لندن- “القدس العربي”: لماذا يرغب الرئيس دونالد ترامب في تجنب مواجهة مع الحوثيين باليمن؟
السبب كما تقول نحال توسي في مجلة “بوليتيكو” إن المعركة تختلف معهم عن بقية ما فعله طوال هذا العام. فالرئيس ترامب لم يأل جهدا ليؤكد الانتقادات الموجهة إليه بأنه متهور، إلا أنه في مواجهة نظام مسلح تسليحا ثقيلا، ذي توجه ديني، يهدد ممرا مائيا بالغ الأهمية، تمسك بضبط نفس ملحوظ.
وربما لا يملك ترامب خيارا آخر: فالتعامل مع الحوثيين أمر بالغ الصعوبة.
وتقول المجلة إنه في الوقت الذي تشن فيه الجماعة الحوثية هجوما جديدا على السعودية، حليفة الولايات المتحدة، يمتنع ترامب، حتى الآن عن التدخل في المواجهة بضربات جوية أمريكية. وقد أوضح أنه لا يميل إلى التخلي عن وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع الحوثيين بعد أسابيع من الاشتباكات العام الماضي، رغم طلبات السعودية لمزيد من المساعدة في ظل تهديد الحوثيين للنفط والتجارة الأخرى في البحر الأحمر.
وأكد ترامب أن الحوثيين يتعهدون بعدم إطلاق النار على السفن الأمريكية، حيث قال الشهر الماضي: “اتصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون القتال معنا”.
ووصفت المجلة موقفه هذا بأنه حذر جدا، وبخاصة أنه يأتي من رجل أظهر هذا العام ميلا كبيرا للمخاطرة السياسية، سواء أكان ذلك بشن حرب على إيران أو اختطاف رئيس فنزويلا أو فرض حصار على الطاقة في محاولة للإطاحة بالنظام الكوبي.
وتذكر المجلة بأن موقف الرئيس الأمريكي ليس ثابتا، فهو يغير رأيه باستمرار ولأسباب مفاجئة، وربما قرر ضرب الحوثيين في أي وقت.
إلا أن تردد ترامب بخرق وقف إطلاق النار مع الحوثيين يعتبر مؤشرا محتملا على أنه قد استوعب دروسا قاسية تتعلق بجبهة القتال، بما في ذلك متى يجب تجنبها.
ولا يمانع الحوثيون هذا الأمر، ففي رسائل نصية للصحافية، تهرب مسؤول حوثي عن الإجابة على أسئلة حول موقف الجماعة من ترامب، لكنه أكد على استمرار وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. وكتب المسؤول: “لا نعتقد أن هناك أي سبب يدعو الولايات المتحدة للتدخل في اليمن مجددا”.
وتضيف المجلة أن واحدا من أسباب تردد ترامب في العودة إلى الساحة اليمنية، نابعة من كون أنه يواجه مشاكل أخرى، منها حرب إيران، وإن كان يريد استئناف قصف النظام في طهران.
ونقلت توسي عن تيم ليندركينغ، المبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى اليمن والذي تفاوض مع الحوثيين: “الحرب مع إيران لم تحسم بعد، لذا أتفهم سبب عدم رغبته في فتح جبهة أخرى”.
ولا تنفي الكاتبة وجود روابط بين الحرب مع إيران والصراع السعودي- الحوثي، حيث يدعم النظام الإيراني الحوثيين ويسلحهم وهم يسيطرون على معظم أنحاء اليمن.
ويشترك النظام الإيراني والحوثيون في عدد من الملامح سواء الأساليب أو المذهب وكذا الموقف من أمريكا وإسرائيل، لكنهما يرغبان، وفي ظل الضغوط الخارجية بالسيطرة على المعابر الملاحية الحيوية، ففي حالة إيران، مضيق هرمز، ومع الحوثيين، مضيق باب المندب.
ومع وجود ملامح تقارب وتشابه بين إيران واليمن إلا أن الحربين مختلفتان، ونقلت الكاتبة عن مسؤولين أمريكيين وأجانب، سواء كانوا حاليين أو سابقين، قولهم إن الحوثيين هم شركاء لإيران أكثر من كونهم وكلاء لها في المنطقة.
