حقيبة النعنع بدل الكتب… أطفال غزة يعودون للدراسة

منذ ساعة

غزة- «القدس العربي»: يحمل حقيبته المدرسية التي توحي بأنه في مرحلته الابتدائية، يرتديها بثقل على ظهره النحيل، ويتوجه نحو باب الخيمة، فيما ترافقه دعوات أمه بالتوفيق حتى يغيب عن نظرها.
وللوهلة الأولى، يبدو أن الطفل يتجه إلى مقعده الدراسي، وحقيبته ممتلئة بالكتب والكراسات والأقلام الملونة، إلا أن الحقيقة مختلفة، فعند فتحها يشع منها اللون الأخضر، إذ تمتلئ برزم النعنع التي يتجه بها كل صباح نحو سوق الخضروات ومفترقات الطرق ليبيعها، ويسهم بما يجنيه من ثمنها في إعالة أسرته التي تقتات على ما يوفره بيع نعنع حقيبته المدرسية.

محمد، طفل نازح من الشجاعية: أشعر بالغيرة من كل طالب يستطيع التعلم وأنا أبيع النعنع

ويقول محمد، الذي لا يفضل ذكر اسم عائلته كي لا يرافقه ذكر النعنع إلى أن يكبر: «أنا نزحت من غزة، من الشجاعية، وأنا بالصف الثالث، وفي الحرب والدي خسر شغله، واحنا أسرة مكونة من خمسة أفراد وبدنا أكل وشرب، والحياة مش سهلة، ووالدي خسر شغله والنزوح والحطب خلصت كل مصاري والدي».
وأضاف أنه لن يستمر في الابتعاد عن التعليم، آملاً في أن تتحسن ظروف عائلته ويستطيع إعادة الكتب إلى حقيبته والالتحاق بالمدرسة، ويقول: «فأنا أشعر بالغيرة من كل طالب يستطيع التعلم وأنا أبيع النعنع».

الحرب والتسرب من المدارس

ولا تقف آثار الحرب عند اضطرار بعض الأطفال إلى العمل، إذ تركت سنوات النزوح والانقطاع فجوات واسعة في المسار التعليمي لطلاب آخرين، وجدوا أنفسهم ينتقلون من صف إلى آخر من دون أن يعيشوا سنواتهم الدراسية بصورة طبيعية.
أما لانا ماهر، ابنة الرابعة عشرة، التي تتجهز للالتحاق بمدرستها في الصف التاسع، أي الثالث الإعدادي، فتقول: «آخر صف التحقت به كان الصف السادس الابتدائي، وكنت مجتهدة جداً، أعشق الدراسة وأتطلع لأكون الأولى على الصف، ولكن جاءت الحرب والنزوح، ونزحنا من غزة إلى دير البلح، وبقينا من نزوح إلى آخر دون استقرار، وفي معظم المرات كنا نسكن في مناطق ريفية بعيدة عن مركز البلدة، وبالتالي بعيدة عن المدارس، والحقيقة أن المدارس كانت ولا تزال مراكز إيواء للنازحين».

وذكرت لانا أن أسرتها، بعد عام من النزوح، بدأت تنتبه إلى موضوع المدرسة. ففي بداية الحرب، وبعد ضياع عام دراسي قضته أسرتها في منطقة زراعية لا تتوفر فيها خدمات الإنترنت، بدأت الأسرة تولي اهتماماً أكبر لمسألة التعليم، ومع بدء السعي إلى تسجيلها في خيمة تعليمية، كانت الخيام ممتلئة، واعتذرت العديد منها عن استقبالها، ثم جاء نزوح جديد، ومن بعده نزوح آخر، وفي كل مرة كانت الأسرة تركز على متطلبات النزوح، إذ لا تعليم من دون استقرار.
وأوضحت أن عاماً تلو الآخر ضاع منها، إلى أن اعتادت الغياب عن سنواتها التعليمية، وهذا العام، وبعد استقرار الأسرة في مكان نزوح جديد، قررت أسرتها إلحاقها بالصف التاسع. لكنها دائماً ما تتساءل: كيف سأستوعب منهاج الصف التاسع وأنا متوقفة عن التعلم منذ الصف الخامس؟ فأنا لم أدرس في الصف السادس سوى شهر واحد. وتقول إن هذه التساؤلات جعلتها تخشى دائماً أن تكون ضعيفة تعليمياً، فتتهرب من الخيام التعليمية في مراكز الإيواء، هذا إن وجدت.

