدي لإيران من ناحية وطموحات تركيا التوسعية من ناحية أخرى. ولتمييز دعوته تلك عن المشروع الأمريكي (MESA) فإنه أطلق على مشروعه اسم منظمة الدفاع للشرق الأوسط (MEDO). واقترح أن تنضم إليها دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي تربطها بالفعل معاهدة أو علاقة مفتوحة مع إسرائيل، وهي مصر، والأردن، والإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب ودول عربية أخرى، قال إنه متفائل بانضمامها إلى اتفاقيات إبراهام قريبا. كما اقترح انضمام دول أخرى منها اليونان وقبرص وبعض الدول الافريقية. وقال إن هذه الدول «يمكنها أن تُنشئ حصنا منيعا في وجه إيران. كما يمكنها أيضا كبح جماح طموحات تركيا التوسعية، ومكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز مصالحة إسرائيلية فلسطينية حذرة وتدريجية»، حسب تعبيره. وكان لاودر قد افتتح مقاله بوصف حالة زعماء الدول العربية بأنهم «يتأملون، في ذهول، عجز الغرب عن وقف هذه التطورات العدائية والخطيرة (التي تقوم بها إيران)»، وقال إن الكثيرين منهم «فقدوا ثقتهم في أمريكا وأوروبا». ما قاله لاودر يقودنا إلى ثلاثة استنتاجات مهمة تكشف طبيعة الدور الذي يقوم به المجلس اليهودي العالمي. الأول هو التعبير عن عدم الثقة في الولايات المتحدة واستبعادها من قيادة نظام الدفاع الإقليمي. والثاني هو التوجه بعد إيران نحو مباراة صراع تالية مع تركيا. وهو ما يفسر الغرض من الدعوة لانضمام اليونان وقبرص. والثالث هو التفاؤل الشديد بتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام باعتبارها إطارا سياسيا للنظام الدفاعي المنشود. وليس خافيا أن التطبيع بين السعودية وإسرائيل كان محل التفاؤل الذي اصطبغت به توقعات لاودر التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات، ولم تر النور بعد. ويبدو انها لن تراه.
كاتب مصري
- باكستان تتعهد بالدفاع عن السعودية ضد الحوثيين بـ”أي وسيلة كانت”
- مجلس الشيوخ الأمريكي أمام تصويت لمطالبة ترامب بكشف الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة
- أنباء عاجلة ... الجزائر تعرض دعمها اللوجستي والتقني لانتخابات جنوب السودان - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... بلاغ عن مفقود يكشف جريمة قتل.. شرطة وهران تطيح بـ4 مشتبه بهم - بوابة مصر الجديدة
- أنباء عاجلة ... تحديد موعد وكيفيات دفع تكلفة الحج - بوابة مصر الجديدة







0 تعليق