بوابة مصر الجديدة

بين «دولي» والذكاء الاصطناعي… أين يضع الإنسان الحدود؟

محمد الشقاع

تدور هذه الأيام أحاديث واسعة حول التحذيرات التي أطلقها جاكوب كوكسون (Jacob Coxon)، الباحث في التدريب المسبق لدى OpenAI وAnthropic، عقب استقالته من الأخيرة احتجاجاً على ما وصفه بـ«السباق المحموم والمقامرة بحياة البشر». يرى كوكسون أن السباق نحو أنظمة أكثر استقلالاً وقدرة على تحسين نفسها يحمل مخاطر وجودية، ويخشى وصولها إلى مستويات من القدرة تفوق قدرة الإنسان على مواكبتها.
في بريطانيا، يجمع النقاش بين المخاطر والفرص. يبرز هنا مات كليفورد (Matt Clifford)، رئيس وكالة أبحاث الابتكار المتقدمة ARIA ومستشار رئيس الوزراء لشؤون فرص الذكاء الاصطناعي، المرتبط بإعداد «خطة عمل فرص الذكاء الاصطناعي» لتعزيز موقع بريطانيا الاقتصادي والبحثي في هذا المجال.
يعيد هذا النقاش إلى الذاكرة طفرة علمية هزت العالم قبل ثلاثة عقود: النعجة «دولي». في عام 1996، وقف العالم أمام أول حيوان ثديي يُستنسخ من خلية جسدية بالغة. كان الإنجاز العلمي هائلاً، والسؤال تجاوز المختبر سريعاً: إذا أصبح استنساخ حيوان ممكناً، فماذا عن الإنسان؟ تحولت المناقشات إلى قضايا النسب والأسرة والهوية والكرامة الإنسانية، وتدخلت المؤسسات الدينية والأخلاقية والسياسية، وتبعتها قوانين ومواثيق وضعت الاستنساخ التناسلي البشري ضمن أكثر المجالات العلمية حساسية. ظلت «دولي» نفسها هامشاً للقلق الحقيقي؛ السؤال الأعمق كان في ما يمكن أن يأتي بعدها.
بعد ثلاثة عقود، يقف الإنسان أمام تقنية مختلفة تماماً، تفتح سؤالاً مشابهاً. بدأ الذكاء الاصطناعي أداة لمعالجة المعلومات، وأصبح قادراً على الكتابة والترجمة وتحليل الصور والبرمجة وحل مسائل معقدة، ووصل الحديث إلى قدرته على الاقتراب من مسائل رياضية ظلت عصية لعقود، بينها إحدى مسائل الألفية السبع، في إعلان ما زال قيد التدقيق العلمي.
أما الذكاء الفائق فيعني، نظرياً، تجاوز الأنظمة قدرات أفضل العقول البشرية في مجالات متعددة، بدلاً من التفوق في مهمة واحدة. يرى كوكسون وباحثون آخرون أن بعض النماذج تقترب من هذه العتبة، بينما يرى آخرون أنها ما زالت أدوات متقدمة ضمن حدود يحددها الإنسان. وسط هذا الجدل، يبرز سؤال يتجاوز الاستخدام اليومي: هل نبقى أمام أداة شديدة القوة، أم أمام مرحلة جديدة تتغير فيها علاقة الإنسان بما يصنعه؟ للذكاء الاصطناعي وجه آخر، يتغلغل في صلب حاجات الإنسانية الملحة: تسريع اكتشاف الأدوية وتحليل الجينوم في مواجهة شيخوخة السكان، وترشيد الطاقة في مواجهة أزمة المناخ، ورفع إنتاجية اقتصادات تتباطأ، وتطوير التعليم والصناعة والبحث العلمي. وهنا تختلف قصة الذكاء الاصطناعي عن قصة دولي. ارتبط وضع حدود للاستنساخ البشري بمختبرات وممارسات محددة، يسهل تنظيمها قانونياً. أما الذكاء الاصطناعي فدخل بالفعل في الاقتصاد والجامعات والمختبرات والشركات والحياة اليومية، ويتطور عبر شبكة عالمية من الشركات ومراكز البيانات والباحثين، تسندها منافسة اقتصادية واستراتيجية بين قوى كبرى. في تجربة الاستنساخ، كان السؤال: أين يوضع الحد؟ مع الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال: كيف توضع الحدود، وكيف نستفيد من التقنية داخلها؟ حاول أكثر من ألف باحث وخبير، عبر رسالة معهد مستقبل الحياة عام 2023، الدعوة لوقف مؤقت لتطوير الأنظمة الأضخم، وتضخّم عدد الموقّعين إلى ثلاثين ألفاً حتى يومنا هذا؛ استمر السباق رغم الرسالة، تأكيداً على محدودية خيار الكبح المباشر. لذلك يتجه النقاش نحو التنظيم واختبارات السلامة والشفافية والتعاون بين الحكومات والمختبرات، بالتوازي مع الاستثمار والتطوير.
بين «دولي» والذكاء الاصطناعي ثلاثة عقود من التحول العلمي. في الحالتين يقف الإنسان أمام قدرته على تجاوز حدوده. وجدت البشرية في الاستنساخ حداً استطاعت رسمه بسهولة نسبية، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الدواء والطاقة والاقتصاد والبحث العلمي.
السؤال هذه المرة أكثر تعقيداً: كيف يمتلك الإنسان الحكمة الكافية لإدارة القوة التي صار عاجزاً عن الاستغناء عنها؟

كاتب يمني

أخبار متعلقة :