الدكتور أمين لطفي يكتب: التمكين المؤسسي للقطاع الخاص في الجمهورية الجديدة.. الداء والدواء

منذ ساعة

لم يعد السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا هو: هل نعطي القطاع الخاص دورًا أكبر في الاقتصاد المصري أم لا؟ فالإجابة من حيث المبدأ أصبحت محسومة؛ لا يوجد اقتصاد حديث قادر على تحقيق نمو مستدام، وخلق فرص عمل واسعة وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات من دون قطاع خاص قوي وقادر على المنافسة.

 السؤال الأهم والأصعب هو: كيف نمكّن القطاع الخاص المصري بحيث يصبح شريكًا مؤسسيًا موثوقًا للدولة، ومولدًا للنمو والاستثمار والإنتاج، من دون أن يتحول التمويل أو الحوافز الإدارية أو بعض الممارسات المالية إلى مصادر جديدة للمخاطر؟


وهنا تظهر الحاجة إلى ما أسميه "المبادرة الرئاسية للتمكين المؤسسي للقطاع الخاص في الجمهورية الجديدة". فالمطلوب ليس مجرد فتح مزيد من المساحات الاقتصادية أمام القطاع الخاص، ولا تقديم حوافز إضافية أو قروض جديدة، وإنما بناء بيئة مؤسسية تجعل الشركات الأكثر كفاءة والأكثر استدامة والأفضل إدارةً هي الأكثر قدرة على الحصول على التمويل والاستثمار والتوسع.


الداء: فجوة بين كفاءة القطاع الخاص والثقة المؤسسية فيه

 

 القطاع الخاص، بطبيعته، أكثر مرونة في اتخاذ القرار، وأسرع في الاستجابة للأسواق، وأكثر قدرة على الابتكار وضبط التكلفة من كثير من الكيانات العامة. لكن هذه الميزة لا تعني أن جميع الشركات الخاصة متساوية في الجودة المؤسسية. فداخل القطاع الخاص نفسه توجد شركات ذات إدارة ممتازة وهياكل تمويل متوازنة ومراجعة قوية، كما توجد شركات أخرى قد تتوسع بسرعة على أساس مديونية مرتفعة، أو تربط مكافآت الإدارة بأهداف قصيرة الأجل، أو تدخل في ممارسات ضريبية شديدة العدوانية، أو تعمل في ظل رقابة ومراجعة لا تكفي لاحتواء المخاطر.


المشكلة إذن ليست في "القطاع الخاص" كمفهوم، وإنما في عدم امتلاكنا حتى الآن نظامًا متكاملًا يفرق بوضوح بين القطاع الخاص الكفء والمستدام وبين الشركات التي تحمل داخلها ضغوطًا مؤسسية وتمويلية متصاعدة.


البنك حين يقرر منح التمويل ينظر أساسًا إلى القوائم المالية، والتدفقات النقدية، والضمانات، ونسب المديونية والقدرة على السداد. والمستثمر ينظر إلى الربحية والنمو والسعر والعائد. والجهات الرقابية تنظر إلى الالتزام والإفصاح. وكل طرف يرى جزءًا من الصورة، بينما الخطر الحقيقي قد يكون موجودًا في التفاعل بين هذه العناصر نفسها.


فشركة تحقق أرباحًا جيدة قد تكون في الوقت نفسه شديدة الاعتماد على الدين. وإدارة تحصل على مكافآت مرتبطة بالأداء السريع قد تصبح أكثر استعدادًا لاتخاذ قرارات عالية المخاطر. وشركة تمارس تخطيطًا ضريبيًا شديد العدوانية قد تبدو أكثر كفاءة في الأجل القصير بينما تحمل مخاطر مالية وتنظيمية مستقبلية. وحتى جودة المراجعة، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها إلغاء هذه الضغوط إذا اجتمعت في وقت واحد.


وهذا ما توضحه البحوث الحديثة في المحاسبة والتمويل والحوكمة: الخطر المؤسسي لا ينتج دائمًا من متغير منفرد، وإنما قد ينشأ من تفاعل غير خطي بين الحوافز والتمويل والرقابة والممارسات الضريبية.


وهنا يقع جزء مهم من الداء: نحن ما زلنا نقيس الشركات غالبًا بمؤشرات منفصلة، بينما الواقع المؤسسي أصبح أكثر تعقيدًا من ذلك.


الداء الثاني: التمويل قد يدعم النمو وقد يصنع الضغط


التمويل بالدين ليس مشكلة في ذاته؛ بل هو أحد أهم محركات الاستثمار والتوسع. لكن الفارق كبير بين الدين المنتج والدين الضاغط.


