لم تعد أزمة ارتفاع الأسعار بالنسبة للأسر المصرية مجرد أرقام تظهر في نشرات التضخم أو زيادات متفرقة تطرأ على أسعار السلع والخدمات، وإنما تحولت إلى سؤال يومي داخل كل بيت، كيف يكفي الدخل حتى نهاية الشهر؟ ومع استمرار ارتفاع تكلفة العديد من الاحتياجات الأساسية، أصبحت ميزانية الأسرة ساحة لإعادة الحسابات بصورة مستمرة، بنك يتم تفعيله وآخر يتم تأجيله واحتياجات كانت تبدو هادئة قبل سنوات وأصبحت تحتاج إلى تخطيط مسبق قبل الإقدام عليها.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم في مصر بلغ 14.3% في يونيو 2026 مع توقعات بارتفاع متوسطة خلال النصف الثاني من العام إلى 16.7% فيما يتوقع الصندوق تباطؤ نمو الاقتصاد خلال السنة المالية 2026 /2027 إلى 4.4%، وبعيدًا عن لغة الأرقام، تعني هذه المؤشرات بالنسبة للأسر شيئا أكثر مباشرة، الدخل نفسه أصبح مطالبا بتغطية تكلفة أكبر من الاحتياجات بينما يتقلص المساحة المتاحة للادخار أو الإنفاق غير الضروري.
من "نشتري إيه؟" إلى "نستغني عن إيه؟"
وفي هذا السياق، قال النائب محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، إن التحول البارز الذي تفرضه موجة الغلاء لا يتعلق فقط بارتفاع قيمة فاتورة المشتريات، وإنما بالطريقة التي تتخذ بها الأسر قراراتها، فمع ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة والنقل والتعليم والرعاية الصحية، أصبحت المفاضلة بين الاحتياجات أكثر حضورًا في الحياة اليومية، بينما تتراجع قدرة بعض الأسر على تخصيص جزء من دخلها للادخار أو للمشتريات المؤجلة، وهنا تظهر المشكلة بصورة أكبر، كل زيادة جديدة في الأسعار لا تعني فقط دفع مبلغ إضافي وإنما قد تعني التخلي عن بند آخر من بنود الميزانية.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية الحالية تعكس تغيرا في طريقة إدارة الأسرة المصرية لدخولها، موضحا أن ارتفاع تكلفة المعيشة يجعل الأسرة مطالبة بإعادة ترتيب بنود الإنفاق بصورة مستمرة خاصة مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن المشكلة لا ترتبط بمستوى الأسعار فقط، وإنما بقدرة الأسرة على تكوين هامش مالي يسمح لها بمواجهة الاحتياجات الطارئة والمستقبلية، لافتا إلى أن تراجع القدرة على الإدخار يجعل أي زيادة جديدة في تكلفة المعيشة أكثر تأثيرا على ميزانية الأسرة ويقلل من قدرتها على مواجهة الظروف غير المتوقعة.
الإدخار أول ضحية للغلاء
ويرى فؤاد أن التعامل مع المرحلة الحالية يتطلب تعزيز ثقافة الإدخار والتخطيط المالي إلى جانب توسيع نفاق الشمول المالي وإتاحة أدوات ادخار واستثمار مناسبة لمختلف شرائح المجتمع كما يشدد على أهمية توجية التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية التي تساهم في زيادة فرص العمل والادخار، كما يساعد على تحسين قدرة الأسرة على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة
الأسرة أمام معادلة توزيع دخل محدود على احتياجات أساسية متعددة
ومن جانبه، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، في تصريح خاص لـ “فيتو”، إن المواطن أصبح يتعامل مع ارتفاع الأسعار باعتباره عاملا رئيسيا في تحديد أولوياته اليومية، موضحا أن الزيادات المتتالية في تكلفة السلع والخدمات دفعت الأسر إلى مراجعة أنماط الانفاق والبحث عن بدائل تتناسب مع قدراتها المالية.
وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على السلع المعمرة، وإنما تمتد إلى قطاعات أساسية مثل التعليم والخدمات الطبية والنقل والغذاء، وهو ما يجعل تأثير ارتفاع الأسعار أكثر اتساعا على ميزانية الأسرة، مشيرا إلى أن زيادة تكلفة هذه البنود تدفع الأسرة إلى المفاضلة بصورة أكبر بين الاحتياجات وتأجيل بعض القرارات غير الضرورية لحين تحسين القدرة المالية.
ويرى أن عندما يذهب الجزء الأكبر من الدخل إلى الاحتياجات الأساسية، تصبح فكرة تكوين احتياطي مالي أكثر صعوبة وهذا الجانب ريما يكون من أكثر التأثيرات أهمية لأن الأسرة التي تنفق كامل دخلها على احتياجات الشهر، نجد نفسها أكثر عرضة للاضطراب عند ظهور مصروف مفاجئ سواء كان متعلقا بالعلاج أو التعليم أو إصلاح أحد الأجهزة أو أي التزام طارئ.
الأجهزة المنزلية تتحول من شراء عادي إلى "قرار"
في هذا الإطار، قالت الدكتورة يمن الحماقي أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس: في السنوات السابقة كان شراء جهاز منزلي جديد أو استبدال جهاز قديم قرارا يمكن أن يدخل ضمن المصروفات المعتادة لبعض الأسر، أما مع ارتفاع الأسعار فاصبح شراء السلع المعمرة مرتبطا بصورة أكبر بالسؤال عن الأولوية والتوقيت والقدرة على الدفع.
وتوضح أن إرتفاع السلع والخدمات أصبح عاملا مؤثرا بصورة مباشرة على قرارات الأسر خاصة مع ارتفاع تكلفة الأجهزة المنزلية والاحتياجات الأساسية إلى جانب زيادة أعباء التعليم والخدمات المرتبطة به، وأضافت أن الأسرة التي كانت تستطيع في السابق تخصيص جزء من داخلها لبعض الاحتياجات غير الأساسية أصبحت مطالبة حاليا بإعادة ترتيب إنفاقها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات الشهرية.
هل يدفع الغلاء الأسر إلى قرارات متعلقة بالتعليم؟
وتشير الحماقي إلى أن الضغوط قد تمتد الى قرارات متعلقة بالتعليم، حيث قد تضطر بعض الأسر إلى اختيار بدائل أقل تكلفة بما يتناسب مع قدراتها المالية، وتؤكد أن استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة لا يؤثر فقط على قرارات الشراء اليومية، وإنما يمتد إلى القرارات طويلة الأجل خاصة المتعلقة بالتعليم والادخار والاستثمار ومستوى المعيشة.
خريطة الإنفاق تتغير.. والرفاهية تتراجع
وتوضح الدكتورة يمن أن الضغوط على ميزانية الأسرة المصرية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار السلع والخدمات، وإنما أصبحت تمتد إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق مع استحواذ الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والطاقة والنقل والتعليم والرعاية الصحية على نسبة أكبر من الدخل بما يقلص المساحة المتاحة للترفيه والسفر والادخار والمشتريات غير الضرورية.