صنعاء ـ «القدس العربي»: تُعدُّ مدينة جبلة (بكسر الجيم) أحد أبرز شواهد تاريخ اليمن السياسي والثقافي في العصر الإسلامي الوسيط، إذ تحوّلت في القرن الخامس الهجري إلى عاصمة الدولة الصليحية، التي حكمت معظم أرجاء البلاد، وأصبحت المدينة مقر حكم الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي، المعروفة في المصادر اللاحقة باسم الملكة أروى، وهي إحدى أهم الحاكمات في تاريخ اليمن.
لا يمكن اختزال خصوصية هذه المدينة في هذه المقدمة السريعة، إذ أن أهميتها وخصوصيتها تتجاوز القدرة على صوغ تقديم في سطور قليلة يمنح المدينة، بما تحتضنه من جامع شهير وقصر أثير، حقها من الأهمية والمكانة، إذ تمثل المدينة نموذجًا متكاملًا لمدينة إسلامية جبلية نشأت وتطورت من خلال التفاعل بين السلطة السياسية والدين والعلم والتجارة والزراعة وإدارة المياه والعمارة المحلية، وفق إحدى الدراسات، التي رفعت من شأنها، منوهة بأهميتها باعتبارها واحدة من أهم المدن التي يمكن، من خلالها، سبر أغوار جزء نفيس من تاريخ اليمن في العصور الإسلامية الوسطى، مشيرة إلى نسيجها العمراني؛ إذ لا تتكون المدينة من مبنى أثري منفرد، بل من «نسيج متكامل يضم الجامع وضريح الملكة وبقايا القصور والمدارس والأسواق والمنشآت المائية والجسور والبيوت الحجرية متعددة الطوابق إلى جانب المدرجات والحقول الزراعية المحيطة».
وقد أًدرجت المدينة في القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» في 20 حزيران/يونيو 2025.
فيما يتعلق بالموقع، تقع جبلة في المرتفعات الوسطى من اليمن ضمن محافظة إب، وتستقر على هضبة صخرية بركانية غير منتظمة مرتبطة بالسفوح الشمالية الشرقية لجبل التعكر. ويصف ملف اليونسكو الخاص بالمدينة، المنطقة التاريخية بأنها تمتد تقريبًا 900 متر من الشرق إلى الغرب ونحو 300 متر من الشمال إلى الجنوب.
تنحدر الهضبة تدريجيًا من الغرب إلى الشرق، وتضيق في المنتصف حيث ينخفض مستوى الأرض. وعند حافتها الشرقية، يتساوى الارتفاع مع عدة تلال هامة أخرى: التل الشمالي الشرقي الذي يضم قصر دار العز، والتلة الشمالية التي لا تزال بقايا التحصينات العسكرية فيها ظاهرة للعيان، وتلة تاجيب في الجهة الشمالية الشرقية.
إقليم ذي جبلة
في كتاب «الحياة العلمية في إقليم ذي جبلة في عهد الصليحيين (458-532ه/1066- 1138م)» تناول الباحث شوقي درهم الفضلي، ما يُعرف اليوم بمحافظة إب، والتي سبق إن عُرف باسم اللواء الأخضر، وهي المحافظة التي تضم بين جنباتها مدينة جبلة، وتعد اسمًا لإحدى مديرياتها، وفق التقسيم الإداري الحالي. وفترة هذه الدراسة مرتبطة، في المبتدئ بالعام، الذي يقول الباحث إنه اختطت فيه مدينة ذي جبلة مركز الإقليم في ذلك الوقت، وانتهت بالعام الذي انتهت فيه الدولة الصليحية بوفاة السيدة بنت أحمد الصليحي.
قال عنها ياقوت الحموي «وهي من أحسن مدن اليمن وأنزهها وأطيبها»، كما قال عنها القاضى محمد الأكوع: «ذو جبلة نسمة السحر وشقيقة القمر، ربة الحسن والإحسان والعلم والعرفان».
التسمية
يقول الباحث شوقي الفضلي، إنها أنشئت على هضبة مسطحة متدرجة معاندة لمدينة إب، وعرفت هذه المدينة في بادئ أمرها بـ«مدينة النهرين»، أو «ذات النهرين» أو كما سماها ابن المجاور «قلعة النهرين» لقربها من مجريين مائيين دائمي الجريان ورد ذكرهما في المصادر.
