بوابة مصر الجديدة

«غزة 13»… ما الذي يعنيه هذا الفيلم للمشهد السينمائي الفلسطيني؟

تكثر الوثائقيات عن غزة، قبل الحرب وخلالها، وبالضرورة من بعدها وهذا ما يتّضح في الأشهر الأخيرة. لا يخالف ذلك المتوقَّع، فالوثائقيات عموماً لا تتطلب أن تكون منجزَة من قبل أصحاب القضية، أيّ قضية.
هذا الكلام يكون بإسقاط عالمي، ليس الفلسطينيون فيه استثناء، لكنهم، والغزيون منّهم تحديداً، أصحاب تفصيل شديد التكثيف ضمن قضية جذبت وتجذب، تاريخياً وليس راهناً فقط، صنّاع أفلام وثائقية من العالم، من منطلقات تضامنية أو إنسانية أو فقط مهنية، والصناعة الأجنبية للفيلم الغزّي توازي، كماً ونوعاً، تلك الوثائقيات التي يصنعها فلسطينيون عن غزة.
ليست الصورة على هذه الحال في الفيلم الروائي، فالحضور الشديد، والضروري، لغزة في السينما الوثائقية، لا يقابله في السينما الروائية حضور لا كماً ولا نوعاً. عادة ما يكون توجّه الأجانب إلى قضايا الآخرين، في سينما وثائقية لا روائية، أما تلك الروائية فعادة تكون من صنع أصحاب القضايا أنفسهم، لاعتبارات عامة تتخطى الشأن الفلسطيني، ففي وقت تحوم الوثائقيات حول مسائل وأحداث بين السياسة والاجتماع والتاريخ وغيرها، ما يمكن أن يجعل من الشغل الوثائقي فيلميّاً أقرب إلى عمل صحافي استقصائي أو غيره، ما لا يكون حاجزاً بين صانع الفيلم وموضوعه، ما يمكن دراسته والبحث فيه لإنجاز فيلم عنه، فيمكن لأي صحافي أو صانع أفلام وثائقي الاضطلاع بموضوع خارج انتماءاته الثقافية والوطنية، الروائيات حالة مختلفة.
في الفيلم الروائي لا بد من حوارات يكتبها أحدهم، لا بد من معرفة بالشخصيات، بالقصة، بالانعطافات ضمن هذه القصة الملائمة لمكان الحدث وزمانه، للخصوصية والمصداقية، للنفسيات واللهجات، للمشاغل اليومية والهموم الحياتية، وهذا كله مختلَق، مؤلَّف، يعتمد على الصانع وفريقه في الروائي. في وقت يمكن للشهود والضيوف والشخوص في الوثائقيات التكفّل بذلك.
هذا كله كان للقول إن فيلماً روائياً جديداً يخرج من غزة، هو بحد ذاته، بمعزل عن أي اعتبارات فنية، حدثٌ معتبَر ضمن مسار السينما الفلسطينية في الأعوام الأخيرة. أما إلحاق ذلك بحرب الإبادة، فهذه قيمة مضافة للفيلم. الندرة في التناول السينمائي الروائي لغزة ما قبل الحرب قابَله فيلم باكر لم يتأخر عن الخروج من بعد الحرب.
الفيلم الروائي «غزة 13» لحسام أبو دان، المشارك في مهرجان تورنتو السينمائي الأخير، في قسم «لايتبوكس»، يقدم أكثر مما يمكن أن ينحصر في ذاته. في خبر خروجه اليوم أكثر مما هو كلام عن فيلم فلسطيني جديد وحسب. هذا فيلم روائي لا يكون عن غزة وحسب، أي أن القطاع ليس موضوعاً وكفى، بل هو ذات، الفيلم من غزة. منها وهذا أبعد وأعلى من أن يكون عنها وحسب. صُوّر هناك، صُنع هناك، بفريق هو عملياً ناجٍ من حرب إبادية. هذا أولاً.


