الخرطوم ـ «القدس العربي»: ترفض الولايات المتحدة منح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تأشيرة للسفر إلى نيويورك وإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفق ما أفاد مصدران دبلوماسيان لوكالة «فرانس برس» وهو ما أكدته المنظمة الدولية.
«انتهاك واضح»
وقال أحد المصدرين الدبلوماسيين إن امتناع الولايات المتحدة عن منح التأشيرة يشكل «انتهاكا واضحا لاتفاق الأمم المتحدة مع الولايات المتحدة». وأفاد المصدر الآخر بأن واشنطن، التي دفعت مرارا في اتجاه إجراء محادثات للتوصل إلى هدنة في السودان «اشترطت لمنح البرهان التأشيرة موافقته على هدنة لمدة ثلاثة أشهر».
لكن الحكومة السودانية ترى أن الهدنة لن تؤدي إلا إلى إتاحة المجال أمام قوات الدعم السريع لإعادة تنظيم صفوفها وشن هجمات.
ونقلت صحيفة «السودانية نيوز» عن مصادر قولها إن البرهان رفض الشرط الأمريكي، الأمر الذي يضع مشاركته المرتقبة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام مزيد من التعقيدات، وقد يضطر إلى إلقاء كلمته عبر تقنية الفيديو في حال استمرار تعثر إصدار التأشيرة.
وانتقدت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لم يتطرّق إلى مسألة التأشيرة، غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدّما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد.
وقال المتحدث باسم الخارجية تومي بيغوت «لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا قياداتهما تمثل سلطة شرعية ودستورية في السودان، إذ إنها تحكم بقوة السلاح وحدها». وأضاف في بيان أن «سلوك قائدي الفصيلين المتحاربين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد». وقال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، في تغريدة على منصة إكس الأربعاء إنه «من الجيد حضور فعالية السودان خلال أسبوع المستوى العالي في الجمعية العامة للأمم المتحدة».
وأضاف: «يستحق الشعب السوداني هدنة إنسانية تسهل الحوار السوداني- السوداني»، مشيرا إلى أن «الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لا يمثلان حكمًا شرعيًا دستوريًا للسودان.
وأكد الحاجة إلى توسيع الحظر الأممي على الأسلحة وزيادة تكلفة النزاع على جميع المقاتلين.
في المقابل، قال مصدر دبلوماسي سوداني إن الحكومة ترى أن مواقف مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية أصبحت «منحازة بشكل كبير» خلال الفترة الأخيرة، معتبراً أن ذلك لا يساعد، من وجهة نظر الحكومة، على تهيئة مناخ مناسب لجهود السلام.
وأضاف المصدر أن الحكومة السودانية لا تتعامل مع الضغوط باعتبارها أساساً لاتخاذ مواقفها، وإنما تنظر إلى المبادرات الخارجية من زاوية مصلحة البلاد.
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه البالغ» إزاء عدم إصدار الولايات المتحدة تأشيرة دخول للبرهان.
وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، إن غوتيريش «يحض الدولة المضيفة على ضمان إصدار التأشيرات وفقاً لالتزاماتها بموجب اتفاق المقر، وفي الوقت المناسب لتمكين الرئيس من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة». وأضاف: «أن المشاركة الكاملة لجميع الوفود في أعمال المنظمة ضرورية لحسن سيرها»، موضحاً أن الأمانة العامة «أثارت المسألة فوراً مع السلطات الأمريكية، ولا تزال على تواصل معها». وكان سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث قد طلب من الأمين العام التدخل لدى السلطات الأمريكية بالخصوص. ويستند الموقف السوداني إلى اتفاق المقر المبرم بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، والذي ينظم التزامات الدولة المضيفة تجاه المنظمة وممثلي الدول الأعضاء المشاركين في أعمالها.
رفضت منحه تأشيرة واشترطت قبوله هدنة لـ3 أشهر… وغوتيريش يعرب عن قلقه
وقال المحلل السياسي محمد عبد الرحمن في حديثه لـ «القدس العربي» إن الموقف الأمريكي يعد محاولة للضغط على الحكومة السودانية للموافقة على مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن المقترح الذي قدمه بولس، كانت عليه عدة ملاحظات أبدتها الحكومة السودانية. وأضاف أن الضغط بهذه الطريقة غالباً قد يكون بسبب تدخل جهات خارجية لديها مصلحة في استمرار الحرب. وأشار إلى أن عدداً من الوفود السياسية المعارضة وصلت بالفعل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الخرطوم، دعا القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول إلى تجنب الدخول في مواجهة دبلوماسية أو إعلامية مع الإدارة الأمريكية، مؤكداً أهمية إبقاء قنوات الحوار مفتوحة والتعامل المباشر والهادئ مع واشنطن، رغم الخلافات بشأن الملف السوداني.
وقال إن السودان يحتاج إلى بناء علاقاته الخارجية على أساس المصالح المتبادلة والاحترام والحوار المباشر، داعياً إلى تجنب التصعيد وترك الأبواب مفتوحة أمام تفاهمات يمكن أن تسهم في دعم السلام والاستقرار.
وفي نيويورك، بدأ أعضاء من الوفد السوداني الرسمي تحركاتهم للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة واللقاءات المرتبطة بالأزمة السودانية. ووصل وزير الخارجية والتعاون الدولي محيي الدين سالم إلى نيويورك في وقت مبكر، وأجرى لقاءات مع مسؤولين أمميين وممثلين عن دول ومنظمات معنية بالملف السوداني.
وشارك حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي في اجتماعات الوفد الحكومي، ومنها لقاءات مع مسؤولين أمميين ركزت على الوضع الإنساني في إقليم دارفور ومناطق أخرى متأثرة بالحرب. كما عقد وزير الخارجية السوداني لقاءات مع مسؤولين في الأمم المتحدة، من بينهم منسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، لبحث تطورات الوضع الإنساني واحتياجات السكان.
وبالتزامن مع تحركات الوفد الحكومي، وصل إلى نيويورك وفد تحالف «صمود» المعارض بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، في زيارة قال التحالف إنها تستهدف إجراء لقاءات مع مسؤولين دوليين وممثلين عن دول ومنظمات إقليمية ودولية على هامش اجتماعات الجمعية العامة.
والتقى حمدوك، الأحد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، وبحث معها تطورات الحرب والأوضاع الإنسانية وسبل تسريع وصول المساعدات إلى المتضررين. وقال تحالف «صمود» إن وفده دعا الأمم المتحدة إلى تنسيق جهود الوساطة الدولية والإقليمية وربط المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية في عملية واحدة لإنهاء الحرب.
كما التقى وفد «صمود» وزير الدولة النرويجي للشؤون الخارجية أندرياس كرافيك في نيويورك، وناقش اللقاء حسب التحالف إنهاء الحرب والأزمة الإنسانية. وقال إنه دعا إلى دعم هدنة إنسانية غير مشروطة، إلى جانب عملية سياسية شاملة تقود إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
الهدنة أولوية
وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، دعا تحالف «صمود» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لجعل الهدنة الإنسانية الشاملة أولوية، وتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، إلى جانب حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتتزامن هذه التحركات السودانية المتوازية في نيويورك مع اجتماع رفيع المستوى بشأن السودان على هامش اجتماعات الجمعية العامة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، لبحث تطورات الحرب والأزمة الإنسانية وسبل الدفع نحو هدنة ومسار سياسي.








0 تعليق