كيف تبدو الخيمة التعليمية؟

وفي مقابل محاولات الأسر إعادة أبنائها إلى التعليم، تواجه الخيام التعليمية نفسها تحديات في الاستمرار، بسبب محدودية الإمكانات وغياب الدعم المنتظم، وهو ما يجعل انتظام العملية التعليمية مرتبطاً في كثير من الأحيان بوجود جهة قادرة على تمويلها.
أما بالنسبة إلى الخيام التعليمية، فهي تعاني من عدم الاستقرار في العمل نتيجة غياب راع دائم لها، وبالتالي يصعب التزام كادر تعليمي بالتدريس من دون توفر القرطاسية وصرف مكافآت مالية.

لانا ماهر، طالبة في الصف التاسع: في كل مرة كانت الأسرة تركز على النزوح، فلا تعليم من دون استقرار

ويقول فريد داود، مندوب مخيم الرشيد البحري: «يحتوي مخيم الرشيد على 260 عائلة، ولكن لا توجد خيمة تعليمية تخدمه. ففي وقت سابق قامت مؤسسة بإنشاء خيمة تعليمية، ومن ثم توقف الدعم الخاص بها، ما أدى إلى توقفها، علماً بأن الخيمة، منذ البداية، كانت تقدم خدمات تعليمية من دون اعتمادها من قبل وزارة التربية والتعليم».
وأوضح داود أن عدد الطلاب الذين كانوا يتلقون خدمات تعليمية في هذه الخيمة بلغ 480 طالباً في المرحلة الابتدائية، وحالياً تم توزيعهم على نقاط تعليمية، أقربها إلى المخيم تبعد نحو 1500 متر، يقطعونها سيراً على الأقدام ليتلقوا التعليم جلوساً على الأرض، لعدم توفر مقاعد للطلاب.

الثانوية العامة… رحلة بحث عن مقعد

ومع التقدم في المراحل التعليمية، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى طلبة الثانوية العامة الذين يحتاجون إلى التسجيل الرسمي والحصول على أرقام جلوس وأماكن معتمدة لتقديم الامتحانات.
تقول عايدة جندية، 17 عاماً: «منذ نحو شهر وأنا أنتقل بشكل أسبوعي من مكان سكني في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة إلى مدرسة العائشية في دير البلح، لأتمكن من تسجيل نفسي في المدرسة كطالبة ثانوية عامة، إلا أنني أواجه الرفض والطرد في كل مرة بسبب الاكتظاظ الشديد في المدرسة، وخاصة لطلبة الثانوية العامة».
وأضافت: «بحثت عن مدارس أخرى في دير البلح تستقبل طالبات الثانوية العامة لأسجل فيها، فأنا لن ألتزم بحضور الساعات الدراسية، إنما سأكتفي بأن أكون مسجلة في المدرسة لأحصل على رقم الجلوس ومكان تقديم الامتحانات، أما الدراسة والتعلم فسأعتمد فيهما على نفسي. فأنا في محافظة بعيدة عن المدرسة، ولكن بلدتي، منطقة البحر، لا توجد فيها مدرسة ثانوية عامة معتمدة لدى الوزارة، والمواصلات صعبة جداً».
وذكرت أن العام الدراسي بدأ وهي لم تلتحق بعد بمدرسة تسجل فيها، وتفكر بالبحث في محافظة جديدة، وهي النصيرات، وعلى الرغم من بعد المسافة بين الزوايدة والنصيرات، فإنها مضطرة إلى ذلك بسبب مداهمة الوقت لها من دون مدرسة.

ماذا تقول الوزارة؟
وفي ظل هذه الصورة التي تجمع بين الانقطاع والاكتظاظ ومحدودية المساحات التعليمية، تقول وزارة التربية والتعليم إن النظام التعليمي الحالي يعمل ضمن إمكانات استثنائية، في محاولة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة.

