كشفت أعمال الموسم الـ54 من البعثة الألمانية لـ إلفنتين الأثرية في أسوان، عن تقدم جديد في دراسة إنتاج النحاس وصناعة المعادن في مصر القديمة، من خلال مراحل متعددة من البحث أجريت في موقع إلفنتين نفسها، ثم استكملت في القاهرة باستخدام تقنيات تحليلية متقدمة.
وشارك في الدراسات عالم الآثار المتخصص في علم المعادن جيري كموسيك من معهد العلوم والتكنولوجيا في الفن التابع لأكاديمية الفنون الجميلة في فيينا، والمعهد النووي للفيزياء التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية التشيك، إلى جانب عالم المصريات مارتن أودلر من جامعة نيوكاسل، كلية التاريخ والكلاسيكيات والآثار.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن إلفنتين أصبحت واحدة من المواقع الرئيسية لفهم تطور صناعة النحاس في مصر خلال فترة الأسرات المبكرة، بعد العثور على أدلة تمثل مراحل مختلفة من إنتاج المعادن، بداية من الخامات وحتى المنتجات النهائية.
تقنيات حديثة لقراءة أسرار المعادن القديمة
خلال الفترة من 14 إلى 23 أكتوبر 2025، استخدم الباحثون جهازين محمولين لتحليل الأشعة السينية الفلورية (pXRF) في موقع إلفنتين بشكل متزامن، بهدف ضمان إمكانية مقارنة البيانات الناتجة عن التحليلات المختلفة ضمن مشروع البحث المستمر حول علم المعادن والصناعات المعدنية في مصر القديمة.
واستخدم الباحثون جهاز "Thermo Scientific Niton XL3t pXRF" التابع للمعهد الألماني للآثار بالقاهرة، وتمت مقارنة نتائجه مع القياسات التي أجراها جهاز Bruker S1 Titan pXRF، حيث تم تشغيل الجهازين بواسطة الباحث جيري كموسيك.
138 تحليلًا تكشف مراحل صناعة النحاس
ركزت المرحلة التالية من البحث على المواد الأثرية المرتبطة بصناعة المعادن التي عثر عليها خلال موسمي الحفائر الـ 52 والـ53 في إلفنتين.
وتعود تلك المواد إلى عصر الأسرة الثانية، وكانت قد وجدت في سياق أثري تمت مناقشته في التقارير السابقة للبعثة.
وضمت المجموعة المكتشفة بقايا من 58 وحدة أثرية، وكانت غالبية القطع عبارة عن أجزاء صغيرة من مخلفات أو أدوات مرتبطة بصناعة المعادن.
وباستخدام جهاز التحليل الطيفي المحمول للأشعة السينية الفلورية التابع للمعهد الألماني للآثار بالقاهرة، حلل جيري كموسيك مجموعة ممثلة من هذه المواد.
وسجل الباحثون خلال الدراسة 138 طيفًا منفصلًا، جرى تحليلها وتقييمها، لتحديد طبيعة المواد المستخدمة ومراحل التصنيع التي مرت بها.
وأظهرت النتائج وجود مواد تمثل جميع مراحل إنتاج المعادن، بداية من خامات المعادن، مرورًا بقطع البوتقات الفخارية المستخدمة في الصهر، وقطرات المعادن الناتجة عن عملية الإنتاج، والخبث وهو المخلفات الناتجة عن عمليات التعدين والصهر، وصولًا إلى الأدوات النهائية المصنوعة من المعدن.
السبيكة الأكثر انتشارًا في الاكتشافات
كشفت التحليلات أن السبائك التي تم التعرف عليها كانت في معظمها سبائك من النحاس الزرنيخي، وهى سبائك ترتبط بفترة الأسرات المبكرة في مصر.
وأشارت الدراسة إلى أن جميع العينات التي خضعت للتحليل تم وزنها ووصفها، ومع دمج نتائج التحليل العلمي مع السياق الأثري للعثور عليها، أصبح من الممكن إعداد دراسة تجمع بين التطور الزمني لصناعة المعادن والتغيرات التي طرأت عليها عبر العصور.
واختار الباحثون 7 عينات لإجراء المزيد من الدراسات المعملية داخل معمل المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، بهدف الحصول على بيانات علمية إضافية حول طبيعة المواد وتقنيات إنتاجها.
أقدم بوتقة لصهر المعادن تكشف ريادة إلفنتين
ومن بين القطع التي لفتت اهتمام الباحثين بشكل خاص، قطعة البوتقة رقم 53301B/i-11، التي تمثل ثاني أقدم بوتقة معروفة حاليًا في مصر.
ووفقًا للدراسة، فإن أقدم مثال معروف لبوتقة صهر المعادن يعود إلى فترة نقادة الثالثة (Naqada IIIB)، وهو أيضًا من موقع إلفنتين.
كما توجد بوتقة أخرى تعود إلى عصر الأسرة الثانية في موقع الكاب، بينما تم الإبلاغ عن قطعة محتملة لبوتقة تعود إلى عصر ما قبل الأسرات في هيراكونبوليس، إلا أن هذه المادة لم تُنشر بشكل كافي وما زالت غير مفهومة بشكل كامل.
ويعزز هذا الاكتشاف مكانة إلفنتين باعتبارها موقعًا محوريًا لفهم بدايات صناعة النحاس في مصر القديمة، خاصة خلال الفترات المبكرة من التاريخ المصري.
نقل 46 عينة إلى القاهرة لمزيد من الفحوص العلمية
وفي مارس 2026، تم نقل 46 عينة من بقايا صناعة المعادن من مخازن الآثار في إلفنتين وأسوان إلى مركز الأركيومتريا التابع للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، بعد الحصول على موافقة ودعم وزارة السياحة والآثار المصرية.
وشملت العينات مواد من أحدث حفائر المدينة الشرقية في إلفنتين، بالإضافة إلى عينات من مواسم حفائر سابقة، من بينها بقايا مرتبطة بأعمال المعادن من مستوطنة نقادة التي نشرها الباحث بيتر كوب عام 2006.
الفحص بالمجهر الإلكتروني يكمل رحلة الكشف
في الأول من أبريل 2026، خضعت مجموعة مختارة من العينات للفحص باستخدام الأشعة السينية، وذلك في مركز أبحاث تكنولوجيا النانو بالجامعة البريطانية في مصر.
ويتيح هذا النوع من التحليل دراسة التركيب الدقيق للمواد المعدنية، إلا أن تقييم النتائج ونشرها ما زالا قيد العمل وفقًا للباحثين.
وتكشف الدراسة الجديدة أن جزيرة إلفنتين لم تكن فقط موقعًا أثريًا لحفظ بقايا العمران القديم، بل تمثل أيضًا سجلًا علميًا لفهم كيفية تعامل المصريين القدماء مع المعادن وتقنيات إنتاجها.
- تداول اليوم .. النحاس يتراجع عن مستوياته القياسية وسط ترقب سياسات الفيدرالي - بوابة مصر الجديدة
- أسعار النحاس والمعادن الصناعية ترتفع بدعم تراجع الدولار
- تراجع أسعار المعادن العالمية مع تهديد أمريكا باستهداف طاقة إيران
- مؤسسات ناشئة تُحوّل الجزائر من الإستيراد إلى التصدير
- النحاس يقود طفرة المعادن الأساسية وسط مخاوف نقص الإمدادات






