تامر هنداوي
القاهرة ـ «القدس العربي»: تنازلت أمريكا عن شرط يتعلق بحقوق الإنسان، لمنح مساعدات عسكرية لمصر تتجاوز قيمتها 300 مليون دولار، بسبب «الدور المفيد» الذي تلعبه القاهرة منذ شن الولايات المتحدة الحرب على إيران.
الأمر الذي وضعه المدير التنفيذي للمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، شريف هلالي، في سياق تراجع أولوية حقوق الإنسان في السياسة الأمريكية في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، الذي باتت إدارته تولي المصالح السياسية والاقتصادية اهتمامًا أكبر من اعتبارات حقوق الإنسان. وأضاف لـ«القدس العربي»، أن إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تجاوز القيد الذي كان يمنع صرف مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 320 مليون دولار، بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، يأتي في سياق السياسة الأمريكية الحالية التي تتراجع فيها اعتبارات حقوق الإنسان لصالح المصالح السياسية والاقتصادية.
وبين أن الاهتمام بحقوق الإنسان ومراعاة القانون الدولي، تراجعا في عهد ترامب مقارنة بما كان عليه الحال خلال فترات حكم الرؤساء الديمقراطيين، مستشهدًا بأوضاع حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية، وبما وصفه باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وتابع أن الاهتمام الأمريكي بملف حقوق الإنسان في عهد ترامب اقتصر على تصريحات يدلي بها مسؤولون أمريكيون خلال زياراتهم إلى دول في الشرق الأوسط، دون أن ينعكس ذلك على توجهات الإدارة وسياساتها بصورة أوسع.
ولفت إلى أن المنظمات الحقوقية الدولية، وكذلك المنظمات المعنية بتقديم الدعم لبعض البلدان النامية، تواجه أزمة مالية وعجزًا حادًا في ميزانياتها، نتيجة القرارات والسياسات التي اتخذتها إدارة ترامب عقب عودته إلى السلطة في الولايات المتحدة.
وبين أن هذه الأزمة تتمثل في تقليص التمويل، وتجميد الحسابات، والانسحاب المباشر من الهيئات الأممية، بما ينعكس على قدرة المنظمات المعنية على مواصلة أنشطتها وبرامجها.
وبدأت مصر في تلقي دعم أمريكي كبير عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وتحصل على مساعدات عسكرية أمريكية بنحو 1.3 مليار دولار سنويا منذ أواخر الثمانينيات.
ويخضع جزء من هذه المساعدات لشروط مرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية، ويمكن الإعفاء منها لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وأدى حجب أموال، بما في ذلك خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إلى توتر العلاقات بين القاهرة وواشنطن في السابق.
وجاء في رسالة بتاريخ 21 سبتمبر/ أيلول وموجهة إلى عدد من لجان الكونغرس أن وزير الخارجية ماركو روبيو «قرر الإعفاء من شرط إصدار شهادة فيما يتعلق بتمويل عسكري خارجي لمصر بقيمة 320 مليون دولار للسنة المالية 2025». وأكدت وزارة الخارجية هذا الإعفاء لاحقا.
ووفقا لمذكرة مرفقة تبرر القرار، اعتبر هذا الجزء من المساعدات العسكرية «ضروريا لبرامج مكافحة الإرهاب أو أمن الحدود أو منع الانتشار، أو مهما على نحو آخر لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة».
هلالي لـ«القدس العربي»: لم تعد أولوية في عهد ترامب والمنظمات تعاني مالياً
وقالت المذكرة المؤرخة في الرابع من سبتمبر/ أيلول وتحمل توقيع روبيو إن «ممارسة سلطة الإعفاء هذه ضرورية للعلاقة بين الولايات المتحدة ومصر ولأولويات الأمن القومي الأمريكي، لا سيما في ضوء الدور المفيد الذي أدته مصر عقب عملية ملحمة الغضب».
وملحمة الغضب هو الاسم الذي يستخدمه الجيش الأمريكي للحرب على إيران التي شنتها واشنطن بالاشتراك مع إسرائيل في أواخر فبراير/ شباط. ولم توضح مذكرة وزارة الخارجية، التي أكد مصدران في واشنطن مطلعان على الرسالة صحتها، طبيعة ما وصفته بالدور «المفيد» لمصر.
وعادة ما يتعلق قرار وزارة الخارجية الأمريكية السنوي بشأن المساعدات العسكرية لمصر بأموال خُصصت في السنة المالية السابقة، التي تنتهي في 30 سبتمبر/ أيلول.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية إن روبيو اتخذ قرار الإعفاء حرصا على أمن الولايات المتحدة، وإن واشنطن تواصل التعاون مع الحكومة المصرية بشأن مجموعة من القضايا.
وقال المتحدث في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني «قرار الإعفاء يؤكد أهمية الحفاظ على التعاون الأمني مع مصر في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية كبيرة».
ولم تصدر وزارة الخارجية المصرية تعليقا بعد.
وفرض امتداد تداعيات الحرب على إيران تكلفة باهظة على شركاء الولايات المتحدة الأمنيين، ومنهم مصر التي تعرض اقتصادها لضغوط جراء ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات أخرى.
وجرى حجب مساعدات نقدية بمئات الملايين من الدولارات، إلى جانب دبابات وطائرات هليكوبتر وصواريخ وطائرات مقاتلة، بعدما أطاح الجيش المصري بمحمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطيا في البلاد وسط احتجاجات حاشدة في 2013.
وفي عهد بايدن، حجبت الولايات المتحدة أجزاء من مخصصات المساعدات العسكرية السنوية عدة مرات بسبب سجل مصر في مجال حقوق الإنسان.
وفي 2024، عقب هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الذي قادته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل والحرب التي أعقبته في غزة، تجاوزت إدارة بايدن شروط حقوق الإنسان ومنحت مصر كامل مخصصات المساعدات البالغة 1.3 مليار دولار للمرة الأولى خلال إدارته.
واضطلعت مصر بدور محوري في مفاوضات وقف إطلاق النار المتعلقة بالعمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك اتفاق تسنى التوصل إليه في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لكنها كانت أقل ظهورا في الوساطة بشأن الحرب مع إيران.
وتتهم جماعات حقوقية مصر منذ فترة طويلة بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بما في ذلك التعذيب والإخفاء القسري.
وألقت الشرطة المصرية هذا الأسبوع القبض على ستة صحافيين يعملون في منصة إعلامية متخصصة في التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية، متهمة إياهم بنشر معلومات كاذبة لصالح جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، وهو ما نفته المنصة.
وتقول السلطات المصرية إنها اتخذت خطوات لمعالجة أوضاع حقوق الإنسان. ويقول السيسي إن الاستقرار أولوية قصوى، وإن الحكومة تعزز الحقوق عبر السعي إلى توفير الاحتياجات الأساسية.
أخبار متعلقة :