عايدة جندية، طالبة في الثانوية العامة: أواجه الرفض والطرد في كل مرة بسبب الاكتظاظ الشديد في المدرسة

وقال أحمد النجار، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم في غزة، لـ»القدس العربي»: «بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، تمكنت طواقم وزارة التربية والتعليم العالي من استقبال نحو نصف مليون طالب وطالبة في كافة النقاط التعليمية ومدارس الخيام والمدارس الخاصة والمدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين».
وأكد النجار أن أعداداً كبيرة من الطلبة لا تزال غير قادرة على الالتحاق بمقاعد الدراسة لأسباب متعددة، منها عدم توفر مدارس كافية ومساحات تعليمية لاستيعاب هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب، وخصوصاً بعد تدمير أكثر من 90% من مدارس قطاع غزة وخسارة مقدرات الوزارة، إضافة إلى ظروف النزوح المتكرر والأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وأردف قائلاً: «قبل الحرب كان لدى وزارة التربية والتعليم العالي 309 مبان مدرسية، توجد فيها 442 مدرسة، وكانت الكثير من المدارس تعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية. حالياً، وبعد تدمير نسبة كبيرة من المباني، وحتى المتبقي منها تحول إلى مراكز إيواء للنازحين، وفي ظل الانهيار وعدم القدرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب، لا يزال القطاع بحاجة إلى بناء الكثير من النقاط التعليمية، حيث يوجد في قطاع غزة نحو 650 ألف طالب وطالبة في سن التعليم».
وأوضح: «خلال هذا العام تعمل الوزارة من خلال نظام تعليمي سداسي مرن، حيث يقسم الأسبوع إلى ثلاثة أيام للطلاب وثلاثة أيام للطالبات، وفي كل يوم توجد ثلاث مناوبات تدريسية، وبالتالي يمكن لكل نقطة تعليمية أن تستوعب ست مجموعات من الطلبة. وبذلك يتلقى الطالب نحو 12 ساعة تعليمية للمواد الأساسية، مع اعتماد التعليم الإلكتروني لاستكمال تعليم المواد الإثرائية للطلبة».
وقال النجار إن تعليم الطلبة 12 ساعة أسبوعياً للمواد الأساسية ليس كافياً مقارنة بالساعات الـ36 التي كانت تدرس قبل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، مؤكداً أن هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن تقديمه في ظل الظروف الاستثنائية من أجل إنقاذ العملية التعليمية.
وذكر أنه يوجد حالياً لدى وزارة التربية والتعليم العالي 217 مدرسة تديرها، إضافة إلى المدارس الخاصة والنقاط المجتمعية المعتمدة من الوزارة، وكذلك المدارس التي تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

أحمد النجار، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم في غزة: هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن تقديمه في ظل الظروف الاستثنائية

وأوضح النجار: «خلال العامين الدراسيين المنصرمين، تقدم نحو 100 ألف طالب وطالبة لامتحانات الثانوية العامة من خلال التعليم الإلكتروني، فيما تخطط الوزارة لتقديم امتحانات هذا العام بصورة وجاهية وورقية».
وعن نتائج الثانوية العامة، قال: «شهد التحصيل العلمي للطلاب حالة من التراجع بسبب تدمير المدارس والنزوح المستمر وعدم وجود تعليم وجاهي، بالإضافة إلى خسارة نحو 22 ألف طالب وطالبة في كافة المراحل التعليمية، وخسارة نحو 1100 من المعلمين والكوادر التعليمية بين شهداء ومفقودين». أما المسيرة التعليمية الخاصة بالدراسات المنزلية، فمن المتوقع أن يتسع لهم المجال في وقت ما لتقديم الامتحانات.
وفي ظل هذا الواقع، يواجه التعليم في قطاع غزة فجوة كبيرة جداً بسبب الفاقد التعليمي، ولهذا يجري العمل على تقديم «التعليم المسرع»، الذي يعتمد على تدريب المعلمين على تنفيذ أنشطة تعليمية ونفسية واجتماعية، لمساعدة الطلبة على تلقي وجبات تعليمية مكثفة تعوض جانباً من سنوات الانقطاع وتعيد ربطهم بالمسار التعليمي.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق