تدفق الصور يهيمن على التواصل البشري في زمن جائحة "كورونا"

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

محمد بنعزيز

الاثنين 25 ماي 2020 - 07:00

تتابع ملايير الأعين ملاييرَ الشاشات وهي تَعْرِض بَلايين الصور يوميا. بالأرقام دائما، تَضاعف عدد منخرطي نيتفليكس وديزني ليسجل عشرات ملايين المشتركين. تضاعف عدد متابعي أخبار التلفزيون الطبية والسياسية المصورة عن فيروس كورونا. صار مقدم الأخبار يعمل واقفا ليعرض على شاشة كبيرة صورا عملاقة (كلوز آب) تعطي لكلامه مصداقية. يخطبُ الدعاةُ الدينيون بأجساد هائجة ليصدقهم أتباعهم. يخطب السياسيون ارتجالا لكي لا تؤثر قراءة الأوراق على طلاقة حركة أجسادهم. ولكل هذا معنى.

يُعرَف المعنى من الصورة، هكذا صار الدال الفوتوغرافي مهيمنا على التواصل البشري. فمن يحلل طوفان الصور هذا؟

منها صورة فيروس، ما شكله؟

إنه دائري مثل كرة قدم، وللتعبير عن شرّه فهو كرة حولها دبابيس تؤذي البشر. هذه صورة متخيلة لعدوانية كورونا. في بعض الرسوم حل الفيروس محل صخرة سيزيف وفي أخرى صار حجمه أكبر من حجم الكرة الأرضية، وتتكرر هذه الصورة في صحف كل البلدان. كل مرة يتلقى متابع الفايس تنبيها يقول: "إن فلانا أضاف محتوى إلى سيرته"، وحين يطل المستخدم على هذا المحتوى يجده عبارة عن صورة، صورة وجه غالبا لا صورة حدث. وأخطر تأثير لهذا المحتوى أن نجمات مواقع التواصل الاجتماعي سيطرن على التلفزيون المغربي في برامج رمضان 2020، صرن فجأة ممثلات بل وبطلات مسلسلات وحلقات كاميرا خفية ومكشوفة. نجمات بدون محتوى ثقافي لكن وجوههن معدلة جينيا وبالفوتوشوب لاختلاق جمال خارق.

صارت نجمات الفايسبوك نجمات تلفزيون، وذلك على حساب ممثلين محترفين موهوبين.

هذه عينة لهيمنة الصورة على التواصل البشري.

لقد فتحت العولمة البابَ لمعرفة ما يجري في أمكنة مختلفة دفعة واحدة، والنتيجة صبيب معلومات وصور يصْعب فرز دلالاتها. ويتطلب التحليل المدرسي للصورة الإجابة عن الأسئلة:

منْ يَرى وما موقعه؟ ماذا يَرى؟ كيف يفهم ويفسر ما يرى؟ وذلك لاستخرج 3 مستويات للصورة:

أولا المستوى التمثيلي أي مكوناتها. ثانيا المستوى التواصلي (المرسل والمرسل إليه)، ثالثا المستوى الدلالي أي المعنى، وطبعا لا جدوى من هذه التقسيمات المدرسية دون ثقافة تشكيلية لقراءة اللوحات والصور، وهي الوسائل التعبيرية البصرية أكثر قدرة على توصيل الدفء إلى القلوب.

هذه محاولة للوقوف عند أربع صور من جغرافيات متباينة.

لكي يخبر الرئيس الفرنسي الشاب شعبه بتمديد الحجْر، قدم خطابا بإخراج وتقطيع سينمائي يقدم بورتريه الرئيس. كادر كبير على الوجه. لا يوجد فراغ في الشاشة. الوجه السياسي يملأ العين. اقترب الزعيم من الكاميرا التي تمثل عين الشعب. كادر كبير غيّبَ الديكور والمكان وغيّب حتى يدي الرئيس اللتين تتممان المعنى عادة. الصورة تخبر قبل الكلام. الأمر خطير لكن الزعيم قريب من عين الشعب التي تنوب عنها الكاميرا.

في صورة نشرتها نيويورك تايمز يظهر الرئيس دونالد ترامب وظهره لوسائل الإعلام بعد الخطاب اليومي المصور. كانت الكاميرا في موقع أعلى من الرئيس، يظهر الزعيم الكبير كنقطة صغيرة. رئيس بعيد عن الكاميرا كأنه مجرد ذكرى، مشكوك أن يكون مُلتقط وناشر الصورة من أنصار الرئيس.

تلك حكاية أمريكا في زمن كورونا في ظل حكم الرئيس التاجر، المهم التجارة وبقاء البلد مفتوحا للمستثمرين. دعْه يعمل دعه يسير. هذه لقطة لم تلتقط بالصدفة، لقد تموقع قنّاصُها مبكرا في انتظار استقبالها. تشي الصورة على المستوى التواصلي بمقدمات انصراف مبكر من مركز المشهد. الخطابة في واد والصورة في واد. دلاليا يشعر المستمع بأن الرئيس الأمريكي غير متصل بالأرض التي يقف عليها، ستقتلعه الانتخابات الرئاسية القادمة.