الدين المنتج يمول مصنعًا جديدًا، أو توسعًا تصديريًا، أو تكنولوجيا ترفع الإنتاجية، وتستطيع التدفقات النقدية للشركة خدمته بصورة مستقرة. أما الدين الضاغط فيبدأ حين تصبح الشركة في حاجة مستمرة إلى تمويل جديد لكي تحافظ على أداء ظاهري أو تغطي التزامات قائمة أو تحقق أهدافًا إدارية قصيرة الأجل.


وحين يقترن ذلك بنظام تعويضات تنفيذية يكافئ الإدارة على الأرباح أو النمو السريع دون وزن كافٍ للمخاطر والاستدامة، قد تتولد دائرة خطرة: حوافز أعلى، مديونية أكبر، ضغط أكبر لتحقيق النتائج، ثم توسع في الأدوات التي تحسن الأرقام قصيرة الأجل حتى وإن رفعت المخاطر طويلة الأجل.


لذلك لا يكفي أن نسأل: كم اقترضت الشركة؟ وإنما ينبغي أن نسأل: لماذا اقترضت؟ وكيف تستخدم التمويل؟ وهل يتناسب التوسع في الدين مع نمو النشاط الحقيقي؟ وهل نظام مكافآت الإدارة يدفع نحو الاستدامة أم نحو التصعيد؟


الداء الثالث: الاعتماد على الرقابة اللاحقة


جزء كبير من نظمنا الرقابية يعمل بعد ظهور المشكلة. نكتشف التعثر بعد تراجع الشركة، ونبحث في أسباب ارتفاع المديونية بعد أن تصبح عبئًا، ونناقش جودة الإدارة بعد ظهور الأزمة.


لكن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى الانتقال من رقابة ما بعد الحدث إلى تقييم استباقي.


فإذا استطعنا اكتشاف أن شركة ما تشهد في الوقت نفسه ارتفاعًا غير طبيعي في المديونية، وتسارعًا في التعويضات التنفيذية، وتزايدًا في المؤشرات الضريبية العدوانية، وضعفًا نسبيًا في قدرة المراجعة على ضبط هذه الاتجاهات، فإن لدينا إشارة أهم بكثير من مجرد النظر إلى نسبة السيولة في نهاية السنة.


وهذه هي الفكرة التي يجب أن تتحول من البحث الأكاديمي إلى أداة عملية.

 

الدواء: التمكين المؤسسي وليس مجرد التوسع


الحل ليس تقليل دور القطاع الخاص، بل زيادة دوره على أساس مؤسسي جديد.


ولهذا تقوم المبادرة المقترحة على مبدأ بسيط:


كلما ارتفعت جودة الشركة مؤسسيًا وتمويليًا، زادت قدرتها على الحصول على التمويل والاستثمار والتوسع، وارتفعت مخاطرها المؤسسية، أصبح المطلوب تصحيحها مبكرًا وليس انتظار تعثرها.


ومن هنا تبرز خمسة مخرجات تنفيذية يمكن أن تشكل البنية الفنية للمبادرة.


أول هذه المخرجات هو نموذج قياس الكفاءة المؤسسية للشركات، بحيث لا يعتمد تقييم الشركة فقط على الأرباح والسيولة، بل يضيف إليها جودة المراجعة، وهيكل الحوافز التنفيذية، واستدامة التمويل بالدين، واستقرار الممارسات الضريبية. ويعطي النموذج في النهاية درجة مؤسسية تساعد الشركة والبنك والمستثمر على رؤية الصورة الكاملة.


أما المخرج الثاني فهو مؤشر الضغوط التمويلية والانحرافات المؤسسية، وهو مؤشر إنذار مبكر يركز على التفاعل، لا على كل متغير منفرد. فارتفاع المديونية قد لا يكون خطرًا منفردًا، وارتفاع مكافآت الإدارة قد لا يكون خطرًا منفردًا، لكن اجتماعهما مع مؤشرات ضريبية عدوانية وضعف نسبي في الرقابة قد يشير إلى انتقال الشركة إلى منطقة مختلفة من المخاطر.


والمخرج الثالث هو الدليل التنفيذي لتحسين جودة الحوافز التنفيذية. فالهدف ليس تخفيض مكافآت الإدارة، بل تحسين تصميمها. الإدارة المتميزة يجب أن تُكافأ، لكن المكافأة ينبغي ألا ترتبط فقط بالربح القصير أو سعر السهم أو النمو السريع، بل أيضًا بجودة التدفقات النقدية، واستدامة التمويل، وجودة الرقابة، واستقرار الأداء على المدى المتوسط والطويل.