وأضاف أن هذه التسمية تغيّرت بمجيء الصليحيين، فأصبح الاسم ذي جبلة، وذلك بعد أن أسند الداعي الملك علي بن محمد الصليحي ولاية حصن التعكر إلى أخيه عبد الله بن محمد، الذي قام ببناء المدينة على سفح جبل التعكر سنة 458 / 1066م، بناء على توجيه من أخيه بذلك. أما عن أصل التسمية فيقول إن تسميتها ذي جبلة بهذا الاسم مأخوذة من اسم تاجر فخار يهودي يدعى «جبلة»، كان يبيع آنيته في الموضع الذي بنى فيه الأمير عبدالله دار العز الأولى، فعُرفت المدينة بذي جبلة لذلك، لكنه قال إن هناك من يرى أن هذه التسمية مشتقة من اسم «جبلة» الذي أطلقه العرب على عدة حصون وقرى وُجدت قبل إنشاء مدينة ذي جبلة بـعـدة قرون.
ويعتقد الباحث أن علو شأن هذه المدينة برز كواحدة من أهم المدن اليمنية في العهد الصليحي، بعد أن شاءت لها الأقدار أن تنتزع الصدارة من صنعاء العاصمة الصليحية الأولى، لتغدو عاصمة للصليحيين على عهد المكرّم أحمد بن علي الصليحي بعد أخذه بمشورة زوجته السيدة بنت أحمد الصليحي، التي كانت قد أشارت عليه بذلك، إذ تذكر المصادر التاريخية أنه وبعد عودة المكرّم من زبيد إلى صنعاء وتأمين جانبها من غارات المغيرين عليها، لا سيما من قبل الأشراف آل القاسم العياني، وإزاء اضطراب الأوضاع في صنعاء وما حولها، لم تجد سيدة بنت أحمد بدًا من الانتقال إلى ذي جبلة بعد أن تركت زوجها المكرّم في صنعاء.
اختيارها عاصمة
ويضيف الباحث الفضلي: ومن الباحثين من يرى أن ارتحال السيدة بنت أحمد إلى ذي جبلة كان بتوجيه من زوجها المكرّم الذي أسند إليها إدارة شؤون المناطق الجنوبية والوسطى من اليمن، في حين بقي هو في صنعاء لإدارتها والإشراف على شؤون المناطق الشمالية من مملكته، وخاصة بعد أن أصابه مرض الفالج، الذي كان ألم به أثناء قيامه بتخليص أمه من أسر النجاحيين في تهامة.
ويعتقد أن السيدة بنت أحمد كانت قد آثرت الاستقرار بجبلة، وفكرت بجدية في أن تجعل منها عاصمة صليحية عوضًا عن صنعاء، فمن جهة كانت معجبة بها وكان هواها في الإقامة فيها، ولعل ذلك الإعجاب قد ترسخ من خلال الزيارات المتعددة، التي قامت بها مع زوجها المكرّم إلى ذي جبلة قبل وفاة أم المكرّم أسماء بنت شهاب، ومن جهة أخرى كانت جبلة وما حولها منطقة خصبة وفيرة الخيرات، وقد جاء ذلك على لسانها عندما قالت للمكرّم في محاولة منها لإقناعه بما تريد بأن «ذلك أقر للمملكة وثبوت قواعدها وأسهل جانبًا في مصادر الأموال ومواردها، وهي متوسطة بين اليمن الأعلى والأسفل، وبها يخصب العيش فيطيب المحل».
وإمعانًا منها في إقناع المكرّم بسلامة رأيها، طلبت منه، عندما كان في صنعاء أن يحشد أهل أعمالها إلى الميدان، ففعل، فلما حضروا أشرف عليهم «فلم يقع عينيه إلا على حامل سيف أو رمح»، وعندما توجهت سيدة بنت أحمد مع زوجها إلى ذي جبلة طلبت منه أن يجمع أهل جبلة، ففعل، «فلم يقع عينه إلا على حامل هدية أو سايقها، فقالت العيش بين هؤلاء، فاستوطن ذي جبلة مسكنًا وجعلها محلًا وموطنا».
وبذلك نجحت السيدة بنت أحمد بإقناع المكرّم بسداد رأيها، فاتخذ من ذي جبلة عاصمة لدولته وابتدئ فيها دار العز الثانية «وكان حائطًا فيه بستان وأشجار كثيرة، وهو مطل على النهرين وعلى الدار الأولى، وأمرت السيدة ببناء الدار الأولى مسجدًا جامعا، وهو المسجد الجامع الثاني». وأولت السيدة بنت أحمد عنايتها الكبيرة لهذه المدينة، التي كانت مولعة بها، فأكملت ما كان قد بدأه الأمير السابق عبد الله بن محمد الصليحي من بناء لها، فعكفت في فترة زمنية قصيرة على إعداد جبلة وتعميرها وتجميلها، فأنشأت فيها القصور والمساجد والساحات وغرست بها الأشجار، وحذا حذوها وزراؤها ورجال دولتها حتى ازدهرت وصارت مقصداً للأدباء والشعراء والعلماء الذين حظوا بتشجيع الملكة ورعايتها.
