في كانون الأول/ديسمبر 1995، بعد أشهر من مغادرته الإليزيه وقبل أسابيع من وفاته، كان فرنسوا ميتران في شقته الباريسية حين مرّت بالقرب منها ذخائر القديسة تيريز الطفل يسوع. وبحسب الرواية التي نقلها جان غيتون لاحقاً واستعادها الأسقف كلود داجان، طلب ميتران أن يقترب منها ويلمسها. لم يكن ذلك تفصيلاً غريباً تماماً في سيرة رجل ظلّت علاقته، على تعقيدها، بالعالم الكاثوليكي الذي خرج منه قائمة حتى النهاية.
فالعلاقة بالمسيحية، على حدّة الانقسامات التي عرفتها فرنسا منذ ثورتها الكبرى، لم تكن يوماً قابلة للاختزال في ثنائية بسيطة بين المؤمن والعلماني. بل إن تاريخ العلمانية الفرنسية نفسه أكثر التواءً من السردية التي تجعله مسيرة خطية لتحرير الدولة من الكنيسة. فالثورة الكبرى، في إحدى أكثر مراحلها جذرية، لم تسعَ فقط إلى تحجيم نفوذ الإكليروس، بل حاولت أيضاً إعادة تنظيمه وإخضاعه للنظام السياسي الجديد من خلال «الدستور المدني للإكليروس». وكان أحد منابع الصدام أن قسماً واسعاً من رجال الدين رفض أداء قسم الولاء المطلوب للنظام الجديد. ثم أخذت الثورة، مع تصاعد ديناميتها الراديكالية، منعطفاً أكثر غرابة حين حاولت إعادة تشكيل المجال الرمزي والديني نفسه، وصولاً إلى «عبادة الكائن الأسمى» المرتبطة بروبسبيير، والتي أصبحت بدورها أحد مظاهر عزلة السلطة اليعقوبية في أشهرها الأخيرة، قبل أن تنتهي بروبسبيير إلى المقصلة نفسها التي كان قد أرسل إليها عدداً من خصومه ورفاقه السابقين.
أما علمانية الفصل القانوني بين الكنائس والدولة فلم تتبلور إلا لاحقاً، في ظل الجمهورية الثالثة، وبلغت صيغتها الحاسمة مع قانون 1905. والمفارقة أن هذه الجمهورية، التي ستجعل العلمانية لاحقاً جزءاً مركزياً من هويتها السياسية، نشأت هي نفسها فوق جرح دموي عميق: سحق كومونة باريس ومجازر «الأسبوع الدامي» سنة 1871. ولم تكن الجمهورية الثالثة، مع ذلك، زمناً لانحسار الدين ببساطة. ففي سنواتها نفسها شهدت فرنسا اتساعاً ملحوظاً لأشكال التدين الجماهيري، وصعود الحج إلى سيدة لورد بما جعل المكان أحد أكبر مسارح الكاثوليكية الشعبية الحديثة.
وقد التقط إميل زولا هذا التوتر في روايته «لورد». فمن جهة، ثمة في النص دهشة تكاد تبلغ حد الافتتان أمام كثافة الحماسة الدينية وقدرة الإيمان على إنتاج عالم وجداني وجماعي بالغ القوة ومتمسّك بالخوارق؛ ومن جهة أخرى، يُخضع زولا هذا العالم لتشريح عقلاني وعلمانوي غليظ.
وفي المقابل، نجد جان جوريس، أبرز زعماء اليسار الاشتراكي والبرلماني في تلك الجمهورية، يجمع بين موقف شديد الصلابة في مسألة العلمنة وبين نظرة أقل عدائية، بل احتضانية في جوانب منها، إلى المسيحية. كان يريد للمسيحية أن تعيد إصلاح نفسها في العصر الحديث، وأن تتصالح في آن واحد مع حرية الضمير ومرجعية العلم. لم يكن يريد للاشتراكية أن تتحول إلى عقيدة مسيحية، بقدر ما كان يرى إمكان أن تستعيد، في صيغة دنيوية، شيئاً من طاقة المسيحية الأخلاقية، من حيث هي تراث كوني من الأخوة والعدالة والتحرر الإنساني.