أما ثانياً فهو فيلم يأتي من بعد غياب مريع، وغير مبرَّر، لغزة في السينما الروائية الفلسطينية، وليس في الوصف بالمريع أي مبالغة، ففي وقت كانت غزة مركزاً في السينما الروائية في التسعينيات، صارت هامشاً من بعد عام ألفين، وتكاد تختفي، وتُهمَّش أكثر من قبل السينمائيين الفلسطينيين مع تقدم الزمن وتكاثر العناوين الفلسطينية في العشرين عاماً الأخيرة. هذا الكلام واللوم محصور بالروائيات. فحال الصناعة الوثائقية المتناولة للمواضيع الغزية تَحسّن مع الزمن، وإن كان ذلك بمساهمة خاصة لصنّاع أفلام أجانب.
من بعد عام ألفين، حضرت غزة في السينما الروائية الفلسطينية، لكن بشكل سياحي، بعناوين أجنبية، وبمضامين موجَّهة بفضائحيّة للأجنبي، إضافة إلى مثال كارثي كان مسيئاً سياسياً وسيئاً فنياً، بمقاربة أنسب لتكون فيلماً «كوميدياً إسرائيلياً أو أوروبياً»، هو «أسبوع غزاوي» (2022)، الطموح ليقارب فيلماً فرنسياً مبتذلاً بعنوان «خنزير غزة» (2011). هذا كله كان من بعد تناولات مختلفة لغزة في هذه السينما، ليس المجال هنا لذكرها كلها، ومن بعد أفلام ممتازة لميشيل خليفي ورشيد مشهراوي في التسعينيات، طبعت ذلك العقد وحفظت لغزة موقعها السينمائي المتوافق مع موقعها النضالي في تاريخ الفلسطينيين.
من بعد كل ذلك أقول، إن إنتاج فيلم روائي من داخل غزة، كما كان حال أفلام التسعينيات، هي مسألة تتخطى الفيلم بحد ذاته، هو باب فُتح للتّو، دعوة إن لم تكن لسينمائيين بالذهاب إلى هناك لصناعة روائيات لا عن القطاع وحسب، بل منه، من داخله، فهي أصلاً دعوة للقول إن في غزة سينمائيين، وإنّ هنالك إمكانية لصناعة روائيات إضافة إلى الوثائقيات، من داخل القطاع، وإنّ ما يحتاجه الفنانون والحرفيون هناك هو الدعم الممكن أن تقدّمه مؤسسات وأفراد من خارج القطاع.
«غزة 13» يثبت أنه ليس هناك نقص حِرفي ومِهني في صناعة روائية للسينما من داخل القطاع. والأفلام الروائية الفلسطينية المصنوعة من خارجه، في ظروف أفضل في الضفة والقدس، وفي ظروف مريحة في الدّاخل والشّتات، ليست ـ بالضرورة وفي كلّيّتهاـ أفلاما متفوّقة عمّا يُصنع من غزة. هذا يضع العاملين وأصحاب القرار في الصناعة والإنتاج السينمائيين فلسطينياً وعربياً، أمام مسؤولية تأمين ما يحتاجه القطاع من إمكانيات ولوجستيات ومعدات. النتيجة كانت هنا بفيلم يسرد بصدق كاشف، مشاكلَ أهالي القطاع اليوم هناك، بصدق لا نراه في أفلام «عن» غزة، بل «منها».
يحكي الفيلم عن فتاة، ابنة 13 عاماً، مصِّوراً من خلالها، مجتمعاً هشّمته الحرب، مجتمعاً يعيش أفراده تحديات تركها جيشُ الإبادة من بعد خروجه، ترك الناسَ تنهش بعضها بعضاً. تُرك الأب وحيداً في حماية ابنته من بعد استشهاد زوجته وأبناء آخرين. الفقر حالة عامة، الخيام منازل دائمة، المساعدات وسائل ابتزاز، وغيرها مما يجعل الحياة هناك تحدياً جوهرياً، وجودياً، من دون الحاجة لذلك إلى ممارسات مباشرة من جيش الاحتلال، فهذا الأخير ترك تلك الظروف كأنها ألغام متفجّرة على طول اليوم، على طول الأيام التي لا يقصف فيها. وهذا الاختناق كلّه تحوم في أفقه أصوات ملحّة وأبديّة للمسيّرات الإسرائيلية. لسنا هنا في مسايرة سياسية تغازل الأجانب، ولسنا في مُزاح غليظ أو سياحة بليدة في تصوير غزة والغزيين. بل مصداقية موجَّهة للمُشاهد الغزي والفلسطيني قبل غيره.
يستعيد «غزة 13» جانباً مغيَّباً في السينما الفلسطينية، جديراً بالوصول إلى مهرجان بحجم تورونتو السينمائي. هو أولاً فيلم بموضوع غزّي، هو ثانياً روائي، وهو ثالثاً صناعة سينمائية من داخل غزة، بفريق غزّي، بمواقع تصوير غزية، بمهارات غزية، هو رابعاً بموثوقية لا تجامل المموِّل والمبرمِج والموزِّع الغربيّ. هو أخيراً فاتحةٌ للقول إن غزة تستفيق من كابوس الإبادة على عمل سينمائي يصنعه أهلها. إن كان من استنتاج واحد هنا، وكاف، فهو ضرورة التقاط باقي الفلسطينيين مقبَض الباب الذي فتحه هذا الفيلم، والتوجه أكثر، في الدعم والمساندة، للفيلم الروائي الغزّي، لا غزيّ الموضوع، بل غزّي الصناعة. فيلم من غزة وفيها.

كاتب فلسطيني/ سوري

أخبار متعلقة :