فاتن خديوى- سارة سعودى
تستعد الحكومة لتنظيم «منتدى مصر ٢٠٢٦»، والذى يستهدف وضع رؤية تنموية حول كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والصناعية والتجارية، وذلك تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بإيلاء الرأى العام أهمية قصوى، والتفاعل مع شواغله وتساؤلاته بقدر واسع من المكاشفة والرؤية المستقبلية.
المنتدى الذى يُعقد خلال الفترة من ١٩ إلى ٢٤ أكتوبر الجارى، يأتى فى مرحلة فاصلة يعيد فيها العالم بأسره تشكيل خريطته وسط صدمات غير مسبوقة، ولهذا تقف الدولة المصرية على عتبة تحول استراتيجى جوهرى مع الإعداد لانعقاد الحدث، الذى يمثل منصة تفاعلية لطرح القضايا الوطنية والاستماع إلى آراء المواطنين والخبراء والمتخصصين.
فى هذا الإطار، حرصت «بوابة مصر الجديدة» على الاستماع إلى نخبة من خبراء القطاع الصحى، لرصد أبرز ما تحقق فى منظومة الصحة، وما تحتاجه المرحلة المقبلة لاستكمال مسيرة التطوير والارتقاء بجودة الخدمات الصحية.
تطبيق قانون المسئولية الطبية.. وحماية وتحسين أوضاع الطبيب لوقف «ظاهرة الهجرة»
قال الدكتور شادى صفوت، أمين صندوق النقابة العامة للأطباء، إن ملف الصحة شهد العديد من الخطوات المهمة، خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال ما تحقق، والتركيز على ملفات تمس الطبيب والمنظومة مباشرة.
ورأى «صفوت» أن قانون «المسئولية الطبية» من أبرز الإنجازات فى ملف الصحة، إلا أن التحدى الحالى يتمثل فى تطبيقه على أرض الواقع، والتعامل مع الوقائع الطبية من خلال الآليات واللجان التى نص عليها، بدلًا من ممارسات قد تؤدى إلى عرض الطبيب على النيابة العامة أو احتجازه فى بعض الحالات.
وأضاف أن الاعتداءات على الأطباء والأطقم الطبية من أخطر الملفات التى تحتاج إلى تدخل حاسم، مؤكدًا أن الحماية يجب أن تشمل الأطباء والتمريض والعاملين وأفراد الأمن وجميع عناصر الفريق الطبى، خاصةً أن توفير بيئة عمل آمنة ضرورة لتمكين الطبيب من أداء مهمته فى إنقاذ حياة المرضى. بينما تمثل الضغوط والإهانة والتهديد والاعتداء بيئة طاردة للكفاءات وتدفع إلى زيادة هجرة الأطباء.
وفيما يتعلق بالأجور، رأى «صفوت» أن مستويات الدخول الحالية لم تعد تتناسب مع طبيعة المهنة وحجم مسئولياتها، وأن الأرقام التى كانت تُطرح سابقًا باعتبارها مناسبة لم تعد كافية فى ظل التغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشددًا على ضرورة تحسين الأجور ووضع حوافز حقيقية للعمل فى مختلف المحافظات، خاصة مع تراجع الفوارق التى كانت تشجع الأطباء على الانتقال للعمل فى المحافظات والمناطق التابعة لمنظومة التأمين الصحى الشامل.
وحذر أمين صندوق نقابة الأطباء من النظر إلى هجرة الأطباء باعتبارها مجرد مصدر للدخل من خلال تحويلات العاملين فى الخارج، مؤكدًا أن القضية ترتبط أساسًا بصحة المصريين ومستقبل المنظومة الصحية.
وأضاف أن فقدان طبيب مؤهل يعنى فقدان سنوات من التعليم والتدريب والخبرة، معتبرًا أن علاج نقص الأطباء لا يعتمد فقط على زيادة أعداد الخريجين، وإنما فى الحفاظ على جودة الطبيب وكفاءته.
وانتقد «صفوت» أى تراجع فى مستوى التدريب العملى لطلاب الطب، مؤكدًا أن الطب مهنة عملية لا تكفى فيها الدراسة النظرية، بل يحتاج الطالب إلى الاحتكاك بالمستشفيات والحالات المرضية والتدريب تحت إشراف الأساتذة طوال السنوات الدراسية المختلفة وبعد التخرج.
