لندن ـ «القدس العربي»: في أواخر ثمانينات القرن الماضي أو ما يُعرف في عالم كرة القدم بعصر الأسطورة دييغو أرماندو ماردونا، بدأت رحلة أسطورية أخرى في الملاعب المصرية، بصعود صاروخي لما تحول في ما بعد لأشهر توأمين في تاريخ بلاد الفراعنة وربما في المنطقة العربية، والحديث عن أعظم من شغل مركز الظهير الأيمن في النادي الأهلي والمنتخب الوطني إبراهيم حسن، والرأس الكبير والعميد والهرم الرابع وقل من مفردات الإغداق ما شئت عن الأب الروحي لكل المهاجمين ورؤوس الحربة (على المستوى المحلي) في العقود الأخيرة حسام حسن، وحتى بعد نجاح الأخير على وجه التحديد في «تقفيل اللعبة» سواء بأرقامه القياسية على المستوى الفردي، كواحد من أفضل الهدافين في تاريخ الدوري وكبير هدافي المنتخب في كل العصور، أو بإنجازاته والألقاب التي تحصل عليها طوال مشواره الاحترافي الذي انتهى في أواخر العقد الأول من القرن الجديد، حافظ على حضوره القوي خارج الخطوط، راسما لنفسه صورة التلميذ النجيب لجنرال المدربين الكابتن محمود الجوهري على مدار ما يقرب من العقدين من الزمان، إلى أن حقق حلمه الكبير، بالوصول إلى سُدّة القيادة الفنية لمنتخب بلاده خلفا للبرتغالي روي فيتوريا في أعقاب الخروج من كأس أفريقيا كوت ديفوار 2024.
وحسنا فعل الهداف التاريخي للمنتخب المصري منذ توليه المهمة في السادس من فبراير/شباط العام قبل الماضي وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، يكفي نجاحه في تحقيق ما عجز عنه كل من أشرف على تدريب عملاق الماما أفريكا طوال تاريخه، باعتباره «الرجل المختار» الذي انتظره أكثر من 110 ملايين من أبناء جلدته، ليقود المنتخب لتحقيق فوزه الأول في رابع مشاركة في نهائيات كأس العالم، ذاك الانتصار الكاسح الذي جاء على حساب منتخب نيوزيلندا بثلاثية مقابل هدف في الجولة الثانية للدور الأول في المونديال الأمريكي الأخير، وسبقه تعادل بطعم الفوز أمام بلجيكا بهدف في كل شبكة في افتتاح نفس العرس العالمي، قبل أن يشق طريقه نحو دور الـ16 بعد إقصاء أستراليا من الدور الثاني (دور الـ32 الإقصائي) بمساعدة ركلات الترجيح، ليتحول حسام حسن إلى حديث الصحافة العالمية، لاسيما بعد الملحمة التي ستتفاخر بها الأجيال القادمة أمام حامل اللقب (آنذاك) منتخب الأرجنتين بقيادة البرغوث ليونيل ميسي، وكما شاهدنا جميعا، لولا بعض التفاصيل البسيطة في الدقائق العشر الأخيرة وما سبقها من جريمة تحكيمية مكتملة الأركان، بإلغاء الهدف العالمي الذي سجله مصطفى زيكو، بحجة وجود دفعة على حدود منطقة جزاء المنتخب المصري، لحجز أصدقاء محمد صلاح مكانهم في ربع النهائي، لكن في النهاية، عاد حسام حسن من بلاد العم سام، كالملك المتوج على عرش الكرة المصرية، وتجلى ذلك في الاحتفاء الإعلامي والشعبي بالإنجاز الاستثنائي للمنتخب وعلى رأسه المدرب، الذي بدوره أبدع في إخضاع ألد منتقديه قبل المؤمنين بقدرته على قيادة المنتخب، وهذا الأمر كان ولا يزال واضحا في تغير نغمة خصوم الأمس ومن كانوا يطالبون برحيله في بداية العام، من حملات شعواء كانت تضغط على اتحاد الكرة من حين لآخر لاستبدال المدرب بخبير أجنبي قبل المونديال، إلى مباركة وتأييد قرار التجديد معه حتى 2030، لكن فجأة وبدون سابق إنذار، تسبب في حالة من الجدل يُقال عنها «من العدم»، وكلمة السر في رسائله النارية التي اختص بها عتاولة غرفة خلع الملابس، حيث كانت البداية بما اعتبره المحيط الإعلامي الأحمر المحسوب على النادي الأهلي بـ«الإهانة والتقليل» من شأن الحارس الكبير محمد الشناوي، مستخدما الوصف الذي كان يثير غضب كريستيانو رونالدو في ذروة مسيرته في بداية عقد الثلاثينات من عمره، «كان منتهيا»، لولا حصوله على