سمداربيري
استغرقت الصحافية الأمريكية المخضرمة فيفيان سلامة، من مجلة “أتلانتيك”، شهورًا عديدة لتستوعب الحقائق التي دفعتها لنشر مقال “التحذير المصري لإسرائيل” عشية حرب غزة، الذي كشفت فيه النقاب عن الزيارة السرية التي قام بها رئيس المخابرات المصرية السابق عباس كامل إلى إسرائيل، قبل 11 يومًا من 7 أكتوبر.
وبحسب التقرير، وصل كامل على متن طائرة “سيسنا” مستأجرة، وطُلب من الطيار ركنها في مكان منعزل في المطار.
لم يتضح من التقرير من كان على متن الطائرة. بقيت الطائرة على الأرض لـ 63 دقيقة، ثم أقلعت وعادت إلى مصر. جاء كامل ليحذر إسرائيل من احتمال امتداد هجوم حماس على إسرائيل باتجاه سيناء وداخل أراضي مصر الكبرى. وبحسب التقرير، فقد أُرسل كامل بأوامر مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وتُثير هذه القضية ضجة كبيرة الآن، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في إسرائيل والعالم العربي بأسره. ففي 26 أيلول، جاء أول تحذير من مصر بشأن “شيء فظيع” يُخطط له في غزة. وبعد ثلاثة أيام من تحقق التحذير، تلقيت اتصالاً من مصدر مصري رفيع المستوى، عملت معه لسنوات طويلة. قال لي المصدر: “لقد نقلنا لنتنياهو تحذيراً من أن شيئًا فظيعًا على وشك الحدوث من جهة غزة”.
كما تلقت وكالة “أسوشيتد برس”، أكبر وكالة أنباء في العالم، وصحيفة بريطانية، العبارة نفسها. وأضاف المصدر: “لكنني سأقدم لك المزيد من التفاصيل، لأنك في إسرائيل، ومن المفترض أن يُقلقك هذا التحذير”. لم يسبق لي أن التقيت بهذا المصدر وجهًا لوجه، ولم يسبق له أن زودني بمعلومات كاذبة. كعادته، اتصل بي، وأبلغني بما وعدني به، وأجاب عن بعض أسئلتي، وأصرّ على عدم الكشف عن هويته.
ذات مرة، خلال زيارة للقصر الرئاسي، رأيت أمامي صفًا طويلًا من ضباط المخابرات المصرية. كان توترهم واضحًا. ابتسم لي أحدهم ولوّح بيده خلسةً. كانت تلك الإشارة الوحيدة التي عرفت بها هوية المصدر. فورًا بعد ذاك التلويح، طُلب من الصحافيين مغادرة القاعة.
هبطت طائرة “سيسنا” المصرية في مطار بن غوريون قبل ساعات فقط من الاحتفال الرسمي بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر. كان نتنياهو حاضرًا في المناسبة، وليس واضحاً من كان على متن الطائرة من الجانب الإسرائيلي للتحدث مع كامل
ويا للمفارقة! هبطت طائرة “سيسنا” المصرية في مطار بن غوريون قبل ساعات فقط من الاحتفال الرسمي بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر. كان نتنياهو حاضرًا في المناسبة، وليس واضحاً من كان على متن الطائرة من الجانب الإسرائيلي للتحدث مع كامل. لم يأتِ كامل للتحذير فحسب، بل أيضاً ليقترح على إسرائيل زيادة وتيرة المساعدات الاقتصادية لغزة، لمنع نشوب صراع، بعد إلغاء 180 ألف تصريح عمل لغزي في إسرائيل قبل شهر من الهجوم.
“من المتوقع أن تنفجر غزة في وجه إسرائيل”
لم تكن مصر مستعدة للمساعدة، وجاء رئيس المخابرات كامل ليحذر. أكد مصدر أمني إسرائيلي، تلقى تقريرًا عن الزيارة السرية، لمجلة “أتلانتيك” ولي شخصيًا، أنه “إذا لم تُغير إسرائيل سياستها، فمن المتوقع أن تنفجر غزة في وجهها”. لم تُقدم تفاصيل أخرى، لكن التحذير المصري كان قويًا وحازمًا.
لا ننسى أن المُحذِّر الرئيسي، رئيس المخابرات المصرية، كان معروفًا في بلدنا بشخصيته الجادة والمتزنة والموثوقة. وقد حظي بإشادة واسعة من كبار المسؤولين الإسرائيليين. نفى نتنياهو لقاءه بكامل خلال زياراته العلنية لإسرائيل، لكن صورًا لهما، وهما منغمسان في حديث رسمي في مكانين مختلفين في إسرائيل، كشفت عن حقيقة أخرى. وبحسب التقارير، وافق نتنياهو على زيادة المساعدات الاقتصادية لغزة بعد الزيارة الأولى.
رسالة التحذير الثانية، التي بُثت من مصر في 5 أكتوبر، لم تُحدد تاريخًا دقيقًا للهجوم، لكن التحذير كان شديدًا للغاية. من المهم أن نتذكر أن الجهاز الحاكم في مصر يكره حماس و”الجهاد الإسلامي” بقدر كرهه لإسرائيل.
لقد فشلت النخبة السياسية والأمنية هنا في إسرائيل في إدراك نوايا السنوار الحقيقية. تعمّد إجراء مقابلة مع صحافي إيطالي، لتسليط الضوء على “نواياه السلمية” (بين قوسين)، ضد إسرائيل. وبذلك، يكون السنوار أغشى عيون المسؤولين هنا.
تذكروا كيف هدد ضابط في القيادة الجنوبية بفصل مراقب حذر من أن “حماس على الحدود”. ولا ننسى المراقبة الراحلة روني إيشيل، التي كشفت والدتها شارون إيشيل، عن تسجيل لابنتها تحذر فيه من قوات حماس التي “تدرسنا”، مؤكدةً على التدريب غير المألوف والنهج غير المعتاد تجاه الحدود. وكانت هناك تحذيرات أخرى، ليس فقط من مصر. لم يُؤخذ أي منها على محمل الجد.
يديعوت أحرونوت 27/9/2026
أخبار متعلقة :