وحذر من أن وجود كليات طب لا تمتلك إمكانات تدريبية أو مستشفيات كافية يمثل تحديًا لجودة التعليم، وقد يؤدى إلى تخريج أطباء دون التدريب العملى اللازم، مشددًا على أن إصلاح التعليم الطبى يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من خطة تطوير القطاع الصحى، مع تعزيز التدريب داخل المستشفيات منذ السنوات الأولى لدراسة الطب.
واختتم «صفوت» بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج الانتقال من طرح المشكلات إلى حلول قابلة للتطبيق، تبدأ بالتطبيق الفعلى لقانون المسئولية الطبية، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتحسين أجور الأطباء، والحد من هجرة الكفاءات، وإصلاح التعليم والتدريب الطبى، بما يضمن وجود طبيب مؤهل ومحمى وقادر على تقديم خدمة صحية جيدة للمصريين.
استكمال منظومة التأمين الصحى الشامل.. الحفاظ على الكوادر.. وتوطين صناعة الدواء
ذكر الدكتور إسلام عنان، مستشار السياسة والاقتصاد الصحى وعلم انتشار الأوبئة، أن تطور المنظومة الصحية يمكن فهمه من خلال ٣ مراحل، بدأت بـ«مركزية النظام»، حيث كان التركيز الأساسى على توفير المستشفيات والأطباء والأسرة والأدوية والبنية التحتية اللازمة لتقديم الخدمة، ثم الانتقال إلى «مركزية المريض» من خلال تحسين تجربة المريض وجودة الرعاية وتقليل معاناته ووقت حصوله على الخدمة، وصولًا إلى «مركزية المواطن»، التى تستهدف منع المرض قبل حدوثه وتعزيز الصحة العامة والوقاية.
وأضاف «عنان» أن هذا التحول انعكس على توجهات الإنفاق الصحى، فلم تعد الموازنة موجهة فقط إلى علاج المرضى، وإنما أصبحت تشمل تطوير المستشفيات، وتحسين جودة حياة المريض، والاستثمار فى الوقاية والكشف المبكر، وهو ما ظهر بوضوح فى المبادرات الصحية القومية.
وواصل: «منظومة التأمين الصحى الشامل تمثل أحد أهم الإصلاحات التى شهدها القطاع الصحى، وهى لا تقتصر على توفير العلاج، وإنما تقوم على تغيير طريقة تمويل وتقديم الخدمة الصحية، مع تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين، بالتزامن مع ارتفاع موازنة الصحة بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، والتوسع فى تطبيق التأمين الصحى الشامل».
وأكمل: «إصلاح المنظومة الصحية، خلال السنوات الماضية، ارتكز على ٤ أعمدة رئيسية، هى الحوكمة والهيكلة والرقمنة والميكنة، بما يضمن وضوح أدوار الجهات المختلفة، ومنع تضارب الاختصاصات، وربط الخدمات والبيانات إلكترونيًا».
ووصف «عنان» تجربة مصر فى القضاء على فيروس «سى»، والفحص السكانى ضمن مبادرة «١٠٠ مليون صحة» بأنها من أبرز الإنجازات الصحية خلال العقد الماضى، مؤكدًا أن ضخامة المسح وربط التشخيص بالعلاج والمتابعة تشكل تجربة متقدمة فى مجال الصحة العامة.
كما أشاد بالمبادرات الرئاسية للصحة العامة، التى أصبحت تغطى جميع المراحل العمرية من حياة المواطن، بدءًا من صحة الأم والجنين وحديثى الولادة، مرورًا بالأمراض المزمنة والسرطانات، وصولًا إلى برامج رعاية كبار السن، وذلك لبناء جيل أكثر صحة، والانتقال من علاج المرض إلى الوقاية منه، وبناء خريطة صحية للأمراض، وتوفير بيانات مهمة يمكن الاستفادة منها فى التخطيط الصحى.
وأشار كذلك إلى منظومة قوائم الانتظار، التى حققت تقدمًا مهمًا فى تقليل الوقت اللازم لإجراء عدد من التدخلات والعمليات الحرجة، وخفض متوسط زمن الانتظار، وإدارة الحالات وفق الأولوية الطبية من خلال نظام إلكترونى.
وعن المرحلة المقبلة، قال «عنان» إن استكمال منظومة التأمين الصحى الشامل سيظل أولوية، إلى جانب التوسع فى تصنيع الأدوية البيولوجية محليًا، خاصة أن ٩١٪ من احتياجات مصر الدوائية أصبحت تُنتج محليًا، بينما تمثل المستحضرات البيولوجية أحد المجالات التى تحتاج إلى مزيد من التوطين.
