برلين- “القدس العربي”: كشفت دراسة ألمانية حديثة أن ارتفاع التدين لدى المسلمين يقترن بتوجه أكبر نحو خدمة المجتمع والمشاركة في الصالح العام. وترصد الدراسة، في الوقت نفسه، تراجعا في مؤشر يجمع الثقة بالمؤسسات والشعور بالعدالة والارتباط بمكان السكن، ما يفتح النقاش حول فرص المشاركة والاعتراف، والظروف التي تساعد على بناء علاقة أكثر ثقة بين المسلمين ومؤسسات المجتمع.
وجاءت النتائج في دراسة “التماسك المجتمعي ودور الدين”، التي نشرتها مؤسسة برتلسمان الألمانية في 29 سبتمبر/أيلول، ضمن “مؤشر الأديان 2026”. واستند التحليل إلى إجابات 5231 شخصا بالغا من سكان ألمانيا، في استطلاع أجراه معهد “إنفاس” في مارس/آذار الماضي عبر الإنترنت وباللغة الألمانية، وشمل أشخاصا من انتماءات دينية مختلفة وآخرين بلا انتماء ديني.
وتقدم النتائج صورة تستحق الاهتمام في النقاش حول الإسلام والاندماج. فبين المشاركين المسلمين، سجل مؤشر التوجه نحو الصالح العام 46 نقطة لدى قليلي التدين أو غير المتدينين، وارتفع إلى 50 لدى متوسطي التدين، ثم إلى 52 لدى الأكثر تدينا. وهذه درجات على مقياس من صفر إلى مئة، وليست نسبا مئوية، والمقارنة هنا بين فئات المسلمين بحسب مستوى تدينهم.
التدين والمشاركة المجتمعية
ويجمع مؤشر التوجه نحو الصالح العام جوانب عدة، بينها التطوع والاهتمام بالسياسة. ومن ثم، فإن ارتفاعه يعكس توجها أكبر نحو المشاركة في حياة المجتمع، مع ضرورة التمييز بين هذا التوجه وبين قياس حجم الخدمات أو الأعمال الخيرية التي يقدمها الأفراد فعليا.
وتوضح الباحثة ياسمين المنور، خبيرة الدين والتماسك المجتمعي في برتلسمان، في عرض المؤسسة للنتائج، أن التدين الإسلامي القوي يقترن، شأنه شأن التدين المسيحي، بعلاقات اجتماعية أفضل وتوجه أكبر نحو الصالح العام. وتلفت إلى أن هذه العلاقة لا تتحول تلقائيا إلى ارتباط أقوى بالمجتمع ومؤسساته.
التدين الإسلامي القوي يقترن، شأنه شأن التدين المسيحي، بعلاقات اجتماعية أفضل وتوجه أكبر نحو الصالح العام
كما تظهر الدراسة أن متوسطي التدين والأكثر تدينا بين المسلمين سجلوا قيما أعلى في العلاقات الاجتماعية مقارنة بالأقل تدينا. وتدعو هذه المعطيات إلى قراءة أوسع لدور الدين في التضامن والمشاركة، مع الانتباه إلى أن الاستطلاع يرصد علاقة بين التدين وهذه المؤشرات، ولا يثبت أن التدين وحده سبب الفروق.
وقال عبد الصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، في تصريح لـ”القدس العربي”: “تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم صورة أكثر إنصافا وواقعية عن المسلمين في ألمانيا، وتفند التصور الذي يجعل من التدين نقيضا للمشاركة المجتمعية. فالنتائج تبين أن ازدياد التدين لدى المسلمين يترافق مع ارتفاع توجههم نحو الصالح العام واستعدادهم للعطاء والتضامن وخدمة المجتمع”.
الثقة والاعتراف
وتبرز أهمية هذه المشاركة عند قراءة النتيجة الأخرى للدراسة. فقد انخفض مؤشر الارتباط بالمجتمع لدى المسلمين من 46 نقطة بين قليلي التدين أو غير المتدينين، إلى 42 لدى متوسطي التدين، ثم إلى 28 لدى الأكثر تدينا.
وهذا المؤشر يجمع الارتباط بمكان السكن والثقة بالحكومة الاتحادية وتقييم عدالة توزيع المكاسب الاقتصادية. ولذلك، فإن قراءته بوصفه حكما على ولاء المسلمين لألمانيا أو استعدادهم للاندماج تتجاوز ما يقيسه. فالاهتمام بالشأن العام والمشاركة الاجتماعية يمكن أن يترافقا مع انتقاد أداء الحكومة أو الشعور بأن الفرص والمكاسب لا توزع بعدالة.
وعند تفسير هذه الفجوة، تناقش دراسة برتلسمان عوامل محتملة، بينها تجارب التمييز والصور السلبية عن المسلمين في النقاش العام، وضعف الاعتراف المؤسسي والتمثيل. وتتناول أيضا دور الروابط داخل الجماعة الدينية ومدى امتدادها إلى خارجها. وتبقى هذه تفسيرات تحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد أثر كل منها، بينما تؤكد النتائج المتعلقة بالصالح العام أهمية تجنب اختزال التدين الإسلامي في الانعزال عن المجتمع.
وأضاف اليزيدي لـ”القدس العربي”: “وفي المقابل، ينبغي أن يدفعنا تراجع الشعور بالارتباط بالمجتمع ومؤسساته إلى التأمل الجاد. فعندما يكون الإنسان مستعدا للإسهام والعطاء، لكنه لا يشعر بالقدر نفسه من الاعتراف والانتماء، فإننا نكون أمام فجوة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد”.
وتابع: “المطلوب مزيد من الانفتاح وبناء الجسور من جانب المؤسسات الإسلامية، وفي الوقت نفسه تعزيز المشاركة المتكافئة والاعتراف المؤسسي والتصدي للتمييز والصور النمطية. فالانتماء ليس التزاما أحادي الجانب، وإنما علاقة متبادلة تُبنى بالمشاركة والثقة والاعتراف”.
التمييز والثقة
وتضع الدراسة هذه النتائج ضمن تطورات تشمل المجتمع الألماني عموما. فقد ارتفع مؤشر التماسك المجتمعي العام إلى 51 نقطة في عام 2026، بعدما بلغ 46 في عام 2023. لكن الثقة بالحكومة سجلت 37 نقطة، فيما تراجع الشعور بالعدالة إلى 25 نقطة، وهو أدنى مستوى خلال السنوات التي قارنتها الدراسة.
وتوضح هذه الخلفية أن التوتر في العلاقة مع المؤسسات والشعور بغياب العدالة يمتدان إلى المجتمع الأوسع. أما لدى الأقليات الدينية، فتناقش الدراسة احتمال أن تزيد تحديات التمثيل والاعتراف وتجارب التمييز من صعوبة بناء الثقة.
وتوصي برتلسمان بتوسيع فرص اللقاء والعمل المشترك بين الجماعات الدينية والاجتماعية، وإشراك الأقليات الدينية بصورة أكبر في التشاور والمشاركة وصنع القرار. وتذكر إضاءة رمضان في فرانكفورت مثالا على الاعتراف الرمزي، مع التأكيد على أهمية اقترانه بالمشاركة المتكافئة ومعالجة التمييز المؤسسي.
أخبار متعلقة :