فيلم «زقاق المدق» بين فلسفة نجيب محفوظ وتراجيديا حسن الإمام

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حجم الخط

صورة الحارة المصرية بمستوياتها الاجتماعية الواقعية، وأبعادها الفلسفية كانت الهاجس الذي شغل الكاتب نجيب محفوظ في العديد من رواياته، ولعل رواية «زقاق المدق» التي حولها المخرج حسن الإمام مع السيناريست، سعد الدين وهبة إلى فيلم سينمائي، إبان فترة ازدهار السينما المصرية في القرن الماضي، كانت علامة فارقة من حيث التوظيف الروائي والمُعالجة الدرامية.
فما نقلته السينما بتصرف عن الرواية لم يُفقدها الكثير من الوهج والعُمق، فالسيناريو الذي كتبه وهبة، وازن بشكل كبير بين ما تنطوي عليه الرواية كعمل أدبي تأملي، وما تفرضه الرؤية السينمائية من تأويلات تأخذ في الاعتبار البُعد التجاري إلى حد كبير، وتلك كانت براعة حسن الإمام الذي تمرس على إعطاء الحبكة الدرامية مذاقاً خاصاً دونما مساس جوهري بخصائص العمل الروائي.
في فيلم «زقاق المدق» تحققت المُعادلة الصعبة بتوفير كل مُعطيات النجاح مع الحرص على تبسيط الخطاب السياسي الفلسفي للكاتب، ليتسنى للمُتلقي العادي فهم الأحداث على نحو واضح يجمع بين اللغة الشعبية للحوار، وعمق الطرح الروائي بكل مراميه الاجتماعية النقدية.


لقد اعتنى نجيب محفوظ بتضمين الحالة السياسية لمصر في أربعينيات القرن الماضي إبان الاحتلال الإنكليزي، الذي استمر لأكثر من سبعين عاماً، وعجز عن تغيير التركيبة الاجتماعية والثقافية والإنسانية للبلاد، وبصفة خاصة المناطق الشعبية العتيقة في القاهرة، اللهم إلا تغيراً سلوكياً طرأ على بعض الشخصيات الانتهازية الفاقدة من حال المُبتدأ إلى القيم والأخلاق. من بين الشخصيات المُشار إليها بقوة كعنصر ضعيف، لم يمتلك روح المقاومة واستسلم بسهولة لغواية المال والرفاهية، شخصية «حميدة»، التي لعبت دورها في الفيلم الفنانة الراحلة شادية، تلك الفتاة الجميلة المُتطلعة، المُتمردة على واقع الحارة لإحساسها بأنوثتها وجمالها. مثلت حميدة الرمز القيمي الذي سقط بفعل التحديات والطموح الزائد عن الحد، فالفتاة انسلخت من جلدها، وهجرت الحارة بحثاً عن الثراء، ورغبة في التخلص من قيود الفقر والتقاليد البائسة، فارتمت في أحضان الرذيلة وانقادت لشيطان القُبح بتبعيتها لفرج القواد الذي يُدير نشاطاً مشبوهاً مع سامية جمال، نديمته وشريكة نزواته وانفلاته. سقوط «حميدة» وانقيادها لتيار الردة الأخلاقية، تزامن مع ظروف الحرب العالمية الثانية وتداعياتها السلبية، كأنه الانهيار الكامل في المنظومة برُمتها، وخسارة فادحة في الرهان على القوة الخارجية المُضادة للإنكليز، والمعول عليها في التخلص من الاحتلال الجاثم على صدر الوطن، والمُتسبب في فساد الأخلاق وتبديل القيم. فنجيب محفوظ ربط بين الصراع العالمي والقوى العُظمى، وبين حالة التردي التي يعيشها سُكان الزقاق باعتبار ذلك رد فعل للانهيار الكبير، حيث أن تأثيرات الحروب، التي يطول أمدها تخلق حالة من اليأس والإحباط وفقدان الشعور بالقيمة الحقيقية للإنسان والأشياء، ولهذا ظهرت أعمال منافية للآداب ومهن وأنشطة جديدة لم تكن موجودة قبل الحرب، واتسع حيزها بتفاقم الأزمة السياسية العالمية.