وأشار إلى أهمية استكمال التحول الرقمى، لما له من تأثير مباشر على تحسين التخطيط والشراء الاستراتيجى، وتوجيه الموارد وفق البيانات الفعلية، إلى جانب التوسع فى البحث العلمى والتجارب الإكلينيكية فى مجالات الدواء والصحة.
وأضاف «عنان»: «الحفاظ على الكوادر الطبية ومنع هجرة الأطباء يجب أن يكون على رأس أولويات المرحلة المقبلة، خاصة أن معدل الأطباء البشريين فى مصر يبلغ نحو ٠.٩ طبيب لكل ١٠٠٠ مواطن».
وشدد على ضرورة الاهتمام بطبيب الأسرة والممارس العام باعتبارهما حجر الأساس فى منظومة التأمين الصحى الشامل والرعاية الأولية، مع توفير بيئة عمل ودخل مناسبين.
توفير التدريب والتعليم الطبى المستمر.. استدامة التشغيل والصيانة.. وتعزيز الحماية القانونية
شدد الدكتور أحمد صلاح كامل، أستاذ مساعد جراحة المخ والأعصاب بجامعة القاهرة، على أن تقييم ما شهدته المنظومة الصحية، خلال السنوات الأخيرة، يجب ألا يقتصر على حصر المشروعات والمبادرات، بل النظر إليه باعتباره إعادة بناء للنظام الصحى، وإعادة توزيع لأدواره ووظائفه.
وأوضح «كامل» أن من أبرز التحولات إنشاء وتعزيز كيانات متخصصة مثل هيئة الدواء المصرية، والهيئة العامة للرعاية الصحية، والهيئة العامة للتأمين الصحى الشامل، وهيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وهيئة الشراء الموحد، والمجلس الصحى المصرى، وهو ما يسهم فى الفصل بين وظائف المنظومة، بحيث لا يكون ممول الخدمة هو نفسه مقدمها، مع وجود جهة مستقلة للجودة والاعتماد والرقابة أيضًا.
وأشار إلى أن مشروع «١٠٠ مليون صحة» يمثل أحد أهم الإنجازات، ليس فقط بسبب نجاحه فى الكشف عن فيروس «سى» وعلاجه، وإنما لأنه قدم نموذجًا للمسح الصحى واسع النطاق، انتهى إلى فحص نحو ٦٠ مليون مواطن خلال أقل من عام للكشف عن فيروس «سى» والأمراض غير السارية، بما أسهم فى اكتشاف أمراض مثل السكر وارتفاع ضغط الدم والسمنة، وتوفير قاعدة بيانات مهمة للتخطيط الصحى.
وأضاف أن مبادرة إنهاء قوائم الانتظار تعاملت مع مشكلة تمس المواطن مباشرة، من خلال توظيف إمكانات مستشفيات وزارة الصحة والتأمين الصحى والمستشفيات الجامعية وغيرها كمنظومة واحدة لخدمة «مريض مصرى واحد» وفق احتياجه وأولويته الطبية، وليس وفق قدرته المالية أو مكان وجوده.
ونبه إلى أن الدولة شهدت كذلك توسعًا فى إنشاء وتطوير المنشآت الصحية، خاصة فى المحافظات التى دخلت منظومة التأمين الصحى الشامل، إلا أن التحدى الحقيقى لم يعد فى بناء مستشفى أو شراء جهاز فقط، وإنما فى استدامة التشغيل والصيانة، وتوافر الأطباء والتمريض، وحسن الإدارة، وقياس نتائج العلاج وجودة الخدمة.
وأشار «كامل» إلى أن جائحة «كوفيد-١٩» كانت اختبارًا استثنائيًا، وأكدت أهمية امتلاك قدرات قوية فى الترصد الوبائى والمعامل والرعاية المركزة والمخزون الاستراتيجى من الأدوية والمستلزمات والأكسجين، مشيرًا إلى ضرورة الحفاظ على هذه القدرات وعدم انتظار أزمة جديدة لإعادة بنائها.
وشدد على أن الاعتماد الصحى أصبح جزءًا أساسيًا من إصلاح المنظومة، ويجب أن يرتبط بمعايير فعلية لسلامة المريض، ومكافحة العدوى، وإدارة الدواء، والجراحة، والتخدير، والحوكمة، مشيرًا إلى اعتماد هيئة الاعتماد والرقابة الصحية حتى نهاية عام ٢٠٢٥ نحو ٦٧٨ منشأة صحية فى ٢٦ محافظة.