أما المخرج الرابع فهو إطار تقييم جودة التمويل المؤسسي للشركات، بحيث تستطيع البنوك التمييز بصورة أفضل بين شركة تستخدم الدين لخلق قيمة حقيقية وشركة تستخدمه لتأجيل المشكلات. ومن شأن ذلك أن يرفع جودة الائتمان نفسه، لا أن يضيّقه.


والمخرج الخامس هو منصة تقييم تنبئي للكفاءة والاستقرار المؤسسي، تستخدم البيانات والتحليل غير الخطي والتفاعلات بين المتغيرات لإنتاج إشارات مبكرة تساعد البنوك والشركات والجهات الرقابية والمستثمرين على اتخاذ القرار قبل تفاقم المخاطر.


من الرقابة إلى الحوافز


أهم ما يميز هذه المبادرة أنها لا تقوم على معاقبة القطاع الخاص، بل على تحويل الجودة المؤسسية إلى منفعة اقتصادية مباشرة.


الشركة الأعلى كفاءة ينبغي أن تحصل على تكلفة تمويل أفضل. والشركة التي تضبط مديونيتها وتحسن مراجعتها وتصمم حوافز الإدارة بصورة أكثر استدامة ينبغي أن تصبح أكثر جاذبية للمستثمرين والبنوك. وهكذا تتحول الكفاءة المؤسسية من التزام إداري إلى ميزة تنافسية.


وهنا يصبح التغيير طوعيًا ومدفوعًا بالمصلحة. لن نطلب من الشركة أن تحسن نفسها فقط لأن جهة ما أصدرت قرارًا، وإنما لأنها ستدرك أن تحسينها المؤسسي يعني تمويلًا أفضل، وثقة أعلى، وقدرة أكبر على التوسع والاستثمار.


لماذا تحتاج مصر إلى المبادرة الآن؟


لأن زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد لا ينبغي أن تكون مجرد نقل ملكية أو انسحاب للدولة من بعض الأنشطة. المطلوب أعمق من ذلك: بناء قطاع خاص يمكن للدولة والبنوك والمستثمرين أن يثقوا في قدرته على قيادة النمو بصورة مستدامة.


والجمهورية الجديدة تحتاج إلى انتقال حقيقي في تقسيم الأدوار. فالدولة يجب أن تتفرغ بصورة أكبر للتخطيط والتنظيم والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية والاستقرار، بينما يقود القطاع الخاص مساحات أوسع من الإنتاج والاستثمار والتصدير والتشغيل والابتكار.


لكن هذا الانتقال يحتاج إلى جسر من الثقة. والمبادرة الرئاسية للتمكين المؤسسي للقطاع الخاص يمكن أن تكون هذا الجسر إذا تحولت إلى سياسة عملية وليست شعارًا.

 


الدواء الحقيقي: الثقة المبنية على القياس


المطلوب في النهاية ليس أن نقول إن القطاع الخاص جيد أو سيئ، ولا أن نقارن بصورة أيديولوجية بين العام والخاص. المطلوب أن ننتقل إلى معيار أكثر نضجًا: من هو الأكثر كفاءة؟ ومن هو الأقدر على خلق قيمة للدولة والمواطن والاقتصاد؟
وحين تصبح الإجابة قائمة على بيانات ومؤشرات واضحة، يستطيع الاقتصاد المصري أن يوجه التمويل والاستثمار والفرص إلى الشركات الأكثر قدرة على الإنتاج والاستدامة، بغض النظر عن ملكيتها.


وهنا تتحول زيادة دور القطاع الخاص من مطلب اقتصادي خارجي أو شعار إصلاحي إلى اختيار مصري قائم على الكفاءة والمصلحة الوطنية.


إن القطاع الخاص المصري يمتلك خبرة ورأس مال وقدرة على الابتكار والتشغيل والمنافسة. وما يحتاج إليه ليس مجرد مساحة أكبر، وإنما بيئة مؤسسية تكافئ الجيد، وتكتشف الخطر مبكرًا، وتربط التمويل بالكفاءة، وتعيد بناء الثقة على أساس موضوعي قابل للقياس.


ذلك هو جوهر المبادرة الرئاسية للتمكين المؤسسي للقطاع الخاص في الجمهورية الجديدة: ألا نسأل فقط كيف نزيد دور القطاع الخاص، بل كيف نجعله أكثر قدرة على حمل مسئولية أكبر في بناء الاقتصاد المصري.


وعندئذ فقط يتحول البحث العلمي من ورقة منشورة إلى علم يُنتفع به؛ يتحول إلى قرار أفضل، وتمويل أكثر كفاءة، وشركة أقوى، واستثمار أكثر استدامة، واقتصاد أكثر قدرة على النمو والتشغيل والمنافسة.

✎

فريق تحرير بوابة مصر الجديدة

فريق التحرير في بوابة مصر الجديدة — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق