بوابة مصر الجديدة

لم يصلني الخبر السيئ

هناك عواطف اجتماعية أفهم آلية عملها حتى لو لم أحبها، إلا الشماتة؛ بقيت كما أراها واحدة من تلك الاختراعات البشرية التي أعرف وظيفتها نظرياً ولا أعرف كيف أستعملها شخصياً. يخبرني أحدهم، بكثير من الحذر، أن شخصاً ما مسرور بما أصابني، فأحاول أن أتعامل مع المعلومة بالجدية التي يستحقها ناقلها، لكنني أفشل. ما المطلوب مني تحديداً؛ أن أحزن لأن إنساناً آخر سعيد؟ أن أضيف إلى ما حدث لي مصيبة ثانية اسمها رأيه بما حدث؟ لطالما شعرت أن في هذه المعادلة مصروفات عاطفية زائدة يمكن الاستغناء عنها.
فالشماتة، خلافاً لما نظن، ليست فعلاً يستطيع الشامت إنجازه بمفرده. إنها تحتاج إلى شريك في الجهة المقابلة، شخص يعترف بالمحكمة قبل أن يتأذى من الحكم. لهذا لا تكفي المصيبة وحدها؛ ينبغي أن نتفق أولاً على أنها مصيبة. على الجماعة أن تحدد لك شكل الحياة الناجحة، ثم تقيس المسافة بينك وبينها، وبعد ذلك فقط يصبح سقوطك مفهوماً ومتاحاً للاحتفال. لكن ماذا لو كنت خارج هذا القياس كله؟ ماذا لو كان الشيء الذي يعدونه خسارة قد خلصك، وما يسمونه سقوطاً كان أقصر طريق وجدته إلى مكان آخر، وما يتداولونه باعتباره فضيحة لا يثير فيك أكثر من فضول بارد تجاه الطاقة التي يبذلها البشر في إدارة حياة ليست حياتهم؟
لهذا لا يثير انتباهي الشامت بقدر ما يثيره الشخص الذي يخشاه. أسمع أحدهم يقول: «لا تفعلي ذلك، سيشمتون بك»، فأفكر في الحياة العجيبة التي يعيشها إنسان يحتاج قبل اتخاذ قرار يخصه، إلى إجراء استفتاء في رؤوس أشخاص لا يحبهم. كم شخصاً يسكن هناك؟ وكم صوتاً يحتاج القرار من أجل أن يمر؟ إن بعض البشر لا يعيشون حياتهم بقدر ما يديرون سمعتهم عنها. قد يؤجل أحدهم خلاصه، ويحتفظ بعلاقة استنفدت معناها، ويتمسك بمكان يؤذيه، ويواصل تمثيل سعادة انتهت منذ زمن، فقط لأن المغادرة ستمنح خصماً مجهولاً فرصة أن يقول: «كنت أعرف».
وهنا تبلغ المسألة درجة من الطرافة يصعب عليّ مقاومتها. فالإنسان الذي نكرهه يصبح من فرط خوفنا من شماتته شريكاً سرياً في قراراتنا؛ نطعمه من أعمارنا كي لا يتغذى على هزائمنا، ونختار أحياناً تعاستنا بأيدينا حتى لا يتمتع هو بمشهد سقوطنا. لا أعرف اسماً مناسباً لهذا السخاء، لكنني أعرف أنني بخيلة جداً في هذا الباب. لا أمنح الغرباء حق التصويت في حياتي، ولا أوزع مفاتيح أعصابي على الناس ولا أستطيع، مهما حاولت، أن أعيش يوماً سيئاً إضافياً فقط كي أحرم شخصاً لا أحبه من يوم جيد. أنا آسفة أيها السادة، هذه كلفة اجتماعية أعلى بكثير مما أنوي دفعه.
شوبنهاور كان أقل تسامحاً مني. رأى في الشماتة علامة شديدة السوء في الطبيعة الأخلاقية للإنسان، لأن الحاسد يريد ما عندك، أما الشامت فلا يحتاج إلى شيء منك سوى أن تتألم. دوستويفسكي من جهته، كان يعرف هذه الزاوية المظلمة جيداً. حين يدهس مارميلادوف في «الجريمة والعقاب»، لا تكون المأساة في الجسد الملقى وحده، بل في العيون التي تتجمع حوله. ثمة شيء غامض يجذب الإنسان إلى كارثة الآخر؛ شيء أقدم من التهذيب، يقف خلف الشفقة وينظر من فوق كتفها.
والأنثروبولوجيا تعرف ذلك أيضاً. للميلانيزيين في بعض جزر المحيط الهادئ اسم للسخرية من سوء حظ الآخرين: «بانبانام». وللغات والثقافات الأخرى طرائقها الخاصة في منح هذه اللذة اسماً أو طقساً. لكننا على ما يبدو، حملنا الشماتة معنا في حقائب النوع البشري منذ زمن بعيد. نراقب سقوط الآخر كي نطمئن إلى أننا ما زلنا واقفين، ونقيس ارتفاعنا أحياناً بالحفرة التي وقع فيها.
لكن ثمة مشكلة صغيرة تواجه من يريد أن يشمت بي: قد لا نتفق أصلاً على تعريف الحفرة.
مرة جاءني شخص بنبرة من يحمل نبأ كارثياً ليخبرني أن أناساً سعداء بما حدث لي. وكانت المفارقة أنني كنت سعيدة أيضاً. لم أعرف، إلى اليوم، من منا كان يفترض أن يفسد أمسية الآخر.
أحب هذه المسافة بين ما يقع لنا وما يعتقد الناس أنه وقع لنا. إنها المنطقة الوحيدة التي لا تستطيع الجماعة احتلالها. ففي داخلها أقرر وحدي أسماء الأشياء. ليست كل نهاية خسارة، ولا كل انكشاف فضيحة، ولا كل سقوط هزيمة. وقد يكون ما يراه الآخرون انهياراً كانَ في الحقيقة باباً خرجت منه أخيراً من غرفة ضيقة.
ولأنني أكتب، لدي علاقة غير أخلاقية قليلاً بالكوارث. أتألم منها بالتأكيد، لكنني أسرقها أيضاً. أترك المصيبة تتجول في البيت لبعض الوقت معتقدة أنها استولت عليه، وعندما تطمئن آخذ منها جملة، وبعد الجملة فقرة، وبعد الفقرة معنى. وما إن تتحول الكارثة إلى لغة حتى تنقلب موازين الملكية: الشيء الذي جاء ليسلبني شيئاً يصبح هو نفسه شيئاً أملكه.
لهذا ربما أبدو باردة عندما تنقلب الدنيا رأساً على عقب في أمر يُشاع صادف أنه يخصني. المسألة ليست شجاعة خارقة، بل سيادة داخلية اكتسبتها باكراً: لا أحد يستطيع تأميم حياتي الشعورية. العالم يستطيع أن يغير الوقائع، لكنه لا يملك حق تسميتها نيابة عني.
فليفرح الشامت إذن. لا أريد حتى أن أفسد عليه فرحته؛ ليقم الحفل، وليدع المدعوين، وليطفئ الشموع أيضاً.
المشكلة الوحيدة أنه عندما يلتفت أخيراً بحثاً عني، سيكتشف أن صاحبة المصيبة غادرت الحفل منذ البداية، أخذت المصيبة معها، وفي الطريق إلى البيت حولتها إلى أدب.

أخبار متعلقة :