ويقول الباحث الفضلي إن هذه المدينة أصبحت أيضًا مقرًا رئيسيًا للدعوة الاسماعلية، ولكبار دعاتها؛ فقصدها أتباع المذهب الإسماعيلي، وفي مقدمتهم الداعيان: لمك بن مالك الحمادي (ت 510هـ / 1116م) وابنه الداعي يحيى بن لمك (ت 520هـ ـ / 1126م). وبفضل جهود السيدة الحرة في خدمة مذهبها ثم ما قام به كبار الدعاة في ذلك الأمر، نشطت الدعوة الإسماعيلية في مدينة ذي جبلة نشاطًا ملحوظًا، الأمر الذي رشحها بعد ذلك لأن تكون مقرًا رئيسيًا للدعوة الطيبية بدلًا عن القاهرة بعد اغتيال الخليفة الفاطمي الآمر عام 524هـ/1130م على أيدي الفرقة النزارية، ثم ما اتبع ذلك من انفصال الدعوة في اليمن عن مصر بشكل نهائي.
وهكذا غدت مدينة ذي جبلة، وفق الفضلي، المدينة الفتية، عاصمة للدولة الصليحية ومحورًا تدور حوله الأحداث، وقبلة يؤمها أهل العلم ومثلهم أهل السياسة؛ فلكل ضالته المنشودة في مدينة قًدّر لها على صغرها أن تلعب دورًا هامًا من أدوار التاريخ اليمنيّ.
الأهمية والخصوصية
يمكن القول إن الأهمية التاريخية والأثرية لمدينة جبلة تكمن في حفاظها على تراث معماري شامخ يشهد على فترات مشرقة من التاريخ الإسلامي لليمن. اختارت الملكة الحرة «السيدة بنت أحمد الصليحي» هذه المدينة لتكون مقرًا لحكمها، ما أكسبها مكانة بارزة، وفق مصادر رسمية، ترى أن المدينة قد شهدت في عهد السيدة تشييد روائع معمارية خالدة، في مقدمتها «الجامع الكبير»، الواقع في وسط المدينة والملاصق لضريحها.
كما تشمل المدينة من المعالم الأخرى قصر «دار العز»، والمدارس الإسلامية، والمباني ذات القباب، والمنشآت المائية، والجسور؛ وهي أمثلة مذهلة على الهندسة الهيدروليكية وأنظمة إدارة المياه.
وتوضح المصادر نفسها، أن المدينة شهدت في العصور الإسلامية اللاحقة تشييد آلاف المنازل الحجرية البرجية باستخدام الحجر المحلي. ويصل ارتفاع بعض هذه المباني إلى خمسة طوابق، وتزدان بمجموعة متنوعة من النقوش والعناصر الزخرفية وأعمال الجص المتقنة. وتتميز هذه المنازل بخصائص فريدة من حيث الشكل والوظيفة والطراز المعماري، وتتخلل المدينة أسواق تقليدية وأحواض مياه وحمامات عامة. وتحيط بمدينة جبلة من جميع الجهات سهول خضراء يانعة وحقول زراعية، ما يضفي على مشهدها الثقافي جمالًا طبيعيًا أخاذًا.
إلى تلك العوامل، ظلت المدينة مأهولة بالسكان بدون انقطاع منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وحتى يومنا هذا. «وقد أضفى هذا الاستمرار على المدينة مخزونًا غنيًا ومتنوعًا من التراث الإسلامي، يشمل المساجد والمدارس والأضرحة والطرق والجسور وقنوات المياه. وتُظهر هذه المعالم أنظمة متطورة لتوزيع المياه كانت تنقلها من مصادر بعيدة إلى داخل المدينة. وتُعد هذه العناصر – المشيدة بالكامل من الحجر- مثالاً استثنائياً على البراعة المعمارية والوظيفية والهندسية».
المنازل الحجرية
وبالتوقف أمام المنازل التقليدية في جبلة سنجد مصادر تاريخية تعتبرها مثالًا بارزًا على العمارة اليمنية المحلية الأصيلة. إذ تضم أكثر من 3000 منزل. ولا تزال هذه المساكن محتفظة بحالتها الأصلية ومأهولة بالسكان كما سبقت الإشارة، ما يقدّم نموذجًا أصيلًا لمنازل الأبراج الحجرية التقليدية في اليمن. «عند النظر إليها مجتمعة، تشكل هذه المباني نسقًا معماريًا موحدًا. وتزداد القيمة الاستثنائية لمدينة جبلة بفضل موقعها المطل على سهول واسعة وحقول مزروعة ومدرجات زراعية تبرز المشهد الطبيعي الفريد للمدينة وهويتها الثقافية».