فللحوثيين مظالمهم وتاريخهم وأجندتهم الخاصة، وتشمل هذه الأجندة إنهاء ما يصفونه بالحصار المفروض على اليمن من قبل السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية الرسمية، وإن كانت ضعيفة. ونقلت توسي عن مسؤول حوثي قوله: “نحن ندافع عن أنفسنا وبلدنا فقط”.
وتواصل الولايات المتحدة دعم السعودية من خلال جهود مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية وبيع الأسلحة.
ومن جهة أخرى، تربط واشنطن والرياض اتفاقية دفاعية. وفي بيان رسمي، أكد البيت الأبيض أنه “إذا ما وصل الأمر إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة ستقف دائما إلى جانب السعودية وتدعمها”.
وحتى الآن لا توجد أي مؤشرات على حث كبار مساعدي ترامب القيام بعملية إعادة نشر القوات الأمريكية في الحرب اليمنية.
وكانت حملة الولايات المتحدة الجوية ضد الحوثيين العام الماضي، والمعروفة باسم عملية “الفارس الخشن”، محدودة التأثير، رغم ادعاء ترامب أن الحوثيين “استسلموا”.
وهناك عامل آخر في التردد الأمريكي متعلق بنقص الذخيرة الأمريكية، الناجم جزئيا عن الحرب مع إيران.
وقيل لتوسي إن وزير الخارجية ماركو روبيو يتعامل بجدية مع تحذيرات المحللين بشأن مخاطر العودة إلى القتال ضد الحوثيين.
ونقلت الكاتبة عن مسؤول أمريكي مطلع على سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط: “يدرك روبيو تعقيد الوضع، ولديه فهم جيد للجهات الفاعلة”. ويرى بعض أعضاء مجلس النواب الأمريكي ومسؤولون أمريكيون سابقون أن هناك حاجة لمساعدة السعوديين بشن غارات جوية على الحوثيين، على الأقل لإضعاف قدرات هذه الميليشيا.
وفي المقابل، يحذر آخرون مطلعون على شؤون المنطقة من أن إرسال قوات برية أمريكية قد لا يكون كافيا لوقف الجماعة.
وأشارت المجلة إلى أن الحوثيين تحولوا في السنوات الأخيرة إلى قوة عسكرية ضاربة، فهم يقومون بتصنيع المزيد من أسلحتهم الخاصة، كما يعملون على تحديث الأسلحة المستوردة من إيران، بل وهناك تقارير تتحدث عن دمجهم الذكاء الاصطناعي في ترسانتهم.
ونقلت المجلة عن مسؤول غربي يتابع الوضع في اليمن قوله: “إنهم بارعون في استخدام هذه الأسلحة التقليدية المتطورة، فهم يأخذون الصواريخ ويحاولون تخفيف وزنها لزيادة مداها، وأجروا تجارب عديدة على أنظمة التوجيه”. وأضاف: “إذا لم تقدم إيران أي جديد، فسيلحق ذلك ضررا بالحوثيين، لكنهم سيتغلبون عليه”.
وتوقعت أبريل آلي، وهي مسؤولة سابقة في الأمم المتحدة التقت بالحوثيين، تزايد طموحاتهم في السنوات القادمة، مضيفة أن “الكثير من قادتهم هم شباب وشاركوا في حروب مختلفة ومرّوا بأنفسهم خلال هذه الفترة بمواقف صعبة، خرجوا منها وحققوا النجاح، لذا فهم يسعون جاهدين للاستفادة من الفرص المتاحة”.
وواجه الرئيسان السابقان باراك أوباما وجو بايدن صعوبة في مواجهة الحوثيين دون أن ينجرا إلى صراعٍ واسع النطاق. ولذا قد يكون ترامب متساوقا في هذا الأمر مع سلفيه الديمقراطيين.
