عمان ـ «القدس العربي»: الزهد الذي أظهره عضو مجلس النواب الأردني، أحمد قطاونة مرتين بالتتالي الأسبوع الماضي، يستوجب التوقف والتأمل، لكنه في الواقع يستحق الإشادة، وإن كان يعكس في تفصيلاته قدرات الحركة الإسلامية الكبيرة على الحد من طموحات الشخص والفرد لصالح التنظيم، ويعكس مستوى الالتزام والرسالة السياسية، ثم الانضباط التنظيمي داخل حزب «الأمة».
ما حصل مرتين في يومين متتاليين مع القطاونة، لم ولا يحصل، في الأحزاب السياسية الأخرى.
القطاونة رشحه رفاقه لانتخابات داخلية في حزب «الأمة» لموقع الأمين العام. رفض الرجل بداية، مطالبا السماح له بالتفرغ لدوره البرلماني، لكن إزاء الإلحاح وافق على ترشيح نفسه في مواجهة القيادي الشاب معاذ الخوالدة.
جولة الانتخابات التي كانت ساخنة وتمثل تيارين داخل حزب «الأمة»، الأولى انتهت بفارق لا يزيد عن 13 صوتا من نحو 700 مشارك في المؤتمر العام للحزب. اللوائح الداخلية تنص على جولة ثانية لأن الخوالدة رغم الفارق لم يحسم فوزه في الجولة الأولى، فتصدر القطاونة المشهد مجددا، مظهرا ترفعه الشخصي عن المزاحمة واحترامه لنتائج صندوق الاقتراع عبر إصراره على الانسحاب من الجولة الثانية .
النتيجة كانت إعلان فوز الخوالدة، وهو قيادي شاب ديناميكي بالرغم من اختلاف وجهات النظر مع القطاونة، مما دفع مراقبين كثر للإشادة بالقطاونة وعلى رأسهم الناشط النقابي البارز أحمد زياد أبو غنيمة.
أخرون في المستوى السياسي بالرغم من الخصومة مع الإسلاميين أظهروا التقدير لالتزامهم بنتائج ما يفرزه صندوق الانتخاب الداخلي.
عمليا كان القطاونة أول المهنئين لخصمه الانتخابي الخوالدة الذي أصبح أمينا عاما لأهم أحزاب البلاد وأكبرها.
في جولة لاحقة وعلى مستوى كتلة حزب «الأمة» اقترح رئيس كتلة الحزب صالح العرموطي، وهو بالمناسبة غير مسجل في عضوية وسجلات الحزب، التنحي عن موقعه كرئيس الكتلة لصالح القطاونة تقديرا لموقف الثاني في تمرير الانتخابات والتنازل لزميله الخوالدة.
مجددا هنا ظهرت انحيازيات القطاونة للصالح العام وصرح علنا بأنه لن يقبل على نفسه رئاسة الكتلة ما دام فيها شخص كبير من وزن العرموطي، ولفت القطاونة أنظار الجميع في الواقع.
لكن ما فعله كان بمثابة درس على مستويات الالتزام داخل التيار الإسلامي بنتائج الانتخابات الداخلية والاحترام المطلق لها بصرف النظر عن النتائج والخلافات، وحتى بصرف النظر عن الصراعات عندما تحصل بين الأجنحة والشخصيات واللجان.
عمليا انتهى حزب الأمة من الاقتراع الانتخابي الديمقراطي في فرز مؤسساته النظامية الداخلية. لكن الرسالة التي يسجلها الحزب بعد ذلك حتى بتقدير العرموطي تبقى مثالا لتحييد الطموحات الفردية لصالح المؤسسة والمصالح العامة.
أظهر حزب «الأمة» قدرة تنظيمية لافتة جدا للنظر على تنظيم انتخاباته الداخلية من دون تصدعات ومن دون حصول احتقان داخلي، حيث عبرت الانتخابات بإدارة حريصة وبدقة ولم تحصل انسحابات ولا انشقاقات والأهم من دون تدخل خارجي من أي صنف يقترح أو ينصح هنا أو هناك.
حزب «الأمة» بعد تشكيل مجلس الشورى فيه ثم مكتب الأمانة العامة ينهي باحتراف ملفات التجاذب الداخلي ويتهيأ لممارسة دوره الوطني الفعال في خريطة الأحزاب كمؤسسة حزبية منتجة ومنضبطة ولا أحد يمكنه الملاحظة على التزامها القانوني، فيما الاستثمار اللاحق سياسيا سيبقى ويتكرس على جبهة كتلة الحزب النيابية والتي تشكل أغلبية قياسا ببقية كتل الأحزاب الوسطية. ما نجح به حزب الأمة هو ترتيب انتخابات داخلية ديمقراطية تماما هي الأولى بعد قرار حظر جماعة الإخوان الشهير، وبعد تعديل النظام الأساسي للحزب.
المحلل الإسلامي البارز الدكتور رامي العياصرة قال لـ«القدس العربي» إن أبناء حزب «الأمة» يتطلعون إلى مستقبل مؤسسي .
وتوقع كثيرون خارج الحزب حصول تصدعات بعد انتخابات الأمين العام الأخيرة بين تيارين يمثلان الصقور والمعتدلين.
لكن الآمال خابت بحصول ذلك والجناح الذي خسر من مؤسسي وأبناء الحركة الإسلامية في تلك النسخة الانتخابية كان أول من التزم بالنتائج، وسط الإرشادات الخارجية المتعددة بقدرات التنظيم.
تلك انتخابات أغلق ملفها الآن، والأمين العام الجديد برأي السياسي مروان الفاعوري عليه التطلع نحو المأسسة والمستقبل، حيث أن وحدة صف التيار الإسلامي برأي الفاعوري وآخرين، مكسب كبير ليس للإسلاميين فقط، ولكن للوطن برمته، خصوصا وأن ما حصل من تفاعلات العملية الانتخابية يستوجب الإشادة ويستحق التقدير بما في ذلك ترفع القطاونة عن المزاحمة.
حزب «الأمة» في النتيجة أنهى مشوار الانتخابات الداخلية بذكاء ونجاح، ورسائل الانتخابات مسيسة ومعتدلة في مواجهة الضخ الجائر تحريضيا على الحزب والتيار سواء تحت قبة البرلمان أو خارجه. الفرصة متاحة أمام القيادة الجديدة لبرمجة سياق عمل برامجي حزبي يبقي حزب «الأمة» في الصدارة تشريعيا وسياسيا بعيدا عن التقلب في الزوايا الضيقة.
لماذا أثارت انتخابات «حزب الأمة» الاهتمام في الأردن؟
لماذا أثارت انتخابات «حزب الأمة» الاهتمام في الأردن؟







0 تعليق