وحسب المصادر الرسمية، تحفل هذه المنازل بنمط معماري يمكن قراءته في الأحجار المنحوتة والنوافذ المقوسة والزخارف الجبسية والفتحات الصغيرة والتكوينات الرأسية والواجهات المتدرجة والقمريات والابراج السكنية.
وعلاوة على كل ما سبق؛ فإن من «أجمل ما يميز هذه المدينة التاريخية أنها لا تنفصل عن محيطها؛ فهي مدينة حجرية، لكنك تجد جبالًا ومدرجات ووديان ومياها وحقولا. وبالتالي فالمشهد الزراعي المحيط بالمدينة جزء من قيمتها التراثية».
ولا يفوتنا التوقف أمام ما ورد في أحد المصادر؛ إذ قال: «تقع ضمن مشهد ثقافي يتألف من حقول زراعية ومدرجات من صنع الإنسان. وقبل ذلك تقدم مثالًا حيًا وبارزًا للاستيطان البشري التقليدي في التفاعل بين الإنسان والييئة، لكنها باتت مهددة بالتدهور والتغيير»، فيما يتعلق بالجملة الأخيرة فثمة توقف عندها لاحقًا.
الدولة الصليحية
للتعرف أكثر على مدينة جبلة يجب الاقتراب أكثر من الدولة الصليحية، التي ظهرت في اليمن في القرن الخامس الهجري، واستطاعت خلال فترة من تاريخها السيطرة على أجزاء واسعة من اليمن. وكان مؤسسها علي بن محمد الصليحي، ثم جاء بعده المكرّم أحمد بن علي الصليحي، وكانت زوجته الشخصية التي ستجعل من جبلة واحدة من أشهر مدن اليمن، وتذكر المصادر اليمنية الرسمية أن اسمها في المصادر التاريخية الأقرب إلى عصرها هو السيدة، وأن أسم «أروى» شاع في مصادر لاحقة.
ولدت الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي تقريبًا سنة 440ه/1049م، وتوفيت سنة 532ه،1139م، وقد نشأت في البيئة الملكية الصليحية، وتزوجت من المكرّم أحمد بن علي الصليحي. وعندما أصيب زوجها بالعجز عن إدارة شؤون الدولة، أصبحت صاحبة الدور السياسي الفعلي في إدارة البلاد. وتصفها المصادر التاريخية بأنها كانت ذات علم وثقافة، وأنها اهتمت بالعلماء والفقهاء والمؤسسات التعليمية والعمران. وتقول ذات المصادر «إن الملكة السيدة أو أروى لم تكن مجرد زوجة ملك تحمل لقبًا بروتوكوليًا، لقد أصبحت الحاكمة الفعلية للدولة».
وسبق أن ذكرنا الأسباب التي دفعت الملكة السيدة للانتقال من صنعاء إلى جبلة، لكن منذ انتقالها إلى جبلة أصبحت المدينة قلب الدولة الصليحية. وتغيّرت المدينة بشكل جدري، فظهرت وتوسعت معالمها.
معالم تاريخية
وللتعرف إلى شخصية المدينة وقراءة بعض فصول قصة عظمتها لابد من التوقف قليلًا أمام بعض معالمها التاريخية، من أبرز آثار المدينة سنقف أمام قصر دار العز، وهو القصر المرتبط بالملكة السيدة، وتشير المصادر إلى أن الملكة أشرفت على إنشاء القصر في جبلة، بينما تحوّل القصر السابق إلى المسجد المعروف باسم جامع الملكة أروى، أي أن المبنى الذي كان جزءًا من مركز السلطة أصبح لاحقًا جزءًا من مركز الحياة الدينية والعلمية في المدينة.
لقد صار جامع الملكة قلب المدينة التاريخية، ومن أهم المساجد الإسلامية التاريخية في اليمن. وتختلف بعض المصادر في تحديد تاريخ البناء بدقة؛ لأن المسجد مرّ بمراحل بناء وتجديد، لكن ارتباطه بأروى وبالفترة الصليحية ثابت في المصادر. وملف اليونسكو عن المدينة يعتبر الجامع من أهم عناصر القيمة التاريخية للمدينة، ويضعه في مركز المدينة التاريخية بجوار ضريح الملكة.