ولم يسمح أوباما إلا بشن غارة واحدة على الأقل، مبررا ذلك بالرد على هجمات الحوثيين التي استهدفت السفن الأمريكية، ودعمت إدارته السعوديين بطرق أخرى، فيما سمح بايدن بشن سلسلة من الغارات بعد أن صعّد الحوثيون هجماتهم في ذروة حرب غزة، زاعما أنهم يعملون ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة. ومع ذلك، فقد خفض بايدن الدعم العسكري الأمريكي للمجهود الحربي السعودي، وضغط على الرياض للتوصل إلى هدنة مع الحوثيين بحلول عام 2022.
ويقول حسين البخيتي، وهو صحافي يمني مؤيد للحوثيين، إن السعودية هي التي قوضت هدنة عام 2022، لا سيما برفضها رفع الحصار. ويزعم الحوثيون أن السعوديين قصفوا في تموز/يوليو مطار صنعاء بينما كانت طائرة إيرانية على وشك الهبوط، فردّوا بهجوم مضاد، ما أدى إلى انهيار الهدنة. وحمّل البخيتي السعودية مسؤولية سقوط اليمنيين ضحايا، قائلا: “الأمر يتعلق بأرواح اليمنيين ومن المثير للسخرية أن نرى المجتمع الدولي والسعوديين يصرخون بأن أسعار النفط والشحن سترتفع وماذا عن اليمنيين؟”.
لكن البخيتي لم ينكر أن هجوم الحوثيين على السعوديين كان انتهازيا بعض الشيء لأنه جاء في وقت كانت فيه المملكة تكافح لاستيعاب الصدمة الاقتصادية للحرب الإيرانية، وقال: “ليس خطأ أن تنتهز ضعف عدوك، وعدوتنا هي السعودية”.
وكانت وكالة أنباء “رويترز” قد نشرت يوم الجمعة بأن السعوديين يخططون لشن هجوم جديد على الحوثيين في الأسابيع المقبلة. وربما يرغب الرئيس ترامب في البقاء بعيدا عن الصراع السعودي الحوثي لأطول فترة ممكنة. إلا أن الأمر قد يصبح أكثر صعوبة إذا ازداد الحوثيون جرأة، مما يهدد ليس فقط مضيق باب المندب، بل أيضا مناطق أخرى بالمنطقة. وإذا كان ترامب يريد تجنب فتح جبهة أخرى، فمن الغريب أنه لم يبذل جهدا دبلوماسيا يذكر لحل النزاع.
فلم يعين بعد مبعوثا أمريكيا خاصا لمتابعة الصراع السعودي- الحوثي.
وكان ليندركينغ، الذي شغل هذا المنصب سابقا، قد ساهم في التوسط في هدنة عام 2022. ولا يوجد حاليًا سفير أمريكي في اليمن أو السعودية. أما المفاوضون المفضلون لدى ترامب، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فهم منشغلون تماما بالصراعات في إيران وغزة وأوكرانيا. ومما يزيد الوضع تعقيدا أن العمانيين، الذين غالبا وما يتوسطون، لا يتمتعون بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن.
وللحوثيين جناح دبلوماسي يتعامل مع الأجانب، وغالبا ما يكون مقره في عمان. ويقول مسؤولون دوليون سابقون ممن تعاملوا مع مفاوضين حوثيين إنهم قد يكونون مرحين وجذابين وذوي ميول عملية، على الأقل على المدى القصير. لكن هذا لا يعني أن الدبلوماسية مع الحوثيين ستكون سهلة.
أما قيادتهم فهي في اليمن، حيث يعتبر مارتن غريفيث، المبعوث الأممي الخاص السابق لليمن، من الأجانب القلائل الذين تعاملوا مباشرة مع زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، في اليمن. لكن تلك اللقاءات كانت تتم عبر شاشات في أماكن آمنة.
وفي نهاية المطاف، حتى لو كانت علاقات المفاوضين الأمريكيين أو غيرهم جيدة ظاهريا مع ممثلي الحركة، فإن الحوثيين ما زالوا يحافظون على مسافة تجعل من الصعب فهم دوافعهم الحقيقية، كما قال غريفيث. وأضاف: “وجدت أنه في سعينا وراء الحقائق، وهو ما كنا نفعله جميعا، أنا وأنت، طوال هذه السنوات الطويلة، كانت هذه الحقائق عصية على الفهم”.
أخبار متعلقة :