ضجيج ما بعد قطع العلاقات مع الإمارات

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حجم الخط

أشعر بالارتياح لتوقف الحملة العنيفة في وسائل الإعلام الجزائرية على الإمارات العربية المتحدة. وأتمنى أن تختفي هذه الحملة بلا رجعة.
شعوري هذا ليس نابعا من حُب للإمارات، بل خوفا على الجزائر وحرصا على ما تبقى من إعلامها الذي يتآكل بسرعة.
طيلة نحو أسبوعين عقب إعلان وزارة الخارجية الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، لم تتوقف «الآلة» الإعلامية الجزائرية، حكومية خاصة، عن حملة مكثفة ضد الإمارات. في كثير من الأحيان حادت الحملة عن أبسط متطلبات العمل الإعلامي المتعارف عليها، وفي بعض الأحيان تجاوزت حدود الذوق العام. رغم حدّتها أشك أن الحملة حققت الأهداف التي أرادها أصحابها لأن السر ليس في الحدّة والضجيج العالي.
نظرا لخطورته وجرأته، من الطبيعي أن يحظى قرار قطع العلاقات بتغطية مكثفة في وسائل الإعلام الجزائرية منذ لحظة إعلانه. لكن بعد منح الحدث ما يستحق من شرح وتوضيح، وكشف ما يستحق من معلومات تتعلق به، يجب أن تعود الحياة إلى طبيعتها ما لم يحدث ما يدعو إلى فتح الموضوع من جديد. إذ لا جدوى من قطع العلاقات مع بلد ثم تخصيص أكبر المؤسسات الإعلامية في البلاد لشتمه والإساءة إليه ليلا ونهارا.
في حقيقة الأمر، التغطية المكثفة وُجدت، لكنها ظلت بلا جهد موثوق، أقرب إلى الدعاية، وفي اتجاه غير مناسب وغير لائق بالجزائر ومكانتها. كانت حملة حد التخمة، لكنها لم تخرج عن القوالب الجاهزة في قاموس الإعلام الجزائري المتعلق بالإمارات.. حجمها الصغير الذي اختُزل في كلمة «الدويلة»، عمرها الذي يقل عن عمر شركة من الشركات الجزائرية، إرثها الإنساني المنعدم، وأفضال الخبرة الجزائرية في ميلاد شركة النفط الإماراتية العملاقة «أدنوك». وطبعا دور الإمارات إقليميا، هرولتها نحو التطبيع مع إسرائيل، و»قرار الجزائر السيد» في قطع العلاقات معها.
كل هذا فيه نصيب كبير من الصواب. لكن الخلل في السياق الذي وُظَّف فيه وفي الإطار الذي رُسم للإعلام الجزائري (أو رسمه لنفسه) ليدور فيه: كمٌّ هائل من القذف والسب والإساءة. كسل واضح عن البحث الجاد انعكس في لجوء كثيف إلى صور منصات التواصل الاجتماعي وإلى مواد مرت سنوات طويلة على نشرها في بعض وسائل الإعلام العربية والدولية (دون مراعاة حقوق الملكية والجوانب القانونية والمعنوية).

 الخلل في السياق الذي وُظَّف فيه وفي الإطار الذي رُسم للإعلام الجزائري (أو رسمه لنفسه) ليدور فيه: كمٌّ هائل من القذف والسب

وسط هذا الضجيج، لم يسمع الجزائريون والمهتمون بالموضوع من الإعلام الجزائري سببا واضحا أو معلومة دقيقة عن حقيقة ما وراء قرار قطع العلاقات. ولم يتابعوا تحقيقا واحدا جادا عمّا فعلت الإمارات، وعن دوافع الغضب الجزائري الشديد منها.
كان لافتا أن الإعلام الجزائري في حملته الصاخبة تلك، لم يستجوب أو يستضف أيّ مسؤول رسمي حول الموضوع. ضف إلى ذلك أن المسؤولين الجزائريين لا يستعملون منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن مواقف أو تبليغ قرارات. النتيجة حملة دعائية كبرى لكن وسط جفاف إعلامي صارخ.
مفهومٌ أن أسرار الدول وقضايا الأمن القومي والعلاقات الدولية لا يمكن نشرها على الملأ. لكن في المقابل، من الحكمة عدم ملء الفراغ الذي يترتب عن الحذر ودواعي الأمن القومي والمصالح العليا للأمم ببرامج تلفزيونية ومواد دعائية موغلة في الإساءة للآخرين.
لقد زاود الإعلام الجزائري حتى على البيان الرسمي لوزارة الخارجية. بسرعة هائلة انتقلت التغطية من نقد سياسي للإمارات إلى خطاب تعبوي حاد، وفي بعض الحالات إلى اتهامات فضفاضة تتجاوز ما أعلنته الحكومة الجزائرية رسميا.
أتناول هذا الموضوع ليس حزنا على الإمارات، وإنما أسفاً على توظيف الإعلام الجزائري بهذه الطريقة في هذا القرار. وهو قرار سيّد لم يكن بحاجة إلى حملة دعائية، خصوصا إذا كان من غير الواضح هل الحملة نوع من التبرير الذاتي للقرار أم لإقناع الآخرين به.
مَن يريد أن يكشف الدور الإماراتي في المنطقة، ويعمل بجد من أجل ذلك سيجد من المواد والمصادر أكثر مما يحتاج. في ما يتعلق بالجزائر، عصابة الراحل بوتفليقة هي التي مكّنت للإمارات. لو كان الذين قاتلوا إعلاميا من أجل كشف دور الإمارات جادين في مسعاهم، فالمصادر والأسرار في متناولهم وموجودة في مخازن الوزارات والجهات الحكومية العليا على مرمى حجر من مبنى التلفزيون الحكومي. لكن يبدو أن تغلغل الإمارات في الاقتصاد الجزائري أكبر من أن يجرؤ القائمون على الشأن العام الجزائري على تسريبه لوسائل الإعلام.
كانت هناك طريقتان أمام الإعلام الجزائري للتعامل مع مشهد ما بعد قرار قطع العلاقات مع الإمارات: الأولى أن ينسى الموضوع ويتفرغ للقضايا التي تعوّد عليها، وهي مريحة لا صداع يأتي منها. وفي هذه الحالة يمكن وصف التصرف بأنه حكيم وذكي ويحيل إلى علو شأن صاحبه وثقته في نفسه. الطريقة الثانية أن تقطع العلاقات ثم تقرر مواصلة استهداف خصمك (الإمارات في هذه الحالة)، لكن باحترافية ووضوح وثقة في النفس. وبما أن الطريقة الثانية صعبة ومكلفة وأكبر من الإعلام الجزائري في وضعه الحالي المتردي، تبقى الطريقة الأولى أفضل وأسلم.

٭ كاتب صحافي جزائري