يتكون الجامع، وهو ذو تخطيط مستطيل، من صحن مكشوف في الوسط وتحيط به أربعة أروقة، وهذا التخطيط يعطي المسجد طابعًا واضحًا من عمارة المساجد الإسلامية المبكرة والمتوسطة. ويقع بيت الصلاة في الجهة الشمالية، وفيه أعمدة حجرية متعددة الأشكال، منها الأعمدة المستطيلة والمضلعة. وتمثل مئذنتا الجامع من أكثر العناصر التي تميّز أفق جبلة. وتظهر في زخارفها الهندسية والنباتية تقاليد معمارية يمنية مع تأثيرات مرتبطة بالعمارة الفاطمية التي كانت الدولة الصليحية على صلة بها سياسيا ومذهبيا.
ووفقا للمصادر الرسمية والتاريخية، لم يكن الجامع مجرد بيتا للصلاة؛ فقد كان يؤدي وظائف متعددة. فبحسب تلك المصادر، كانت أجزاء من أروقته تستخدم لأغراض تعليمية. أي أن المسجد كان مسجدًا ومركزًا للعلم ومكانًا لحفظ المخطوطات ومؤسسة اجتماعية. ووفق بعض المصادر فإن هذا يتفق مع الصورة الأوسع للحياة العلمية في جبلة. ونقلت هذه المصادر عن دراسات أكاديمية قولها إن المدينة كانت مركزًا علميًا مهمًا في العصور الإسلامية اللاحقة أيضًا.
أما ضريح الملكة فهو من أكثر أجزاء جبلة أهمية، ويقع الضريح في الجزء الشمالي الغربي من الجامع. وتشير المصادر إلى أن الملكة أعدت موضع دفنها بنفسها، وحرصت على أن يكون الضريح منفصلًا معماريًا عن مساحة الصلاة الرئيسة.
لم تكن جبلة مدينة دينية فقط، بل كانت أيضًا مركزًا اقتصاديًا. وهذه النقطة تظهر بشكل واضح في العصر الرسولي. وحسب دراسة عن الأسواق في العصر الرسولي فإن جبلة كانت مركزًا تجاريًا مهمًا، وكان فيها ديوان النظر، وهو مؤسسة مرتبطة بإدارة النشاط المالي والتجاري. وهذا يعني أن المدينة احتفظت بأهميتها حتى بعد أن فقدت لقب العاصمة السياسية.
كما اشتهرت المدينة بوجود قنوات مياه وسواقٍ وخزان وأحواض وجسور ومنشآت مائية وأنظمة لنقل المياه من مصادر بعيدة.
لم تتراجع قيمة المدينة وأهميتها بعد أفول شمس الدولة الصليحية، فتشير إحدى الدراسات إلى أن المدينة كانت مركزًا تجاريًا وماليًا في عهد الدولة الرسولية (626 – 858 هـ / 1229 – 1454 م)، «مما يدلل على بقائها عامرة حتى اليوم؛ فأهمية المدينة لم ترتبط بالقيمة السياسية فقط بل كانت مركزًا علميًا ومن المراكز التجارية وغيرها من المعالم التي تكرّس أهمية المدينة، التي بقيت معها محافظة على بقائها واستمرار تاريخها».
أما ما يميز النسيج العمراني للمدينة؛ فتقول مصادر إن جبلة تقدم نموذجًا مختلفًا قليلًا عن صنعاء. ففي صنعاء القديمة نجد الطين والحجر والزخارف الجبسية والأبراج، أما جبلة فيظهر فيها الحجر والتضاريس الجبلية والأبراج السكنية والمدرجات الزراعية وأنظمة المياه. وقبل ذلك يمكن وضع جبلة ضمن أهم مًدن اليمن التي تشكل كل منها فصلًا مختلفًا في تاريخ البلد. رغم مرور نحو ألف عام على العصر الصليحي، بقيت أجزاء كبيرة من النسيج العمراني للمدينة.
مخاطر
وعلى الرغم من ذلك يواجه تراث المدينة خطر التدهور والتشويه؛ وهو ما يمكن أن يحدث بسبب البناء الحديث غير المتوافق، والإهمال، وضعف الصيانة، وتغيّر مواد البناء، وتمديدات الخدمات الحديثة، والرطوبة، وانهيار بعض المباني، وضعف حماية النسيج التاريخي، والتوسع العمراني، وفق مصادر حكومية، تؤكد على أهمية تعزيز جهود الحفاظ على المدنية وحماية شخصيتها التاريخية والحضارية، بما يضمن ضمها لقائمة التراث العالمي، ولتبقى شاهدًا قادرًا على أن يروي سيرة مرحلة هامة من تاريخ اليمن السياسي والثقافي.
أخبار متعلقة :