دعم الجهاز الفني للمنتخب في بعض الأوقات، واكتملت بالقشة التي كادت تقصم ظهر البعير، حين برر تغيير صلاح في بداية الشوط الثاني في ليلة السقوط في فخ التعادل السلبي أمام أنغولا في افتتاح التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأفريقية 2027، بأنه لأسباب تتعلق برؤيته الفنية، الأمر الذي ضاعف حملة الهجوم عليه أكثر من أي وقت مضى طوال مسيرته مع الساحرة المستديرة سواء كلاعب أو في الإطار الفني، رغم تاريخه الحافل بالأزمات والمشاكل التي يصعب حصرها في تقرير واحد، والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا سارع حسام حسن بشراء عداء حلفاء الأمس القريب بعد إنجازه المونديالي؟ وهل حقا أُغلق الملف بعد محاولته الأخيرة لتلطيف الأجواء مع الشناوي وصلاح؟ وما الدرس المستفاد من هذه المعركة التي أفسدت احتفالات الجماهير برؤية منتخبها للمرة الأولى بعد الحملة المونديالية الاستثنائية؟ هذا وأكثر سيجيب عليه التقرير الآتي.
الرواية الحمراء
صحيح الكابتن حسام حسن، حاول تدارك الموقف بعد ردود الأفعال التي فاقت كل التوقعات، والأمر لا يتعلق بتهكمه على الشناوي في حد ذاته، بل في ما وراء الهدف من التصريحات، أو كما تم تفسيره على نطاق واسع، بأن مدرب المنتخب على أهبة الاستعداد للتخلي عن أي لاعب بمجرد أن تظهر عليه ملامح الشيخوخة الكروية أو يتقدم في العمر، لكن من تابع الضجة الهائلة التي أعقبت بيان النادي الأهلي، للرد على ما وُصف في البيان بالتصريحات غير المسؤولية من مدرب المنتخب في حق قائد النادي ونائب قائد المنتخب، لاحظ أن السردية الأهلاوية أجمعت على أن حسام حسن، تعمد التقليل من شأن عملاق حراسة المرمى في قلعة «مختار التتش»، أو كما يقولون بالعامية «النية مبيتة للتخليص على الشناوي»، وذلك منذ واقعة مباراة كاب فيردي في إحدى البطولات الودية في دولة الإمارات، تلك المباراة التي شهدت واقعة اعتراض حارس مصر الأول على قرار المدرب باستبداله بزميله في الفريق والمنتخب مصطفى شوبير، قبل لحظات لجوء الفريقين إلى ركلات الترجيح لتحديد هوية الفائز بالمباراة، وآنذاك تألق شوبير الصغير بطريقة مذهلة، من خلال تصديه لركلتي جزاء التي ابتسمت في النهاية للفراعنة، قبل أن يجدد الشناوي اعتراضه على قرارات المدرب، بعدم منحه فرصة اللعب أمام إيران في المباراة الثالثة في الدور الأول لكأس العالم، على غرار ما فعل في بطولة أفريقيا الأخيرة، حين قرر منح الفرصة لشوبير في المباراة الثالثة في مرحلة المجموعات وأيضا أمام أنغولا، بعد حسم تذكرة اللعب في دور الـ16، الأمر فتح الباب على مصراعيه أمام قطاع عريض من النجوم والموثوقين الجدد المحسوبين على النادي، للربط بين هذه المواقف وبين الهجوم الاستباقي من المدرب على الشناوي. وفي النهاية كان من الممكن وبكل سهولة تجنب كل هذا الجدل والقيل والقال، بأبسط أبجديات الدبلوماسية وما يُعرف بين البشر بـ«جبر الخواطر»، حين جاء الحديث عن غياب الشناوي عن معسكر سبتمبر/أيلول بعد إعلان إصابته قبل أيام من تجمع المنتخب، مطلقا العنان لنفسه في تحليل أسباب استبعاد حارس مصر الأول على مدار العقد الماضي، بما في ذلك كلماته التي فُهمت وفُسرت على نطاق واسع، على أنها إشارة واضحة وصريحة إلى انتهاء دور الحارس العملاق مع المنتخب، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتفنن فيها المدرب في رد الصاع صاعين (في الوقت المناسب) لكل من يستخدم حق «الفيتو» في الاعتراض على قرارات المدرب، أشهرهم ضحية الأمس مصطفى محمد، الذي قال عنه: «لدينا فريق محلي ولا نمتلك سوى اثنين محترفين وربع»، ويقصد بالاثنين صلاح وعمر مرموش والربع ابن أكاديمية الزمالك في موسمه الأخير مع نيس الفرنسي.