في صورة ثالثة تحاور سابقتها نشرتها "العربي الجديد"، صورة فيها باراك أوباما يمسك بالمنبر، ويد المرشح للرئاسة جون بايدن على الكتف التي سيُعتمد عليها لهزم ترامب.

هل يمكن فصل لغة الجسد عن لغة التواصل السياسي؟

لا.

الجسد معيار للقياس والإحساس والتواصل. في الصورة لونان وعِرْقان يتوحدان في وطن، الراية الأمريكية في الخلفية والمقدمة المنبر رمز الحكم.

أين تتموْقع الكاميرا؟ في نفس علو العين البشرية.

يشاهد القارئ هذه الصور الثابتة في جريدة ويعتبر أنه فهم المعنى دون قراءة الخبر المُرْفق. يتم تلقي المعلومة بالصورة لا باللغة. لكن دون إدراك تركيب الصورة ومكوناتها، فلاوعي المشاهد يتشرّب معانيها الخفية حدسيا ودون إدراك عقلي ونقدي.

حاليا هناك خلل رهيب بين كمية الصور المستهلكة في الأخبار والأفلام، وكمية ما يُكتب من تحليل عن صبيب الصّور هذا. ينطبق هذا على الصور الثابتة، أما في حالة الصور المتتابعة فالوضع أعقد، كما في أفلام تُعرض على الشاشة بمعدّل 24 صورة في الثانية، أي عرض 1440 صورة في الدقيقة. هذا المثال الرابع يقهر كل ما سبقه من صور.

هذه الكثافة تغري العين في الصور المتحركة كما في فيلم "ميلاد نجمة" 2018 لبرادلي كوبر الذي يمتد لـ124 دقيقة. بالأرقام، فعدد الذين شاهدوا أغنية الفيلم مصورة هم ثلاثة أضعاف من شاهدوها مصورة على مسرح حفل توزيع جوائز الأوسكار 2020. في أغاني الفيديو كليب، تحضُر شعرّية اللون والنغمة، تتم مخاطبة العين لا الأذن بواسطة اللون والضوء وحركة الجسد. كثير من المغنين يستحيل الاستماع إليهم دون مشاهدتهم لأن قوتهم في أجسادهم لا في أصواتهم، وأشهرهم هيفاء وهبي التي كان جسدها يرسل معان لا يملكها صوتها.

واضح أن التواصل المرئي حاليا يقهر التواصل اللغوي، حتى أن الملايير يشاهدون أفلاما ناطقة بغير لغتهم ودون حوار مترجم ويفهمون. رغم هذا تركز الصحافة على الكتاب كمصدر أساسي للمعرفة. تنبع أهمية الكتاب من أولوية اللغة عند المثقفين المنشغلين ببلاغة عبد القاهر الجرجاني التي تقف عند الصورة بمعنى الاستعارة (تشبيه حذف أحد طرفيه). بينما الجمهور يستهلك بلاغة الصورة أساسا. يستهلك ويتواصل بالصور في المناسبات السعيدة مثلا، وفيها حلت الصورة الطيبة للتهنئة بالعيد محلّ الكلمة الطيبة، صورة جذرها راسخ في الوجدان وغصْنها باد للعيان، وثمرتها مفهومة ومُشبعة للجميع. السبب؟

يقدم الوسيط المرئي (أي الصورة) للعين سبعة أضعاف المعلومات التي تتلقاها الأذن. لكن رغم كثافة معلوماتها، فإن "الأنظمة السيميائية أقل تشفيرا من اللغة".

في ظل هذا المعطى، لا معنى لأن تركز وسائل الإعلام على كتاب قرأه عشرة أفراد وتتجاهل فيديو شاهده مليون شخص في يوم واحد.

حاليا ومع الحجْر الصحي، أغلقت المكتبات والخزانات وتضاعف عدد الذين يدمنون صور الشبكة العنكبوتية. وهكذا أكد كورونا التوجه السابق، فالحجر لم يصنع مجتمعا قارئا فجأة. والدليل على خطورة الصور والفيديوهات التي تنجح في خلق إثارة ساذجة، أن وزارة الداخلية في كل بلد صارت تراقب الشبكة العنكبوتية بحثا عن "صور مضرة بالأمن القومي". في هذا الوضع صار خبراء البوليس أكثر حضورا وانتباها لمدلول الصور الرائجة، من نقاد ومحللي الخطاب الذين يشعرون أن طوفان الفيديوهات تجاوزهم، ولهذا هناك حاجة ماسة إلى تحليل يوازي كمّ الصّور الرائجة والمستهلكة بغرض وصفها وتحليلها ونقدها لينكشف سرها وعنفها.

إخترنا لك

0 تعليق