لهذا أيضاً لم تكن علمانية 1905 انتصاراً للتيار الجمهوري الأكثر عداءً للإكليروس. بل جاءت، إلى حد ما، نتيجة تراجع هذا التيار أمام تصور أكثر اعتدالاً للفصل، ارتبط خصوصاً بأريستيد بريان وفردينان بويسون، وبمساندة جوريس. ثم أدت مقاومة الكنيسة للقانون إلى مزيد من التكيّف والتسوية: فصلٌ للكنيسة عن الدولة، من دون أن يعني ذلك إخضاع الكنيسة لرقابة الدولة أو جعل التضييق على ممارسة الشعائر غاية في ذاته.
وجاءت الحرب العالمية الأولى لتغيّر المشهد مرة أخرى. فقد ساهم «الاتحاد المقدس» سنة 1914 وبعد هنيهة من اغتيال جوريس، وبالتالي الاصطفاف العام خلف المجهود الحربي، في تخفيف حدّة الصدع القديم بين «فرنسا الكاثوليكية» و«فرنسا الجمهورية». فقدت الانقسامات روائح الاحترابية الأهلية.
الى أن عاد الانقسام بمفعول رجعي، مع نظام التعاون مع الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية، نظام فيشي. فقد أدى تعاطف قسم واسع من الهرمية الكنسية والمحافظين مع نظام المارشال بيتان إلى إعادة تغذية الارتياب. لم يتحول ذلك بعد التحرير إلى قطيعة مع الكاثوليكية نفسها. فمن المقاومة خرج أيضاً تيار كاثوليكي ديمقراطي قوي، وصعدت الحركة الجمهورية الشعبية، إلى قلب النظام السياسي الجديد. وكان شارل ديغول نفسه كاثوليكياً ممارساً، والديغولية حملت على الدوام سمة كاثوليكية اجتماعية ما، كما أن اليمين أمضى بالمحصلة زمناً أطول بكثير في حكم فرنسا بعد الحرب من مجمل قوى اليسار.
لهذا فإن الكلام عن «عودة فرنسا الضالة» إلى الكثلكة ينطوي على قدر كبير من الفانتازيا التاريخية. فرنسا لم تغادر الكاثوليكية يوماً بالمعنى البسيط الذي يسمح لها بأن «تعود» إليها الآن. الذي تبدّل مراراً هو موقع الكاثوليكية داخل الدولة والمجتمع والذاكرة القومية. والتاريخ الفرنسي الحديث، أكثر مما هو تاريخ قطيعة بين الجمهورية والمسيحية، هو تاريخ إعادة تفاوض دائمة على الحدود بينهما.
على أقصى اليمين نجد في المقابل شارل موراس، أهم منظّري القومية الفرنسية في مطلع القرن العشرين، أراد شيئاً يكاد يكون مفارقة قائمة بذاتها: كاثوليكية بلا إيمان! أخذ من أوغست كونت فكرة أن المجتمع يحتاج إلى رابطة ونظام وتراتبية، لكنه استبدل «الإنسانية» الكونتية بالأمة الفرنسية. ما أراده من الكاثوليكية لم يكن العقيدة المسيحية بقدر ما كان المؤسسة والانضباط والاستمرارية الرومانية. بل إن نزوعه القومي قاده إلى الارتياب من المسيحية نفسها بما فيها من نسب يهودي. لذلك لم يكن غريباً تماماً أن يصطدم هذا «الكاثوليكي بلا إيمان» بالكنيسة: في 1926 أدان بيوس الحادي عشر «الأكسيون فرانسيز»، ونُشر قرار وضع سبعة من كتب موراس وصحيفة الحركة على فهرس المحظورات. وفي نهاية الأمر، انتهى موراس جزءا من نظام التعاون مع الألمان، بعد أن أمضى العقود الطويلة ينفخه قوميته بالعداء لهم.