فزعة الملك
في اليوم التالي لتصريحاته عن الشناوي، وتحديدا بعد العرض المخيب للآمال أمام أنغولا، سارع حسام حسن بفقدان الجزء الأكبر من الأرضية الفولاذية التي كان يرتكز عليها بعد نشوة المونديال، والسبب هذه المرة اصطدامه بالملك صلاح، والأمر لا يتعلق باستبداله في أول ربع ساعة من الشوط الثاني، متحديا رأي توأمه إبراهيم حسن، الذي التقطته العدسات وهو يتوسل لشقيقه من أجل الإبقاء على أسطورة ليفربول في الملعب ولو لفترة أطول بصرف النظر عما سيحدث داخل المستطيل الأخضر، وهذا إن دل على شيء، فحتما على حكمة ودبلوماسية مدير المنتخب، الذي كان يعرف ويدرك جيدا مدى الخطورة التي ستترتب على هذا القرار، خاصة بعد خسارة معركة الشناوي، كما وضح في هتافات الجماهير الداعمة للحارس على مرأى ومسمع الجهاز الفني في استاد «القاهرة الدولي»، لكن ما زاد الطين بلة، ما قاله المدرب في رده على سؤال الصحافي حول سبب تغيير صلاح في وقت مبكر في الشوط الثاني، حيث كان الاعتقاد الذي يتماشى مع قيمة وتاريخ المو، أن يخرج المدرب بكلمات دبلوماسية من نوعية «إراحته» و«الخوف» عليه من التعب او الإجهاد، خاصة بعد عرضه الهوليوودي أمام غالطة سراي، الذي خرج منه بأول ثلاثة أهداف (هاتريك) بقميص ناديه الجديد طرابزون سبور، أو في أضعف الإيمان لتحضير البديل السوبر الذي سينوب عنه أمام جنوب السودان، لصعوبة مشاركته على ملعب بأرضية من العشب الاصطناعي، لكنه صدم الجميع بحديثه عن بعض الأمور الفنية التي لم ينفذها صلاح كما ينبغي على مدار ساعة لعب، ليستيقظ على «تسونامي» من الانتقادات اللاذعة والتسريبات التي تتحدث عن رحيل الأيقونة من معسكر المنتخب، وكانت المرة الأولى التي يتم الكشف خلالها عن غيابه عن مواجهة جنوب السودان، بحجة العشب الاصطناعي، في الوقت الذي كانت تجمع فيه جُل المصادر الصحافية (المحلية) المقربة من صلاح، على أنه ترك المعسكر غاضبا، وحتى فترة قصيرة، كان يُقال إنه يرفض الرد على اتصالات المسؤولين سواء في الاتحاد أو في الجهاز الفني، كنوع من أنواع الاحتجاج القوي على سلوك المدرب العدائي تجاهه وتجاه الشناوي، وحتى عندما قام حسام حسن بإغلاق هذا الملف الشائك، بدا للبعض وكأنه تعمد «دس السم في العسل»، بحديثه عن استحالة أن تتوقف دولة لديها أكثر من 100 مليون على غياب لاعب بعينه، ناسفا النظرة التي تقول إن «المواهب النادرة وأصحاب العقول الفذة»، لا يأتون إلا مرات قليلة في العمر، أو في أضعف الإيمان في تناقص مستمر في مختلف مجالات الحياة وليست كرة القدم وحدها، لذا من الأفضل لكل الأطراف في المرحلة القادمة أن يعمل المدرب على انتقاء كلماته بالصورة التي تتناسب مع منصبه، الذي يعتبره البعض بمثابة وزير الخارجية للكرة المحلية، وإلا ستكون العواقب وخيمة كما تخبرنا العبرة من القصة الشهيرة للمقولة المأثورة «على نفسها جنت براقش».
أخبار متعلقة :