وأشار إلى أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص فى التأمين الصحى الشامل وفق قواعد واضحة للجودة والتسعير والاعتماد والرقابة، مشددًا على أن المواطن فى النهاية يعنيه الحصول على خدمة آمنة وعالية الجودة بغض النظر عن الجهة المالكة للمنشأة.
ورأى أن التأمين الصحى الشامل يمثل الرهان الأكبر للمستقبل، مشيرًا إلى تطبيقه فى بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان، وتجاوز عدد المسجلين به ٥.٢ مليون مواطن، مع أكثر من ٥٨٠ جهة مقدمة للخدمة متعاقدة مع المنظومة.
واعتبر أن النجاح الحقيقى سيكون باستكمال التغطية لجميع المصريين، وأن يشعر المواطن بتحسن فعلى فى جودة الخدمة وسرعتها وأمانها، مع حمايته من العبء المالى للمرض.
ورأى أن ما تحتاجه المرحلة المقبلة يبدأ بالانتقال من مرحلة تأسيس المنظومة إلى مرحلة الاستدامة وقياس النتائج وتصحيح المسار، مع توحيد الممارسة الطبية وفق الدليل العلمى، وتطوير التدريب والتخصصات الطبية باعتبارهما استثمارًا مباشرًا فى جودة الخدمة.
وشدد على أن الاستثمار فى العنصر البشرى يجب أن يكون أولوية، من خلال تحسين الأجور والحوافز وبيئة العمل، وتوفير التدريب والتعليم الطبى المستمر، إلى جانب الحماية القانونية والمهنية، خاصة فى المحافظات الحدودية والنائية.
التركيز على المخاطر المُهددة لصحة المصريين خاصة التدخين
رأى الدكتور وائل صفوت، استشارى أمراض الباطنة، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال واضح من «إدارة المبادرات» إلى «الاستدامة والوقاية المتقدمة»، بحيث تصبح البرامج الصحية الناجحة جزءًا مستدامًا من هيكل المنظومة الصحية، مع التركيز بصورة أكبر على عوامل الخطورة التى تهدد صحة المصريين، وفى مقدمتها التدخين.
وطالب «صفوت» بتفعيل «اللجنة العليا لمكافحة التبغ»، بما يضمن تنسيق الجهود بين مختلف الجهات المعنية، وتشديد الرقابة على الأسواق ومنافذ بيع منتجات التبغ، خاصة القريبة من المدارس والجامعات، إلى جانب توفير حزم متكاملة ومجانية لمساعدة الراغبين فى الإقلاع عن التدخين، تشمل الدعم النفسى والعلاج الدوائى، وربط هذه الخدمات بوحدات الرعاية الصحية الأولية والخطوط الساخنة الوطنية.
وشدد على ضرورة تطوير السياسات الضريبية والتوعوية والرقابية لمواجهة الترويج لمنتجات التبغ، خاصة عبر المنصات الرقمية، وحظر الإعلانات المباشرة وغير المباشرة التى تستهدف الأطفال والشباب، باعتبار حماية النشء من التدخين أحد أهم الاستثمارات فى صحة الأجيال المقبلة.
وفيما يتعلق باستدامة المنظومة الصحية، أكد «صفوت» أهمية الإسراع فى استكمال تطبيق التأمين الصحى الشامل، والعمل على دمج المبادرات الصحية والوقائية المختلفة بصورة دائمة داخل الهيكل التمويلى للمنظومة، بما يضمن استمرار الخدمات وعدم ارتباطها فقط بمبادرات أو فترات زمنية محددة.
وأشار إلى أن توطين صناعة الدواء والمستلزمات الطبية يجب أن يمثل أولوية أيضًا، خاصة ما يتعلق بالمستحضرات الطبية المعقدة والصناعات الحيوية، بما يعزز قدرة مصر على توفير احتياجاتها الصحية محليًا، ويدعم مكانتها الإقليمية فى القطاع الصحى.
وشدد مستشار منظمة الصحة العالمية السابق على أن تطوير المنظومة الصحية لا يمكن أن يكتمل دون الاستثمار فى العنصر البشرى، من خلال رفع كفاءة الأطباء وأطقم التمريض، وتوفير برامج تدريب مستمرة، إلى جانب توفير بيئة عمل عادلة وجاذبة تضمن استمرار الكفاءات داخل القطاع الصحى، وقدرتها على تقديم أفضل مستوى من الرعاية للمواطنين.