العلاقة بالمسيحية، على حدّة الانقسامات التي عرفتها فرنسا منذ ثورتها الكبرى، لم تكن يوماً قابلة للاختزال في ثنائية بسيطة بين المؤمن والعلماني
المفارقة لم تعد نفسها اليوم. اليمين الشعبوي ليس موراسياً. وهو شديد التمسك بالعلمانية في جانب من خطابه، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالإسلام والحجاب والحيز العام، لكنه يستدعي في الوقت نفسه «الجذور المسيحية لفرنسا». تصبح العلمانية هنا لغة لضبط الإسلام الفرنسي، فيما تصبح المسيحية لغة للذاكرة القومية: كلوفيس، ريمس، الكاتدرائيات، جان دارك، الأجراس وتقويم الأعياد.
لوقت طويل كان الانتظام في الممارسة الكاثوليكية يشكل نوعاً من المناعة النسبية تجاه الجبهة الوطنية. هذه المناعة تآكلت مع الوقت. في الدورة الأولى من انتخابات 2022 نالت مارين لوبين 21 في المئة من أصوات الكاثوليك الممارسين بانتظام، بعد أن كان هذا الوسط أكثر ارتباطاً تاريخياً باليمين الجمهوري التقليدي. بالمحصلة يمكن قومنة الجذور المسيحية. أما الرابطة الحضارية للمجتمعات ذات الكثرة المسيحية فداخلة حكما في باب التنافر مع التأطر «الترابي – القومي».
يظهر التناقض أوضح مع زيارة البابا لاون الرابع عشر. فالخطاب البابوي الحالي يواصل الدفاع عن المهاجرين واللاجئين، وقد خصّص لاون رسالته لليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين في 27 أيلول/سبتمبر 2026 للأطفال المهجّرين، رابطاً استقبالهم بواجب أخلاقي مسيحي مباشر. يستطيع اليمين القومي أن يستقبل البابا بوصفه رمزاً للحضارة المسيحية؛ الأصعب استقباله حين تنتقل المسيحية من الهوية إلى المضمون.
اليسار الفرنسي يقع في المفارقة المعاكسة: أقرب إلى الكنيسة في مسائل الهجرة والفقر والتفاوت والمناخ، وأبعد عنها في الإجهاض والأخلاق الجنسية والبيوأخلاق ونهاية الحياة والتعليم الديني. لكنه ترك هو الآخر فراغاً. فبدلاً من تفكيك الرواية التي تجعل الهجرة مجرد نتيجة لسياسة يسارية، وربطها بتاريخ الإمبراطورية وسوق العمل وحاجة رأسمالية «الثلاثين المجيدة» إلى اليد العاملة، انصرف جزء منه أكثر فأكثر إلى معارك الهوية والتمثيل فيما ضعف حضوره التنظيمي في عالم العمل والمناطق الصناعية.
يصعب التخيل كيف يمكن إيقاف مارين لوبان اليوم إذا ما انحصر السباق بها وبميلانشون، ولا يبدو أن انتقاد البابا لاون لغياب المسيحية الحقة عند هذه التيارات المتطرفة ولا بث مواقف معادية للسامية لرئيس «التجمع الوطني» جودران بارديلا بامكانها التأثير على المسار. أما الجمهور الذي استقبل البابا، فمنه المدفوع بالإيمان، ومنه المدفوع بالهوية، ومنه القلق على أحوال فرنسا ككل. بمجرد أن نصف الناخبين لن يصوتوا لمرشحي الشعبوية، يمينها ويسارها في الدور الأول، ولن يتمكنا من وقف تأهلهما للدور الثاني، فهذا يعكس قلقا مجتمعيا يتخطى الحسبة التقنية.
أما «التوبة» من العلمنة الى الكثلكة فهذه خرافة. لا يلغي في المقابل، أن أسطورة سياسية قادرة على استلهام كل من التراثين المسيحي والجمهوري الاجتماعي في تاريخ فرنسا كان يمكنها رفع منسوب المناعة بإزاء الشعبويين.
٭ كاتب لبناني
أخبار متعلقة :