وبالطبع تغيرت معها ملامح بعض الشخصيات، وأصبح النفوذ المالي مقياساً للوجاهة الاجتماعية والسطوة، بينما انهارت في المُقابل قيم العلم والثقافة، وصار المُتعلمون في الحارة الشعبية عرضه للسخرية والتهكم، خاصة بعد فقدانهم وظائفهم المرموقة، والبكاء على أطلال الماضي، كما في شخصية حسين رياض، الموظف السابق المُتشبث بآخر ما تبقى له من أفكار فلسفية ومصطلحات أجنبية، يدلل بها طوال الوقت على اختلافه وتميزه الطبقي. وربما تُمثل هذه الشخصية على وجه التحديد، بعضاً من ملامح المُثقف المهزوم، كما تصورها نجيب محفوظ الذي أسقط تعاسة الرجل وخيبة أمله على النماذج المُشابهة في الواقع الثقافي والشعبي، في إشارة إلى وهن وضعف المُثل والقيم العلمية أمام نفوذ المال والسُلطة الجائرة والمُستبدة للمُستعمر.
وقد استغل سعد وهبة ككاتب للسيناريو إشارات الأديب في الرواية فأوحى بتفسخ المناخ الاجتماعي واصطدام الشخصيات السوية، بالشخصيات الانتهازية كشخصية عباس الحلو، التي جسدها صلاح قابيل، ذلك الحلاق العاشق لحميدة والمصدوم في حبه لها، فهو شاب مستقيم لا يرى فيها غير ما يجذبه من آيات الجمال والدلال. وأيضاً حسين ابن المعلم كرشة القهوجي «حسن يوسف» يبدو أكبر من سنه على مستوى الخبرة والإدراك لما يدور حوله من تناقضات ومُتغيرات، هذا الشاب حسم المسألة من البداية وتخلى عن كل المثاليات وتعامل بواقعية شديدة تُلائم الظروف الجديدة للحارة، ولأنه يعي مواطن الضعف داخله، بات يلجأ إلى المُسكرات والخمور كوسيلة لتغييب الوعي والهروب من القُبح والضغوط.
أما المعلم كرشة «محمد رضا» فلم يُلق بالاً لشيء غير متعته الوقتية في الاشتباك الخفيف مع زبائن المقهى حيناً، ومتابعة الأحداث السياسية أحياناً أخرى من باب التمني بزوال الاحتلال وجلائه، لعودة الاستقرار للحارة التي تُمثل قلب الوطن وروحة.
ويوضح المخرج حسن الإمام في الكثير من المشاهد حالة اللامبالاة التي غلبت على سلوك الأبطال والشخصيات الثانوية، فانشغلوا باللهو مع الراقصات والساقطات، وهي حيلة ذكية من المخرج لتنشيط الجانب التجاري لزيادة إيرادات شباك التذاكر، وضمان نجاح الفيلم جماهيرياً، وفي الوقت نفسه التأكيد على المعنى الدلالي للرواية التي تطرح صور الهزيمة والعدمية، لاستبيان واقع مصر المحروسة في ظل الاحتلال البريطاني.
انتهت أحداث فيلم «زقاق المدق» بمقتل البطلة حميدة برصاصة طائشة، للتعبير عن سوء العاقبة لمن اختارت طريق الفساد والمجون وفرطت في أعز ما تملك، وبالطريقة نفسها وبرصاصة أخرى أطلقتها الراقصة سامية جمال التي استباحت عرضها وشرفها وحياتها، قُتل فرج القواد (يوسف شعبان) لتتجلى النهايات في أبشع صورها الإنسانية.

كاتب مصري

أخبار ذات صلة

0 تعليق