بوابة مصر الجديدة

على من تقرأ مزاميرك يا نتنياهو؟

كان من المفترض على ما يسمى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ألا يتفاجأ من انسحاب أكثر من سبعين دولة، لحظة إلقاء كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتباره مطلوباً، بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن وكما يقول المثل الشعبي إن لم تستح فافعل ما شئت.
بنبرة الحانق الكاظم لغيظه وعيناه تتطاير منهما الشرر، وجّه دعوة للذين لم ينسحبوا بالقول، إذا كان لا يزال في هذه القاعة أيٌ من الجبناء أخلاقياً الذين لم يغادروها بعد، فتفضلوا بالمغادرة الآن.
يُذكر ممن بقوا؛ بالخط الأحمر الذي رسمه لإيران وتعهداته بمنع الدكتاتورية الإيرانية القاتلة من تطوير قنابل ذرية، وأسلحة نووية تستهدف تدمير «إسرائيل» والعالم بأسره، متناسياً غض البصر عن التحركات الإيرانية على الساحتين السورية واللبنانية ووصول قاسم سليماني لأقرب نقطة من فلسطين، هل كانت راداراته وصور الأقمار حينها معطلة؟!
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويراوغ كما يراوغ الثعلب، ومحاولته اللعب على حبل التاريخ، ويسمى حروبه دفاعاً عن «إسرائيل» وعن الدول التي انسحبت في إشارة إلى بعض الدول الغربية والعربية، وعن تواجد اليهود في «يهودا

 نتنياهو يكذب حين يفتح فمه، حتى داخل ما يسمى المجتمع الإسرائيلي لا أحد يصدقه، في الوقت التي تسجل المعارضة نجاحاً كبيراً لإزاحته وإخراجه من عالم السياسة

والسامرة»، قلب الوطن التاريخي للشعب اليهودي حسب زعمه وأسماره. ومحاولاته الفاشلة في تحويل الصراع من صراع سياسي وجغرافي إلى صراع ديني.
انقلب على الدولتين اللتين وفرتا لكيانه البيئة المناسبة لتمرير المشروع الصهيوني، بريطانيا وفرنسا، وتغاضيه عن القرار الذي بموجبه قامت إسرائيل رقم 181، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. في سابقة لم تحدث من قبل، مذكراً بماضيهم الاستعماري، ومستعمراتهم في جميع أنحاء العالم.
يكشف عن نيات الكيان الصهيوني، لاغياً من قاموسه الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان، ويؤكد أن الأمر يتعلق ببقاء الدولة اليهودية الوحيدة من غير تحديد الحدود الجغرافية، يعتبر الحرب التي شنت من مصر وسوريا والأردن محاولة لإبادة اليهود، وهذا تناقض صريح، لأن المشكلة ليست مع اليهود، بل مع الصهاينة ومشروعهم السرطاني.
يستحضر من التاريخ قصة شقيقه يوناتان يوني الذي قتل في عنتيبي -أوغندا، وكلماته التي حفرت بذاكرته و»النصر»، الخيار الوحيد، ورفضهم إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين الذين طالب بهم الكوماندوس الفلسطيني ومحاولة تشبيه الفدائيين بالنازيين، إذ لا توجد معجزة لتحرير المختطفين الإسرائيليين، بل يوجد مكر وغدر ودهاء، وبالمقابل رحمة ومعاملة حسب الدين الإسلامي عند الفلسطينيين.
يُصر على تزييف الحقائق، ويلصق تهمة الاغتصاب والقتل العشوائي للأطفال والنساء وكبار السن، في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول2026 وصدق عندما وصف ذلك اليوم بأنه أحلك يوم في تاريخ الكيان الصهيوني. وإصراره الماكر على ربط الحدث الغزاوي بهجمات القاعدة على مركز التجارة العالمي في مانهاتن 11 أيلول / سبتمبر 2001 بالإضافة إلى التذكير بالحرب على سبع جبهات بدءا ً من حماس وحزب الله والحوثيين، وإيران، والميليشيات العراقية والسورية وانتهاءً في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) واعتبرهم متكالبين جميعاً على «إسرائيل» لمحوها من على وجه الأرض.
يدرك بأنه يوجه خطابه للداخل الصهيوني، وتعطيل الآليات التي بموجبها وفرّت بيئة مصطنعة عن السردية الصهيونية في العالم، عبر الروايات واحتكار دور السينما والقوانين الصارمة على الجامعات العالمية، حتى القدرة على اغتيال الشخصيات النافذة التي تنتقد الكيان الصهيوني وممارساته الإجرامية… لذلك أصر على إلقاء كلمته للمقاعد الخالية، وبعض من دول صغيرة دفعت لها مقابل البقاء، ودول باعت شرفها وكرامتها ومبادئها.
هذا الكذاب الأشر، كتم غيظه وانفجر كذبه، واستحالت عن التصديق، يدعو للعودة للتاريخ، والتاريخ ليس في صالحه، في حين أن الجغرافية وحدها قادرة على فضحه، إذ لا توجد أي آثار لما يزعم، وحفرياتهم المستمرة تقول ذلك، في الوقت الذي تنكشف سرديتهم المزيفة أمام العالم، واعتبارهم مجرمين وقتلة، انعكست القاعدة التي بنوا عليها كل أكاذيبهم وأراجيفهم وأسمارهم، بينما في أقل الجهود كانوا يمررون الكذب عن مظلوميتهم وبالتالي الضرائب في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وبقية العالم الذي يصدق روايتهم يدفع دون تفكير أو تردد، أما اليوم انقلب السحر على الساحر بعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة وتغول المستوطنين في الضفة الغربية.
أعتقد أن نتنياهو يكذب حين يفتح فمه، حتى داخل ما يسمى المجتمع الإسرائيلي لا أحد يصدقه، في الوقت التي تسجل المعارضة نجاحاً كبيراً لإزاحته وإخراجه من عالم السياسة، والمصطلح العبري المقصود (رالاب)، يعني حرفياً «أي شيء إلا بيبي» أو «أي أحد إلا بيبي».. على من تقرأ مزاميرك؟
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي

أخبار متعلقة :